الهروب إلى الأمام.. النموذج الليبي!!
05 مارس 2015 , 02:30ص
غارة سياسية وإعلامية، شنتها الحكومة الليبية في طبرق على الساحة المصرية عندما قرر رئيس الوزراء عبدالله الثنئ أن يزور القاهرة نهاية الأسبوع الماضي، يرافقه مجلس الوزراء أو على الأقل الوزراء السياديون، الدفاع والخارجية والداخلية والإعلام، قد لا تكون الأولى للرجل أو وزرائه فقد سبقتها زيارات أخرى في مناسبات مختلفة، ولكنها أثارت العديد من التعليقات، في المقدمة منها أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لم يلتق بالثنئ خلالها، رغم أنه وفي اليوم نفسه تقابل مع أشخاص قد يكونون أقل أهمية، دون أن ينفي ذلك وجود اللقاءات الثنائية بين رئيسي وزراء البلدين أو المناظرين لهما من الجانبين، كما أن الزيارة جاءت بعد فشل واضح من دبلوماسية البلدين، التي لجأت إلى مجلس الأمن عن طريق الأردن للحصول على قرار يرفع الحظر المفروض على تسليح الجيش الليبي، ويسمح بتحالف دولي تقوده مصر ضد ما يطلق عليه الإرهاب في ليبيا، ففشلا تماما في ذلك، ورغم النفي المصري لسحب الأردن لمشروع القرار، ولكنه رغم مرور كل ذلك الوقت لم يعد له أثر في مداولات المجلس، كما أن الزيارة جاءت بعد حدث مأساوي تعرض له 21 مصريا من العاملين في ليبيا على يدي تنظيم «داعش» الإرهابي، وقيام طائرات مصرية بغارات، وقيل يومها إنها تمت بتنسيق بين البلدين، وإن ليبيا وفرت المعلومات، والحماية الجوية للطائرات أثناء وجودها في المجال الليبي.
وبحكم عملي ومتابعتي للشأن العربي كان من المهم البحث فيما جرى خلال تلك الزيارة التي لم تعلن نتائجها بشكل رسمي، واكتفى الجانب الليبي بسيل من التصريحات، واللقاءات الإعلامية في الصحف الخاصة والقومية والفضائيات الرسمية والخاصة، وكلها تكشف عن مجموعة من القواسم المشتركة، التي تجمع بين رموز تجربة حكومة طبرق والنظام في مصر، ونتوقف عند بعضها مع التركيز على التجربة الليبية باعتبارها موضوع المقال:
أولا: الانقلاب الحاد في المواقف والتحالفات، ولعل عبدالله الثنئ هو النموذج الواضح والصريح لذلك، فالرجل ينسى التاريخ القريب جدا، فقد كان هو خيار المؤتمر الوطني أثناء وجود حزب التنمية والبناء الممثل للإخوان المسلمين في ليبيا في السلطة، وكان صاحب الأكثرية في المجلس ومدعوما من كل الجماعات المسلحة، والتي كان لها الفضل الأول في إسقاط القذافي وهؤلاء هم من اختاروه وزيرا للدفاع على خلفية أنه لم يكن على وفاق مع نظام القذافي، بعد انتقاده لحرب تشاد في ثمانينيات القرن الماضي، وهروب شقيقه بشير بطائرته إلى مصر، وتولي الرجل المنصب لفترة ليست قصيرة، بل عندما احتدمت الخلافات مع رئيس الوزراء السابق علي زيدان والمؤتمر الوطني، تم تكليفه في مارس الماضي كرئيس للوزراء، وأدى اليمين الدستورية بعد سحب الثقة من زيدان، ولكنه غير تحالفاته عندما انحاز إلى عملية كرامة ليبيا بزعامة خصمه اللواء خليفة حفتر، بعد أن أدرك أن المزاج في المنطقة يعارض وبشدة من دول مهمة، أن يكون تيار الإسلام السياسي جزءا من السلطة في أي بلد، كل ما سبق قد يكون بلغة السياسيين طبيعيا، ولكن الغريب في الأمر تلك الحملة الشرسة التي شنها الثنئ أثناء وجوده في مصر على الإخوان، ووصلت إلى أن يقول «إذا استولوا على ليبيا، فقل عليها السلام».
ثانيا: عملية خلط الأوراق بين تنظيمات تمارس السياسية وجماعات مسلحة تخشى من حالة عدم الاستقرار، وفشل الحكومات السابقة في مشروعات دمج أفرادها، ضمن الجيش الوطني الذي لم يتشكل حتى الآن، لتقوم بتسليم سلاحها له وبين جماعات إرهابية معروفة لدى الجميع ويعاني منها، ومنها تنظيم «داعش»، الذي ظهر في سرت، وأنصار الشريعة في إقليم درنة، وإرهاب هذه الجماعات يستهدف الحكومتين والبرلمانيين في طبرق وطرابلس معا، ورغم ذلك فحكومة الثنئ تروج الآن، أن كل ما يمت بصلة إلى فجر ليبيا، هم مجموعة من الإرهابيين، وهو نفس ما يتم في مصر، في إطار الجمع بين جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من تنظيمات إرهابية، تفتخر بقيامها بعملياتها في سيناء ومناطق أخرى من مصر.
ثالثا: عدم القدرة على التعامل مع الحجم الكبير للصراعات الداخلية، داخل صفوف الحكومة نفسها، ومع البرلمان، ومن ذلك أزمة اللواء خليفة حفتر، والذي يعتبر نفسه فوق الحكومة، وفوق الدولة الليبية ذاتها، وقد منع طائرة رئيس الحكومة من الهبوط لبعض الوقت، في مطار بنغازي، وحاول اختطاف الوزراء خلال اجتماع الحكومة في الفترة القريبة الماضية، وخالف الثنئ القانون عندما عزل وزير الداخلية عمر السنكي لمجرد انتقاده العلني لحفتر، وتصريحه الشهير «إما أن نعزل حفتر أو يعزلنا»، وهو يعتبر نفسه حكومة مستقلة، ولا يحترم الجيش فتم عزله دون موافقة البرلمان، وتعيين وكيل وزارة الداخلية أحمد بركة التباوي، وزيرا مكلفا في انتظار موافقة مجلس النواب، ومن ذلك أيضاً التصريح الغريب على لسان قائد القوات الجوية الليبية صقر الجروشي، الذي أعلن فيه «أنه لا يستطيع منع الطيارين من قصف مقر مجلس النواب، إذا لم ينفذ رغبات القوات المسلحة في تعيين حفتر قائدا عاما» وهي التصريحات التي وصفها وزير الدفاع الليبي مسعود رحومة، بأنها غير مسؤولة من شخص يجب عليه تنفيذ الأوامر، دون تدخل في تعيين هذا الشخص أو ذاك، معلنا أنه تمت إحالته للتحقيق، وستتخذ في حقه الإجراءات القانونية.
رابعا: البحث عن شماعة للفشل، بخلق عدو وهمي خارجي، لتحميله مسؤولية كل ما يجري، وتحفل كل التصريحات الليبية، وعلى كل المستويات، باتهام تركيا وغيرها، بأنها وراء حالة عدم الاستقرار في ليبيا، رغم ما يروج له بعض كبار المسؤولين، ومنهم رئيس الوزراء نفسه، الذي أصدر قرارا بمنع الشركات التركية من العمل في ليبيا، وكأنه يسيطر على كل مناطق الدولة رغم أنه يدير عمل حكومته من مدينة البيضا في الشرق، ودون اعتراف صريح بحقيقة انحياز الدوحة، ومنذ بداية أيام ثورة فبراير 2011، إلى تطلعات الشعب الليبي في التخلص من نظام القذافي.
خامسا: التخبط الشديد وغياب رؤية متكاملة لحل الأزمة، ومن ذلك أن الحكومة الليبية هي من لجأت إلى مجلس الأمن، وعندما لم يتم تمرير المشروع المشترك مع مصر، راح الثنئ ومن القاهرة في شن هجوم ضار على المجلس، والشرعية الدولية والدول الكبرى، وتصريحاته بأن بلاده «لا تعول كثيرا على مجلس الأمن الذي تتحكم فيه مصالح وتحالفات، ونعتمد على الدول الشقيقة والصديقة» كما أن الحكومة التي شاركت في أكثر من جولة للحوار الوطني أعادت المسألة إلى نقطة الصفر، بفرض شروط جديدة لاستئنافه من جديد بعد تعليقه.
usama.agag@yahoo.com •