


عدد المقالات 307
هل أن المشكلة في كشف وثائق «وكالة الأمن القومي» الأميركية أم فيما تفعله هذه الوكالة؟ لا شك أن الأوروبيين الذين اكتشفوا أن «الأخ الأكبر» يتجسس عليهم، رؤساء وزعماء ومواطنين، يشعرون بشيء من الامتنان الضمني لإدوارد سنودن، ولو أنهم لا يتمنون أن يحذو أيٌ من مرؤوسيهم حذو هذا الموظف الذي فجّر فضيحة التنصّت وأغرق الإدارة الأميركية في حرج وإرباك لم تستطع إخفاءهما. حتى القول بأن «الكل يتجسس على الكل» لا يكفي للتبرير، ولا الادعاء بأن الأمر «يتعلّق بمراقبة مشتبهين بأعمال إرهابية» يكفي للإقناع بأن «الضرورات الأمنية» تقتضي اختراق خصوصية هواتف قادة الدول الحليفة. فهذا مجرد رعونة هدفها في النهاية امتلاك وسائل للابتزاز. لا جديد في هذا النشاط الاستخباري، يقول خبراء الجوسسة مستندين إلى وقائع كثيرة سابقة، لكنهم يقرّون مع ذلك بأنهم إزاء أوسع العمليات الأميركية على الإطلاق، وأن وسائل الاتصال الحديثة وفّرت سرعة غير مسبوقة ومجالاً لا متناهياً للحصول على معلومات وتحليلها وتخزينها. فالأساليب القديمة لاعتراض الرسائل البريدية كانت تتطلّب عملاً يدوياً وطواقم كبيرة من دون أن تتمكّن من الإحاطة بكل ما تستهدفه في الوقت الطبيعي الذي لا يثير الشكوك، أما الدخول إلى الرسائل الإلكترونية فأصبح مسهّلاً بفضل البرمجة المسبقة والمحدَّثة بالاعتماد على أسماء ومصطلحات دليلية وملايين الرموز والشفرات والاستنباطات المفككة. وكذلك قرصنة المكالمات خصوصاً على الهواتف الذكية التي تستخدم تقنيات متقدمة. لا جديد أيضاً، قد يقول اختصاصيّو علم الاجتماع السياسي، فالولايات المتحدة تحركت دائماً بهاجس التفوّق والسعي إلى التحكّم الكوني بالأمن والتصنيع الأمني، كما عوّدت حتى الدول الكبرى على أنها ليست القوة الأقوى فحسب بل إن الغطرسة عن سابق تصوّر وتصميم هي في عمق ثقافة الحكم السائدة فيها ونظرتها الفوقية إلى العالم. وإلا فما الذي يخوّل لباراك أوباما والعديد من مسؤوليه القول تلقائياً بأن برنامج التنصّت «شرعي» أو «قانوني»، ثم عندما وقع الخلاف مع الحلفاء الأوروبيين كان لا بدّ من التراجع، أقلّه في العلن، علماً بأن هؤلاء الحلفاء ليسوا مقتنعين وباتوا يريدون التزامات رسمية (أي قانونية) أو بحدٍّ أدنى تفاهمات موثّقة بين الوكالات والأجهزة الاستخبارية. غير أن السياسات المستجدّة، خصوصاً في عهد هذه الإدارة، تنمّ عن رغبة أميركية متزايدة في الانكفاء، فما الذي يدعو واشنطن إلى هذا الانفلاش الاستخباري، وهل بلغت تداعيات هجمات 11 سبتمبر 2001 وهواجسها الأمنية حدّ الهوس المَرَضي؟ الأكيد أن هناك مبالغة وأنها بطبيعة الحال تستدرج الأخطاء، ولا تنفرد «وكالة الأمن القومي» الأميركية بمراقبة الاتصالات الإنترنتية والهاتفية بل تشاركها وكالة الاستخبارات البريطانية من خلال برنامج يسمّى «تمبورا». هنا تكمن المفارقة في أن لندن تشهد منذ أكثر من عامين تفاعلات قضية تنصّت استهدفت بها إحدى الصحف هواتف عدد من المشاهير فضلاً عن أشخاص عاديين، وتوصلت لجنة تحقيق خاصة إلى توصيات بفرض «ضوابط» على وسائل الإعلام، ما أطلق جدلاً في الوسطين السياسي والإعلامي لم ينتهِ بعد، ومحوره الحرص على عدم المسّ بحرية البحث عن الحقيقة. وما أشعل تحدياً جديداً للحكومة البريطانية الحالية أن صحافة لندن هي التي بادرت إلى نشر وثائق سنودن، ومرّت العلاقة بين الجانبين بأجواء تشنج غير مألوفة. لكن هذه الحكومة تجد نفسها متهمة أيضاً أسوةً بالإدارة الأميركية، وبالتالي فهي مطالبة بالخضوع لضوابط. إذاً، ارتسم صراع على أكثر من صعيد: مع دول حليفة - صديقة، مع مؤسسات دولية كشفت الوثائق أنها تحت المراقبة الأميركية مثل الأمم المتحدة والبنك وصندوق النقد الدوليين، وكذلك مع الإعلام الغربي خصوصاً الأوروبي الذي أسهم في كشف الفضيحة التي راحت تكبر ككرة الثلج. ويأخذ الصحافي جلين جرينوالد (ناشر وثائق سنودن في «الجارديان») على الصحافة الأميركية أنها باتت مستعدة لتجاهل المهنية الصحافية لمصلحة ما يسمّيه «التزاماً وطنياً». والواقع أن ما حصل بالنسبة إلى وثائق «ويكيليكس» سابقاً تكرر مع وثائق سنودن، إذ لم ترحّب الصحافة الأميركية ولم تبادر إلى النشر، رغم أنها تفاعلت فيما بعد مع الحدث وتوسّعت في تغطيته عندما تفجّر في حرم السياسة الداخلية حتى إن بعض الإعلام اليميني بدأ يطلق عليه اسم «أوباما - جيت». أياً تكن النتيجة التي ستسفر عنها الاتصالات مع واشنطن فإن الأوروبيين باشروا وضع السيناريوهات النظرية والتطبيقية لـ «حماية الخصوصية»، لأنهم أولاً لا يريدون للمسألة أن تتفاقم داخلياً باعتبار أن مواطنيهم يتعرضون لانتهاك لم تشرّعه قوانينهم، ولأنهم ثانياً لن يثقوا بما قد يتعهد الأميركيون بشأن نشاط كان يفترض أن يبقى سرياً أي أن واشنطن قد تتخذ فقط الإجراءات الضرورية لحماية سرّيته والحول دون انكشافه في المستقبل، وطالما أن المنظومة وجدت وجرى استخدامها منذ أعوام وإدخالها في مسارات الاستخبار الأميركي فلا شيء يضمن أن يصار إلى تعطيلها، لذا وجب أوروبياً التعامل مع الأمر الواقع بمواجهته. قد يكون من عيوب وسائل التواصل الحديثة أنها تتيح، في إطار التسهيلات التي توفّرها، مزيداً من الفرص لانتهاك الخصوصيات، رغم أنها تُقدَّم باعتبارها أحدث وسائل استعادة الحريات والتمتّع بها. لكن ما أقدمت عليه الوكالة الأميركية ذهب إلى حدّ إساءة استخدام السلطة، خصوصاً أنها لا تشاطر الدول المعنية ما تحصل عليه أو بعضه حتى لو طلبته منها، بل حتى لو كان ذلك ضرورياً أحياناً. في أي حال، يبقى كشف المستور مرغوباً وإنْ لم تظهر مؤشرات حتى الآن على أنه أسهم بشكل أو بآخر -إيجابياً- في تهذيب السياسات الأميركية وتغييرها.
لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...
في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...
هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...
فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...
لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...
ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...
وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...
لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...
مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...
السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...
ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...
لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...