alsharq

د. موسى آل هجاد الزهراني

عدد المقالات 80

في المستشفى!

03 أغسطس 2016 , 06:59ص

مررتُ هذا الأسبوع بمرضٍ أقعدني عن الحركة والأكل والنوم، رأيت الموتَ –حقيقة-في أنصاف الليالي عدة مرات، وأصبحت كأني أتنفس من ثقب إبرة، أو كأنني أعيش بين جدارين طويلين ضيقين، كانت أحلامي أشبه ما تكون بشجرة الزقوم التي طلعها كأنه رؤوس الشياطين، أما الأكل فلا أعلم لماذا كنت أغفو غفواتٍ وأستيقظ وأنا أردد بيت أبي الطيب: ومَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ يَجدْ مُرّاً بهِ المَاءَ الزُّلالا كنت هكذا تماماً، مرارة الفم حرمتني لذة كل شيء، لعل ذلك مما أجد من مرارة المرض، والأدوية على لساني وفي حلقي، حتى فسد علي الطعام والشراب. أما العذاب الأكبر فينزل بي إذا حلَّ الظلام، تأتي النوائبُ والمصائب من كل جانب، حرارةٌ رهيبةٌ أشعر بها من أخمص القدمين إلى شعر رأسي، وزمهريرٌ في جسمي، كيف هذا؟! وقد تذكرت حُمَّى أبي الطيب في مصر مرة أخرى، وكم كتبت عنها: وَزَائِرَتي كَأنّ بهَا حَيَاءً فَلَيسَ تَزُورُ إلاّ في الظّلامِ وقد أحسن تصوير حالي : يَضِيقُ الجِلْدُ عَنْ نَفَسي وَعَنها فَتُوسِعُهُ بِأنْوَاعِ السّقَامِ لم يعد لي رغبة في الكلام، بل ولا في المنام، لكن الأقسى من هذا أني عندما ذهبت إلى المستشفى ليلة، وأخبرني الطبيب بعلتي بل بعللي، وأمر بتعليق (المغذي) على رأسي، ووضع أنابيبه في وريدي، لم تجد الممرضة عِرقا صالحاً لتدخل فيه تلك الإبر إلا بصعوبة، بعد أن رأت شيئاً من الدم ينزف من كفي! كنت أتأمل ذلك الكيس المعلق على رأسي، وتلك القطرات التي تنزل الواحدة تلو الأخرى، فأشعر وكأن بين كلِّ قطرتين شهراً كاملاً. ضاقت عليَّ نفسي، وتوالى شريط الذكريات بكل قسوة، ما أحقر الحياة! غربة في الأرض، وغربة في الجسم، وغربة في الأهل. يَقُولُ ليَ الطّبيبُ أكَلْتَ شَيئاً وَداؤكَ في شَرَابِكَ وَالطّعامِ ماذا أقول له؟ أأشكو له ما أتخيله أمامي في شريط الذكريات ولا يراه؟ وهل لديه مضادٌ حيويٌّ يشفي من أليم ذكرياتي وواقعي؟ ترعبني سنواتي الماضيات، وسنواتي الآتيات؛ إن كانت قد بقيتْ لي سنواتٌ آتيات! نَبْكِي عَلَى الدُّنْيَا وَمَا مِن مَعْشَرٍ جَمَعَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يَتَفَرَّقُوا تغربت لكي أعود فأسعد من تغربتُ عنهم، فإذا بهم يتناقصون كلَّ عامٍ حتى لم يبق منهم من يسعد بعودتي، ولم أسعد أنا بغربتي. وما ماضي الشّبابِ بمُسْتَرَدٍّ ولا يَوْمٌ يَمُرّ بمُسْتَعادِ نغفل عن حقيقة الحقائق: فَالمَوْتُ آتٍ وَالنُّفُوسُ نَفائِسٌ وَالمُسْتَعِزُّ بِمَا لَدَيْهِ الأحْمَقُ أليس غرابُ البين دئماً ينعق على خراب بيوتنا؟ أبَني أبِينَا نَحْنُ أهْلُ مَنَازِلٍ أبَداً غُرابُ البَينِ فيها يَنْعَقُ! وحرارة الحمَّى كالبركان في جسمي تنهالُ عليّ براكين (رسائل) طلابي؛ كي أزيد هذا درجاتٍ، وهذا يريد رفع مُعدله، وهذا مشهورٌ بكثرة غيابه ويجادل في ظلمي له! فلما علموا أنني بين مطرقة الحمى وسِندان دلَعِهم قال قائلٌ منهم: (الله يشفيك، لكن معدلي نازل ولازم تزودني!). الحمَّى لها دواءٌ، لكنَّ الحَماقةَ لا دواءَ لها!

ألفُ نابٍ!

قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...

ماذا تعني؟!

عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...

محمد بن ظافر.. الطبيب الشاعر

قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...

نفحاتٌ أندلسية

الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...

سيوف الألحاظ

عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...

من عجائب دنيا الناس

أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...

فلسفة الجود

قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...

بكاؤهم!

لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...

بنات الدهر!

أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...

أعذب الشعر.. من ليبيا

شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...

شقائق النعمان!

سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...

الثقلاء!

عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...