


عدد المقالات 80
ذات ليلةٍ! فُجِع المتنبي بحدثٍ لم يكن في الحسبان، لقد طرقَتْ عليه البابَ فلم نتنظر إذناً ودخلتْ بلا استئذان!، إنها زائرةٌ غير مرُحّبٍ بها، لا يستطيع ردَّها، فقد ذهبتْ عنه في تلك اللحظة شجاعتُه التي تحدث عنها الزمان، ماذا قلتَ يا أبا الطيب لما زارتك، قال، قلتُ: وَزَائِرَتي كَأنَّ بهَا حَيَاءً** فَلَيسَ تَزُورُ إلاّ في الظَّلامِ! ليس غريباً أن تزورك في الظلام، ولكنَّ الغريب أنك لم تكن متأكداً من حيائها وخجلها، فقلت: (كأنّ بها حياءً)، فلم يجبني على عادته من الكبر! ألم تقُم بضيافتها خيرَ قيام؟ فما بالها إذن تترك وثيرَ الفُرُش وتلتصق بك؟ أين الحياء!: بَذَلْتُ لهَا المَطَارِفَ وَالحَشَايَا** فَعَافَتْهَا وَبَاتَتْ في عِظامي! لكننا لم نفهم لماذا أنت صامتٌ تجاهها، حتى عندما أرادت الخروج من عندك قامتْ تُغسّلك وكأنك لا يدانِ لك؟: إِذا ما فارَقَتني غَسَّلَتني** كَأَنّا عاكِفانِ عَلى حَرامِ! أما الحرامُ فلا نشك –وقد عرفناك- أنك بريءٌ منه، وأما هذه الزائرة فقد بلغتْ بها الوقاحةُ مع شاعرٍ عظيمٍ مثلِك أنها هي التي تُغسِّلُك، وأنتَ تنظرُ لا تُحرك ساكناً!، بل إنك تنتظر خروجها بفارغ الصبر، فإذا ما طردها ضوءُ الصبح ولَّتْ هاربةً تسابقُها دموعُها الغِزار: كأنّ الصّبْحَ يَطرُدُها فتَجرِي** مَدامِعُهَا بأرْبَعَةٍ سِجَامِ! كلُّ مُحبٍّ يترقبُ وقتَ زيارة محبوبته بشوقٍ عظيم، وخَوفٍ من عدم وفائها بوعدها، إلا أنتَ يا أبا الطيب، فلم نشعر أنك تفرح بوصولها، مع أنك تترقبه مثلما يترقب المحبُّ المتيمُ العاشقُ قدومَ محبوبته، ما هذا التناقض يا أحمد؟!: أُرَاقِبُ وَقْتَهَا مِنْ غَيرِ شَوْقٍ** مُرَاقَبَةَ المَشُوقِ المُسْتَهَامِ! ألم يحدث مرة أن أخلفتك الموعد ولم تأت؟ قال: وَيَصْدُقُ وَعْدُهَا وَالصّدْقُ شرٌّ*** إذا ألْقَاكَ في الكُرَبِ العِظَامِ!! يا رجلُ! أكثرُهن كاذباتٌ غيرُ صادقات، ومع هذا تذوبُ تحت أقدامهن أفئدةُ الرجال!، فمالَك أنتَ تصفُ صدقَها بالشرِّ؟ وما تلك المصائب العظام التي تنالك من زيارتها؟ أإلى هذا الحدِّ هي قبيحةٌ؟ أم سيئة الخُلُق؟ أجبني!، فسكتَ احتقاراً لسؤالي، لكنه خاطبها متعجباً: أبِنْتَ الدّهْرِ! عِندي كُلُّ بِنْتٍ** فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! الله.. ما أعظمك يا أبا الطيب! كأنَّ بناتِ الدهر كُلَّهُنَّ عندك، مُلْكُكَ أنت، فكيف استطاعتْ زائرتُك هذه اختراقَ الصفوف، وشقَ الزِّحام، ومدافعة البنات، حتى وصلتْ إليك؟! كأننا اقتربنا من معرفة الحقيقة حين وصفتَ ضيق صدرك، وضيق جِلْدك عن نفَسِك وعن زائرتك بقولك: يَضِيقُ الجِلْدُ عَنْ نَفَسي وَعَنها ** فَتُوسِعُهُ بِأنْوَاعِ السّقَامِ!! وأنك أصبحتَ لا تستطيع الحراك، كأنك سكران من غير خمرٍ، وأنك تتثاقل عن القيام، فلم تعد بك قوة عليه: عَليلُ الجِسْمِ مُمْتَنِعُ القِيَامِ***شَديدُ السُّكْرِ مِنْ غَيرِ المُدامِ!! أتُرى هي مبعوثةٌ لك من (كافور)! حاكم (مصر) الذي تبغضه أنت كُلَّ البُغض؟ ألم تكنْ أنت في أرض مصر عندما زارتْك؟، فأجاب: أقَمْتُ بأرْضِ مِصرَ فَلا وَرَائي** تَخُبُّ بيَ الرِّكابُ وَلا أمَامي وَمَلّنيَ الفِرَاشُ وَكانَ جَنبي ** يَمَلُّ لِقَاءَهُ في كُلِّ عامِ قَليلٌ عَائِدي سَقِمٌ فُؤادي** كَثِيرٌ حَاسِدي صَعْبٌ مَرَامي! سامحني يا أبا الطيب! فقد كشفْتُ سِرَّك! أيها الناسُ: إنَّ زائرةَ أبي الطيب هي: الحُمَّى!.
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...