الجمعة 19 ربيع الثاني / 04 ديسمبر 2020
 / 
05:20 م بتوقيت الدوحة

عودة «خليجية» إلى تونس!

د. خالد محمد باطرفي
«لماذا يهجرنا أهلنا في الخليج؟»، سألني المرشد السياحي التونسي. «أنتم والليبيون كنتم تزورونا، وتبقون وقتاً أطول وتنفقون أكثر من الزوار الأوروبيين. ولكن نتيجة للاضطرابات السياسية والعمليات الإرهابية في سنوات ما بعد الثورة، لم يبق لنا من الزوار إلا الجيران الأفارقة، الأقل قدرة على الإنفاق، إضافة إلى زيادة السياح الروس، وهم في المجمل لا يغطون ربع ما فقدناه من تعداد ومردود.
السياحة هي المصدر الثاني للدخل القومي بعد الزراعة، وأكثر من الفوسفات والصناعة والخدمات. كان يزورنا 7 ملايين سائح، واليوم لا يزيد تعدادهم على 4 ملايين. نحن بحاجة إلى عودتكم إلى بلدكم الثاني، تونس».
كنت أحد أولئك الزوار المنقطعين. فقد زرت تونس الخضراء مراراً منذ الثمانينات الميلادية. وقتها، كانت البنية التحتية أقل تطوراً مما هي عليه اليوم، ولكنها كافية لتلك المرحلة الزمنية واحتياجاتها التنموية.
في نهاية الثمانينات، ركزت الاستراتجية الوطنية على السياحة، وأنشأت شبكة متطورة من الطرق والسكك الحديدية والنقل الخفيف والمطارات والموانئ والاتصالات، إضافة إلى المؤسسات التعليمية والمراكز التدريبية المهنية والسياحية.
واستقطب القطاع السياحي الاستثمار الخليجي والأجنبي بمليارات الدولارات. فعلى سواحل البحر الأبيض المتوسط، كالحمامات وسوسه، بنيت مئات الفنادق والمنتجعات وصولاً إلى ربع مليون وحدة سكنية سياحية، في 2010.
وبقدر ما كان التونسي منفتحاً على العالم الحديث، بقدر ما حافظ على ثقافته وحضارته الممتدة عبر العصور الرومانية والقرطاجية والعربية والعثمانية والفرنسية. تلمس ذلك في مدنها التراثية ومواقعها الأثرية، وبعضها ضمن قائم اليونسكو للمواقع التاريخية، كجامع الزيتونه الذي يمتد عمره سبعة قرون إلى الدولة الحفصية. بالإضافة إلى المتاحف والأسواق والصناعات التقليدية والقصور والبيوت التاريخية التي تحولت إلى مزارات ومطاعم ومقاهٍ ومعارض فنية. كما حافظت القرى والبلدات، كسيدي بوسعيد، على هويتها المميزة. كم نحن بحاجة إلى الاستفادة من هذه التجربة المُعلِّمة في المزاوجة بين التاريخ والحداثة، التراث والمعاصرة. فهويتنا المحافظة، وتقاليدنا العربية، وتراثنا المتصل بحضارتنا وتاريخنا يجب ألا تغيب عن استراتيجيات ومشاريع التنمية والتطوير. وهي يقظة لمستها في جدة والدرعية والدوحة ومسقط ولم أستشفها في بعض المدن الخليجية الكبرى.
قلت لوزيرة السياحة، السيده سلمى اللومي رقيق، أنتم بحاجة ماسة إلى حملة عالمية مكثفة للعلاقات العامة والترويج، خاصة لدول الخليج. فالسائح القادم من بلد كالسعودية أو قطر، بحاجة إلى بيئة ملائمة لأسرنا المحافظة. ومثل ماليزيا وتركيا، تونس بلد مناسب لنا، خاصة لو تم الاهتمام باحتياجات الأطفال والعائلات الكبيرة. أقترح أن تعيدوا افتتاح مكتبكم السياحي لمنطقة الخليج، الذي نجح خلال ثلاثة أعوام من 2004 إلى 2006 في اجتذاب أربعين ألف سائح خليجي.
وافقتني الوزيرة ووعدت بإعادة افتتاح المكتب والعمل على صياغة إستراتيجية لاستقطاب سياحنا في المرحلة القادمة. وباطلاعي على إنجازات السيدة سلمى في القطاع الخاص، أتوقع أنها «تقول وتطول». لقد ساهمت حكوماتنا الخليجية، وخاصة السعودية وقطر، في تقديم الدعم والعون لتونس الشقيقة، وآخر تلك المساهمات أعلنت في مؤتمر الاستثمار التونسي قبل أسابيع، وبلغت بلايين الدولارات. وأرجو أن يواكب هذا الدعم مزيداً من التسهيل والتشجيع لعودة المستثمر والسائح الخليجي إلى الشقيقة تونس. وهو قرار، أثق أننا لن نندم عليه.