الجمعة 19 ربيع الثاني / 04 ديسمبر 2020
 / 
11:26 م بتوقيت الدوحة

أم الكوارث!

أسامة عجاج
دون انتظار ما ستسفر عنه الجولة الثانية من الاجتماعات السداسية، التي تضم وزراء الخارجية والري لكل من مصر والسودان وإثيوبيا، والتي انتهت منذ أيام قليلة في الخرطوم، وما إذا كانت ستتوصل إلى اتفاق مرحلي، أو عقد جولة جديدة بعد أسبوعين، فلا بد أن نعترف كمصريين حكومة وشعبا أننا أمام أزمة حقيقية وكارثة بالمعنى الصحيح إذا استمرت الأمور على حالها دون التوصل إلى اتفاق يحمي مصالح مصر ونصيبها المقرر من مياه النيل، والذي يمثل حقا تاريخيا مكفولا باتفاقيات ومواثيق وعهود.
الأمر جد خطير إذا استمر التعامل مع هذا الملف بترويج أكاذيب وادعاء بطولات وهمية، فلا بد أن نعترف بأن هناك من تعامل بخفة شديدة، وتنازل عن حق مصر، عندما تم التوقيع على إعلان الخرطوم في مارس الماضي، بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والسوداني ورئيس وزراء إثيوبيا، والذي تم تصويره والترويج له على أنه أحد الإنجازات العظيمة للنظام المصري الجديد، ولم يكن الأمر كذلك أبدا، بدليل أنه مرت كل تلك الفترة والأمور على حالها، والمتغير الوحيد في الملف هو نجاح الطرف الإثيوبي في الاستمرار في بناء السد، والانتهاء من نصفه أو أقل قليلا أو أكثر، بل إنه أعاد ضخ مياه نهر النيل عبر السد قبل ساعات من اجتماعات اللجنة السداسية، في رسالة لا تخطئها العين، بأنه مصرّ على المضي قدما في البناء دون أي اعتبار لموقف الطرفين الآخرين: مصر والسودان.
أما «الأكاذيب» فمجالها شبكات التواصل الاجتماعي، والكتائب الإلكترونية الموجهة، والتي تعمل عليها بعض الأجهزة في مصر، عندما نشرت قصة مجهولة عن قيام الأجهزة الأمنية المصرية بتفجير سدود إثيوبية في زمن الرئيس الراحل محمد أنور السادات في السبعينيات، عندما طلب من الأمم المتحدة والدول الكبرى السعي لدى أديس أبابا لوقف بنائها، فنفوا وجودها أصلا بناء على ما أكدته إثيوبيا، وعندما اشتكت أديس بعد ذلك من عمليات التدمير أنكر السادات أي دور لمصر، خاصة أنهم سبق أن أكدوا عدم وجودها.
لم يتوقف الأمر عند ذلك، فشبكات التواصل الاجتماعي بها صفحة تدعي أنها الصفحة الرسمية للرئيس المصري، وبها بوست يتضمن دعوة إلى المصريين إلى عدم القلق من أزمة سد النهضة، لأن الجيش لن يسمح أبداً بتعطيش الشعب المصري، في تلميح للجوء إلى الخيار العسكري إذا تأزمت الأمور، وظني أن الصفحة مزورة، ولكن الرسالة وصلت، والأخطر محاولة الترويج لدور الأجهزة المصرية في المواجهات التي حدثت بين الشرطة الإثيوبية وأفراد من جماعة الأورومو العرقية، والتلويح بأن الأمر يتعلق برفضهم بناء سد النهضة، ورفعهم لأعلام مصر، وهي أكاذيب، فالأمر يتعلق باستعادة الدولة لأراضي «وضع يد» كانت الجماعة تعتبرها من أملاكها.
أما الحقائق فتقول إن الأزمة الحالية تفاقمت منذ أن تم توقيع إعلان المبادئ بين قادة الدول الثلاث، فقد استطاعت إثيوبيا استثمار رغبة الطرف المصري في إحراز أي تقدم في هذا الملف، حتى ولو كان وهميا، في تمرير كل ما تريد، كما أنها تعاملت بجدية شديدة مع القضية لدرجة أن بعض التقارير والتصريحات الرسمية من بعض الخبراء القريبين من المفاوضات، ومنهم أحمد المفتي العضو المستقيل من اللجنة الدولية لسد النهضة، تحدثوا عن وجود سبعة مستشارين قانونيين في الوفد الإثيوبي، بينما خلا الوفدان المصري والسوداني من أي خبرات، رغم تميز مصر في هذا المجال، كما أن الاهتمام كان بالأبعاد الفنية للسد دون الانتباه إلى خطورة الإطار القانوني الذي يتم فيه الاتفاق، فكانت تلك الكارثة التي جسدها الإعلان، والتي لم تعد خافية على أحد.
وبدأ العديد من الخبراء المصريين في الحديث عنها، مع تحميل المسؤولية لمجموعة التكنوقراط من الأجهزة المصرية المسؤولية، وإبعادها عن شخص الرئيس السيسي، رغم أنه ممثل الدولة المصرية وصاحب القرار الأول والأخير على الرغم من تحميل الرؤساء السابقين مسؤولية الأزمة، بداية من حسني مبارك إلى المجلس العسكري، الذي أعلنت في عهده إثيوبيا عن بناء السد في مارس 2011، أو المستشار عدلي منصور، مرورا بالدكتور محمد مرسي الذي يتم التعامل مع الاجتماع الذي عقده مع ممثلي النخبة المصرية والتيارات السياسية على أنه سبب كل الكوارث، مع أن ما تردد في الاجتماع يتم تداوله في الإعلام المصري.
أما التنازلات التي قدمتها مصر في إعلان الخرطوم فأكثر من أن تعد أو تحصى، ونتوقف عند بعضها، ومنها إعطاء الشرعية للسد، وبالمواصفات الإثيوبية، والحد من قدرات دولتي المصب على تعديل الإعلان، كما أنه وهذا هو المهم ألغى الحصص التاريخية من المياه، واعتمد مبدأ الاستخدام المنصف والمناسب وفق معايير ليس من السهل تطبيقها، وليس لها سوابق أصلا للقياس عليها، كما أن الإعلان لم يحدد القواعد التي يمكن اللجوء إليها، في حالة مخالفة مبادئه، فلم يتضمن اللجوء إلى التحكيم الدولي مثلا، بل قصر الأمر على المشاورات والتفاوض والتوفيق، وكلها أمور غير ملزمة، ولم تتضمن الإشارة إلى عقوبات رادعة، أو تعويضات للأطراف المتضررة، ولم تتضمن حتى التزام الأطراف بنتائج وتوصيات الدراسات الفنية والاستشارات العالمية، وتم الاكتفاء بالإشارة إلى احترامها، مما يعني ببساطة أن كل الخلاف حول تحديد المكاتب الاستشارية، وما إذا كان يمكن الاكتفاء بالفرنسي كما تطالب إثيوبيا، وهي صاحبة مصلحة في ذلك، أو دخول مكتب آخر هو نوع من ضياع الوقت، فحتى تلك الدراسات بفرض أنها أكدت تضرر مصر من بناء السد فكل ما على إثيوبيا فعله هو احترام تلك الدراسات، دون أي إلزام، باختصار كما قال أحد الخبراء فإن إعلان المبادئ أدى إلى تقنين أوضاع سد النهضة، وحوَّله من سد غير مشروع دوليا إلى مشروع دوليا، وأسهم في تقوية الموقف الإثيوبي.
ولن أتوقف عند المبررات الساذجة التي تساق في هذا الصدد لتبرير التنازلات المخزية التي قدمتها مصر في إعلان المبادئ من قبيل مراهنتها بشكل شبه كامل على العلاقات الودية مع إثيوبيا، وعلى زيارات الرئيس المصري للعاصمة الإثيوبية، وخطابه أمام البرلمان الإثيوبي، أو أن القاهرة تعاملت بافتراض حسن نوايا الأطراف الأخرى، فالدول ومصالحها الحيوية وحقوقها التاريخية لا تتعامل بمثل تلك الأمور، خاصة أن هناك حقيقة مهمة غائبة، وهي التقرير الذي وضعته اللجنة الفنية الدولية، المشكَّلة من 12 عضوا ثلاثة من كل دولة، ومثلهم دوليون، وتم الانتهاء منه في مارس 2013 وموقع عليه من ممثلي إثيوبيا، حيث حذر من انخفاض حصة مصر من المياه، وأن تصميمات السد لم تراعِ التأثيرات البيئية والاقتصادية والاجتماعية على دولتي المصب، كما أن إثيوبيا لم تراعِ في كل الدراسات التوسعات التي أدخلتها على جسم السد، ومثل هذا التقرير كان معروفا للكافة، كما أن إثيوبيا لم تقم بأي خطوة للتعامل مع ما جاء في التقرير، ومع ذلك وقع النظام المصري على إعلان المبادئ بعد ذلك بعامين، دون استفادة منه.
والعجيب أن هناك إصرارا غريبا على التعامل بخفة مع قضية بهذه الخطورة، ومن ذلك الترويج للبدء في مشروع قومي لاستصلاح مليون ونصف فدان، صحيح أنه حسب المعلن أنه سيتم الاعتماد على المياه الجوفية، وهي شحيحة كما تشير الدراسات، ولكن الإعلان في هذا التوقيت ينسف كل المرتكزات التي يبني عليها المفاوض المصري موقفه، وهي أن مصر تدخل تحت خط الفقر المائي، رغم أن الجميع يدرك أن مسألة المليون ونصف المليون فدان هي جزء من الدعاية السوداء، لتحقيق إنجازات وهمية، وكان الأولى دراسة أسباب تعثر مشروع توشكي وترعة السلام.
ويحتاج البحث عن بدائل أمام مصر مقالا آخر.

usama.agag@yahoo.com •

اقرأ ايضا

سيناء المنسية..!! (1-2)

17 يناير 2013

اختراع مصري!

16 نوفمبر 2013

بشرة خير

11 مايو 2013

للعدالة وجوه أخرى!

12 ديسمبر 2013

المتحولون..!!

25 يونيو 2014

القلعة المستباحة..!

03 يناير 2015