


عدد المقالات 102
يبرز الإسلام مكانة العقل باعتباره أداة الفهم ووسيلة التكليف ومحور النهضة الإنسانية، وقد وجّه القرآن الكريم إلى إعمال النظر والتدبر والتثبت، وربط بين صفاء العقل وصحة الإيمان وسلامة المنهج. ومن خلال ضوابط شرعية واضحة تتشكل التربية العقلية التي تصنع الإنسان الواعي القادر على تحصيل العلم النافع وتحقيق الاستخلاف. ولطالما اعتنى الإسلام بالتربية العقلية التي تُربي المخ، وتنمي قدرته على النظر، والتأمل، والتفكر، والتدبر، وذلك هو الذي يُؤهله لحمل أعباء الدعوة إلى الله، وهذا المطلب القرآني أرشد إليه ربنا سبحانه وتعالى في محكم تنزيله، وجعله أمراً لكل إنسان، قال تعالى: «قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ» [يونس: 101]. طاقات مهمة فالعقل إحدى طاقات الإنسان المهمة، ولذلك اهتمت التربية الإسلامية بالنظر إليه، وجعله المولى عز وجل مناط التكليف عند الإنسان، فمن حرم العقل لجنون أو غيره، فهو غير مكلف، أو قد سقط عنه التكليف، قال تعالى: «وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً» [الإسراء: 36] فالعقل نعمة من الله على الإنسان، يتمكن بها من قبول العلم واستيعابه، وإن التعلم وتحصيل العلم وطلبه هو أهم وأقدس وظائف هذا العقل، فمن لم يطلب العلم ولم يسع من أجل الاستزادة منه للخروج من ظلام الجهل، فقد أهمل حق هذه النعمة العظيمة التي أنعمها الله عليه، وجعلها الميزة التي تميز الإنسان عن سائر المخلوقات الأخرى، ومن هنا كان طلب العلم فريضةً على كل مسلم كما جاء في الحديث النبوي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ، وإِنَّ طالبَ العلمِ يستغفِرُ له كلُّ شيءٍ، حتى الحيتانِ في البحرِ» (أخرجه ابن ماجه: 224). وقد وضح الإسلام الشروط والقواعد التي تحدد منهج التعلم وطلب العلم، حتى يصبح هذا العلم علماً نافعاً لصاحبه ولمجتمعه وأمته. فحتى يمكن تحصيل العلم النافع لا بد من تنقية العقل من الوساوس الشيطانية والأهواء الشخصية والتفكير المنحرف والشوائب المضلة، وذلك حتى يتكون العقل السليم المتوافق مع الفطرة الإنسانية السلية التي فطر الله الناس عليها، ولكي يكون تفكير هذا العقل منضبطاً بمنطلقات ومقاصد الوحي والدين، فالعقل السليم هو شرط الانتفاع من العلم في شؤون الدين والدنيا، وهو الذي يؤهل الإنسان لعبادة الله تعالى بالمنهج الصحيح، وللقيام بوظيفة (الاستخلاف) في الأرض، وهي الوظيفة التي كلفه الله تعالى بها. ولتطهير العقل من كل ما يمكن أن يعيقه عن التفكير السليم بموضوعية، وصدق في طلب الحق، والحقيقة، فقد وضع الإسلام منهجاً لتربية العقل يتمثل في عدد من النقاط من أهمها: 1- تجريد العقل من المسلمات المبنية على الظن والتخمين، أو التبعية والتقليد، فقد حذر القرآن الكريم من ذلك، في عدة آيات ومنها قوله تعالى: «إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا» [النجم: 28]. 2- إلزام العقل بالتحري والتثبت، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» [الحجرات: 6]. 3- دعوة العقل إلى التدبر والتأمل في نواميس الكون، قال تعالى: «وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ» [الحجر: 85]. 4- دعوة العقل إلى التأمل في حكمة ما شرع الله لعباده من عبادات ومعاملات، وأخلاق وآداب، وأسلوب حياة كامل، في السلم والحرب، في الإقامة والسفر، لأن ذلك فوق أن ينضج العقل وينميه بتعرفه على تلك الحكم، يعطيه أحسن الفرص ليطبق الشرع الرباني في حياته، ولا يبغي عنه حولا، لما فيه من السكينة والطمأنينة والسعادة البشرية، ولأن الله سبحانه وتعالى إنما شرع ما شرع لذلك، قال سبحانه: «يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُم وَيَهدِيَكُم سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبلِكُم وَيَتُوبَ عَلَيكُم وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم* وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيكُم وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيلًا عَظِيماً * يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُم وَخُلِقَ ٱلإِنسَٰنُ ضَعِيفا» [النساء: 26- 28]. إن علماء الأمة وفقهاءها على مر العصور والأزمان منذ بزوغ الإسلام إلى عصرنا الحاضر غاصوا في حكم التشريع وحكمته وتركوا للعالم كله رصيداً هائلاً ضخماً في أبواب الفقه الإسلامي، والمعاملات بين الناس كان من أسباب سعادة الدنيا والآخرة لمن التزم بالمنهج الرباني (محمود، 1990، 1/475). 5- دعوة العقل إلى النظر في سنة الله في الناس عبر التاريخ البشري، ليتعظ الناظر في تاريخ الآباء والأجداد والأسلاف، ويتأمل في سنن الله في الأمم والشعوب والدول. قال تعالى: «أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ» [الأنعام: 6]. وهذا هو المنهج الرباني للعقل لكي لا يضل في التيه الذي ضل فيه كثير من الفلاسفة الذين قدسوا العقل وأعطوه أكثر مما يستحق. وأما الآثار العملية من هذا التوجيه الرباني في العقل فتتمثل في أمور من أهمها: 1- تنقية العقل من الوهم والخرافة، والدجل والمسلمات المبنية على الظنون والأوهام، وتربيته على التريث والتثبت، حتى لا يتسرع فيظلم ويندم وحينئذ لا ينفع الندم. 2- تعويد العقل على إدراك حقيقة هذا الكون الذي يعيش فيه وإلزامه بأن يتعرف على الحق عن قرب ويقين. 3- حضّ العقل على التأمل والنظر في حكمة الله سبحانه وتعالى، فيما شرعه للناس من منهج ونظام، يحقق لهم سعادة الدارين، وتمكين العقل من التأمل في تاريخ البشرية، وهذا التاريخ هو أكبر كتاب وأوسعه أبواباً وفصولاً ليخرج بفائدة جليلة يستطيع أن يقارن بدقة وحسم بين الكفر والإيمان، وأعمال المؤمنين وضلال الكافرين (محمود، 1990، 1/487). وضمن هذه الشروط والضوابط يمكن تحصين العقل من الانحراف المنهجي في التفكير والحكم على الحوادث والظواهر التي تحيط بالإنسان، فتصبح نظرة الإنسان لما حوله ربانية، وليست نظرةً دنيوية مادية مجردة، وبذلك يتمكن من تحصيل العلم النافع المطلوب بصورته الحقيقية، والمقصود بالعلم النافع عموماً هو ما ينفع المسلم في دينه ودنياه، فهو العلم الذي يفهم من خلاله عقيدته وأصول الفقه والعبادات والمعاملات والأحكام والأخلاق في الإسلام، وهو العلم الذي يتعلم من خلاله أيضاً ما يعينه على شؤون دنياه، وما يجعله مواكباً لمستوى عصره العلمي والمعرفي، ويكسبه دوراً فاعلاً في التقدم العلمي البشري في مختلف العلوم الطبيعية والتطبيقية. وهذا العلم النافع بشقيه هو شرط النصر والنهضة والتمكين للأمة الإسلامية، ولذلك فإن تحصيله وطلبه واجباً على الأفراد والجماعات من هذه الأمة (الصلابي، 2006).
يُبرز القرآن الكريم خطورة الجدال في آيات الله بغير علم أو حجة، لما في ذلك من انحراف عن طريق الحق وإصرار على الباطل رغم وضوح الدليل والحجة والبرهان. وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي...
يمثل مشهد خروج نبي الله نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين بعد الطوفان لحظة فارقة في تاريخ البشرية، إذ يؤذن ببدء مرحلة جديدة من مسيرة الإنسان على الأرض. وقد تجلى هذا المشهد في قوله...
كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثيرٌ من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أنْ قام أبو بكر رضي الله عنه ـ بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ بجمع القرآن، حيث...
الاستغفار من أعظم أبواب الرحمة والبركة التي دلّ عليها القرآن الكريم، وقد جعله الله سببًا لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا قبل الآخرة، وتبرز دعوة نوح عليه السلام لقومه نموذجًا واضحًا لارتباط التوبة بنزول الغيث، وزيادة...
قيامُ الليل في شهرِ رمضانَ المبارك عبادةٌ جليلة، تتجلّى فيها معاني الإيمان الصادق والخشوع والأنس بالله تعالى، وإذا كان قيام الليل مشروعًا في سائر العام، فإن له في رمضان خصوصيةً أعظم، إذ يجتمع فيه شرف...
الظلم من أخطر الآفات الأخلاقية والاجتماعية التي تهدد حقوق الأفراد واستقرار المجتمعات واستمرارية الأمم والحضارات، لما يترتب عليه من ضياع الحقوق وانتشار العدوان وتفكك العلاقات الإنسانية. وقد حذر الإسلام بشدة من الظلم بكافة صوره، وبيّن...
لقد شرع الله تعالى الصيام تزكيةً للنفوس، وتهذيبًا للأخلاق، وتطهيرًا للقلوب، وجعل شهر رمضان موسمًا عظيمًا لمراجعة الأعمال والأقوال، وإن حفظ اللسان من أجلِّ العبادات في شهر رمضان؛ لأن الصيام ليس مجرد امتناعٍ عن الطعام...
إن من نعم الله تعالى أن جعل بيوته في الأرض منارات لنور الهدى، ومهابطَ للسكينة والرحمة، ومواطنَ لذكره وشكره، وإن سيدنا محمد ﷺ قد أرشد أمته إلى تعظيم المساجد وعمارتها بالبنيان وبالذكر والعبادة فيها. فالمساجد...
شهر رمضان، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، فيه من الخيرات والبركات ما تتطلع إليه القلوب المؤمنة، فهذا الشهر المبارك ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة إيمانية تربي القلب على دوام الصلة...
شهرُ رمضانَ موسمُ الخيرات، وميدانُ السباق إلى الطاعات، تتنزّل فيه الرحمات، وتُضاعف فيه الحسنات، وتُفتح فيه أبواب الجنّان، ومن أعظم القُرُبات التي يتقرب بها العبدُ إلى ربّه في هذا الشهر المبارك: الإنفاقُ في سبيل الله،...
ورد ذكر إدريس عليه السلام في القرآن الكريم في سورة الأنبياء وفي سورة مريم، وقد جاء ذكر إدريس عليه السلام في سورة مريم بعد قصة عيسى وإبراهيم وموسى وهارون عليهم السلام، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي...
جعل الله تعالى لتلاوة القرآن الكريم فضلًا عظيمًا وأجرًا كبيرًا، فهي عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه آناء الليل وأطراف النهار، وتتضاعف مكانتها في شهر رمضان المبارك، شهر القرآن والصيام والقيام. قال الله تعالى في...