


عدد المقالات 121
حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في محيطها العربي والإسلامي والعالم. ولم يكن هذا التحول وليد لحظة توليه الحكم في السابع والعشرين من يونيو عام 1995، وإنما سبقته سنوات من العمل والمسؤولية ومعرفة أحوال الدولة ومؤسساتها، أسهمت في تكوين رؤيته لما ينبغي أن تكون عليه قطر في المستقبل.
وفي هذه السلسلة من أربعة مقالات، أحاول أن أقرأ بعض الجوانب الأساسية في مسيرة الأمير الوالد، رحمه الله، بعيداً عن المبالغة، وقريباً مما تشهد به الوقائع والإنجازات والمواقف؛ بدءاً من سنوات تكوينه وبناء الدولة واقتصادها ومؤسساتها، مروراً بالاستثمار في الإنسان والتعليم، ووصولاً إلى سياسته الخارجية ومواقفه من قضايا الأمة وعلاقته بالعلم والعلماء، مع شهادة شخصية على جوانب عرفتها منه في مجالس ولقاءات بقيت حاضرةً في الذاكرة. فدراسة سيرة القادة ليست حديثاً عن الأشخاص وحدهم، وإنما هي قراءة في تجارب الأوطان، وفي القرارات والأفكار التي صنعت تحولاتها، وفي الأثر الذي يبقى منها بعد انقضاء سنوات الحكم.
سنوات التكوين والمسؤولية
وُلد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، في الدوحة عام 1952، في مرحلة كانت فيها قطر تمر بسنوات تأسيس مؤسسات الدولة الحديثة، قبل أن تحصل على استقلالها في الثالث من سبتمبر عام 1971. وتلقى تعليمه الأول في دولة قطر، ومن ثم انتقل إلى بريطانيا للدراسة في أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية، وتخرج فيها عام 1971، ليعود بعدها إلى وطنه ويلتحق بالقوات المسلحة القطرية.
وقد كانت التجربة العسكرية من المحطات المهمة في تكوين شخصيته القيادية؛ إذ عمل في مؤسسة كانت تمر هي الأخرى بمرحلة بناء وتنظيم، وتولى مسؤوليات أتاحت له الاطلاع المباشر على قضايا الدفاع والأمن وإدارة المؤسسات. وفي الحادي والثلاثين من مايو عام 1977، أصبح ولياً للعهد، وتولى مسؤوليات مهمة في شؤون الدفاع، لتبدأ مرحلة طويلة امتدت نحو ثمانية عشر عاماً قبل توليه الحكم.
وخلال سنوات ولاية العهد، كان قريباً من ملفات الدولة الأساسية، وشارك في متابعة شؤون القوات المسلحة، والشباب والرياضة، والتخطيط الاقتصادي والاجتماعي. وفي عام 1989 تولى رئاسة المجلس الأعلى للتخطيط، وهو ما أتاح له الاطلاع بصورة أوسع على الموارد الاقتصادية للبلاد، واحتياجاتها التنموية، والخيارات التي يمكن أن تعتمد عليها في المستقبل.
وقد ساعدته تلك السنوات على تكوين رؤية أكثر وضوحاً لمستقبل قطر. فالدولة محدودة المساحة والسكان كانت تملك موارد مهمة، لكن تحويل هذه الموارد إلى قوة اقتصادية وتنموية كان يحتاج إلى تخطيط طويل المدى، وإلى مؤسسات قادرة على إدارة التحول، وإلى استثمار حقيقي في الإنسان. وعندما تولى مقاليد الحكم في السابع والعشرين من يونيو عام 1995، كان قد أمضى سنوات طويلة في مواقع القيادة والتخطيط، ولم يكن بعيداً عن تفاصيل الدولة أو عن الملفات التي تحتاج إلى قرارات استراتيجية.
الغاز والتحول الاقتصادي
كان تطوير صناعة الغاز الطبيعي من أهم التحولات التي شهدتها قطر في عهد الأمير الوالد، رحمه الله. فقد امتلكت البلاد في حقل الشمال واحداً من أكبر مكامن الغاز الطبيعي في العالم، وبدأت تصدير الغاز الطبيعي المسال تجارياً في أواخر عام 1996، ومن ثم وصلت أول شحنة إلى اليابان في يناير 1997.
ومنذ ذلك الوقت، توسعت صناعة الغاز بصورة متسارعة، وأقيمت في رأس لفان بنية صناعية متكاملة شملت الإنتاج والمعالجة والتسييل والتخزين والنقل، وذلك بالتوازي مع بناء أسطول من ناقلات الغاز وإقامة شراكات مع شركات طاقة دولية كبرى. وقد اعتمدت قطر كذلك على عقود تصدير طويلة الأجل، وهو ما وفر قدراً من الاستقرار لهذه الصناعة وساعد على توسعها.
ومع بداية عام 2006، أصبحت دولة قطر أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، ثم وصلت قدرتها الإنتاجية إلى نحو 77 مليون طن سنوياً عام 2010. وقد أحدث هذا التطور تحولاً كبيراً في الاقتصاد القطري، ووسع علاقات الدولة الاقتصادية مع الأسواق الآسيوية والأوروبية وغيرها، ومنحها موقعاً مهماً في قطاع الطاقة العالمي.
غير أن أهمية هذا التحول لم تكن في زيادة الإيرادات فقط، بل في طريقة توظيفها. فقد اتجهت الدولة إلى استثمار جانب من العائدات في تطوير البنية الأساسية والخدمات ومؤسسات الدولة، وفي الوقت نفسه عملت على بناء استثمارات طويلة الأجل خارج قطاع الطاقة. وفي هذا السياق، تأسس جهاز قطر للاستثمار عام 2005 ليكون الذراع السيادية المسؤولة عن استثمار جزء من فوائض الدولة وتنويع أصولها ومصادر دخلها.
وقد ساعدت هذه السياسة على بناء قاعدة اقتصادية أوسع، كما وفرت للدولة قدرة أكبر على تمويل مشروعاتها وخططها، ووسعت هامش حركتها الاقتصادية والسياسية. ولهذا فإن قراءة تجربة قطر في تلك المرحلة لا ينبغي أن تتوقف عند حجم الإيرادات، بل عند كيفية تحويل جزء مهم منها إلى أصول ومؤسسات ومشروعات استمرت آثارها في السنوات اللاحقة.
بناء المؤسسات والإطار الدستوري
رافق التحول الاقتصادي اهتمام بتطوير مؤسسات الدولة وإطارها القانوني. ففي الثامن من مارس عام 1999 جرت أول انتخابات للمجلس البلدي المركزي، وشارك فيها المواطنون رجالاً ونساءً في الانتخاب والترشح، وكانت تلك محطة جديدة في مسار المشاركة العامة في قطر.
وفي يوليو من العام نفسه، شُكلت لجنة إعداد الدستور الدائم، ثم عُرض مشروع الدستور على الاستفتاء الشعبي في التاسع والعشرين من أبريل عام 2003، قبل صدوره عام 2004 ودخوله حيز التنفيذ في التاسع من يونيو عام 2005. وقد جاء هذا المسار في وقت كانت فيه الدولة تشهد توسعاً اقتصادياً واجتماعياً سريعاً، وهو ما تطلب تطوير الأطر القانونية والمؤسسية المنظمة لعمل الدولة.
وفي الوقت نفسه، اتسعت مشروعات البنية الأساسية، وتطورت شبكات الطرق والكهرباء والمياه والاتصالات والخدمات العامة. وقد بدأ العمل في عدد من المشروعات التي اكتمل بعضها لاحقاً، من بينها مشروع مطار الدوحة الدولي الجديد الذي وُضع حجر أساسه عام 2004 وافتتح لاحقاً باسم مطار حمد الدولي، إلى جانب مشروع الميناء الجديد، ومشروعات التطوير العمراني في لوسيل ومشيرب، وإعادة تأهيل سوق واقف، وافتتاح متحف الفن الإسلامي عام 2008.
وكانت هذه المشروعات تعكس اتجاهاً واضحاً نحو إعداد الدولة لمرحلة جديدة من النمو، وربط الاقتصاد القطري بصورة أوسع بحركة التجارة والاستثمار والسفر العالمية، مع المحافظة في عدد من مشروعات التطوير العمراني والثقافي على الصلة بالهوية المحلية والتاريخ القطري.
رؤية قطر الوطنية
وفي عام 2008، أُطلقت رؤية قطر الوطنية 2030 لتضع إطاراً عاماً لمسار التنمية في الدولة، وقامت على أربعة مجالات أساسية هي التنمية البشرية، والتنمية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والتنمية البيئية. وقد عكست هذه الرؤية إدراكاً بأن مستقبل الدولة لا يمكن أن يقوم على قطاع الطاقة وحده، وأن الاستفادة من الموارد الحالية ينبغي أن تقترن ببناء الإنسان والمؤسسات وحماية مصالح الأجيال القادمة.
ومن هنا يمكن فهم المرحلة التي قادها الأمير الوالد، رحمه الله، بوصفها مرحلة وضعت أسساً مهمة للتحول الذي شهدته قطر لاحقاً. فقد وفرت الثروة قاعدة للانطلاق، لكن القرارات المتعلقة بالطاقة والاستثمار والمؤسسات والبنية الأساسية هي التي ساعدت على تحويل هذه الموارد إلى مشروع دولة أكثر قدرة على الاستمرار والتطور.
الخلاصة
تكشف السنوات الممتدة من مراحل تكوين الأمير الوالد (رحمه الله) إلى السنوات الأولى من حكمه عن مسار تدرج من معرفة مؤسسات الدولة إلى قيادة مشروع واسع لتطويرها. وقد كان التحول الاقتصادي، ولا سيما في قطاع الغاز، أساساً مهماً لهذا المشروع، لكنه ارتبط في الوقت نفسه ببناء المؤسسات وتطوير البنية الأساسية ووضع رؤية بعيدة المدى لمستقبل الدولة. ومن هذه القاعدة انطلقت بقية التحولات التي شهدتها قطر في التعليم والصحة والإعلام والرياضة والسياسة الخارجية، وهي موضوع المقالات التالية من هذه السلسلة.
لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء...
مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...
لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...
أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...
كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...
لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...
ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...
شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...
تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...