alsharq

د. علي محمد الصلابي

عدد المقالات 123

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 17 أغسطس 2026
وهم الانتصار... عندما تصبح الهزيمة عقيدة
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 20 أغسطس 2026
المحور الثالث: نحو إعادة تشكيل الأمن العربي والإقليمي
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 19 أغسطس 2026
بين الاعتداءات والاتهامات.. مأزق المقاربة الإيرانية تجاه الخليج

من تحرير العقل إلى بناء الأمة.. دعوة إبراهيم عليه السلام وذريته

20 أغسطس 2026 , 10:17م

إذا كانت مهمة الاستخلاف قد بدأت مع آدم عليه السلام ببناء الإنسان المؤهل لحمل الأمانة، فإن دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام نقلت هذا المعنى إلى طور جديد؛ إذ تحولت العقيدة على يديه من مواجهة للوثنية إلى مشروع متكامل يحرر العقل، ويبني الأسرة، ويقيم البيت، ويصل أجيال النبوة بعضها ببعض. فالحضارة في هدي الأنبياء عليهم السلام لا تنشأ من كثرة المال وحدها، وإنما تبدأ حين يتحرر الإنسان من عبودية الوهم، ويعرف ربه، ثم تتحول معرفته إلى تربية وعمل ومؤسسات تحفظ الإيمان والعدل وكرامة الإنسان.
نشأ إبراهيم عليه السلام في مجتمع استقرت فيه عبادة الأصنام حتى صارت جزءاً من موروثه، ولم يكن للقوم حجة سوى قولهم: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 53]. فرد عليهم إبراهيم عليه السلام: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء: 54]. ولم يكن مقصوده إسقاط مكانة الآباء، وإنما تحرير الحقيقة من سلطان الزمن؛ فالفكرة لا تصبح حقاً لأنها قديمة أو شائعة، والموروث يُحترم بقدر موافقته للوحي والبرهان.
وأراه الله ملكوت السماوات والأرض، فناظر قومه فيما عبدوه من الكواكب والقمر والشمس، وأبطل ألوهيتها بأفولها، ثم أعلن وجهته: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 79]. وفي هذا الحوار ظهر منهج دعوي يخاطب الناس بما يفهمون، ويقودهم بالتدرج إلى رؤية التناقض في معتقداتهم، حتى يصل العقل بنفسه إلى الحق.
وجمع إبراهيم في دعوته بين قوة الحجة ورحمة الخطاب. فقد خاطب أباه بقوله: ﴿يَا أَبَتِ﴾، وعرض عليه ما جاءه من العلم من غير تعالٍ، فلما هدده أبوه أجابه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: 47]. وحين حطم الأصنام أراد أن يعيد قومه إلى سؤال الفطرة: كيف يعبد الإنسان ما لا يسمع ولا ينفع ولا يدفع عن نفسه الضرر؟ ولما عجزوا عن رد حجته انتقلوا إلى القوة، فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: 68]، فجاء أمر الله: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69].
ثم هاجر إبراهيم بدينه، وانتقل من مقاومة الباطل إلى بناء البديل. ورزقه الله إسماعيل، فلما بلغ معه السعي ابتلاه بذبحه، فوجد في ابنه ثمرة التربية المؤمنة: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]. وهكذا لم تبق العقيدة فكرة يحملها الأب، وإنما أصبحت يقيناً يتوارثه الأبناء، واستعداداً مشتركاً للطاعة والتضحية.
وبلغ المشروع الإبراهيمي مرحلة التأسيس حين رفع إبراهيم وإسماعيل قواعد البيت الحرام وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127]. جمعا بين العمل والدعاء، ولم يقفا عند بناء الحجر، بل دعوا بقيام أمة مسلمة وبعثة رسول يتلو على الناس آيات الله، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم. فاجتمع حول البيت الأمن والعبادة والتعليم والتزكية، وصار بناء الكعبة بداية مركز يحمل التوحيد إلى العالم، حتى استجاب الله دعاءهما ببعثة محمد ﷺ من ذرية إسماعيل.
وكان إسماعيل صادق الوعد، يأمر أهله بالصلاة والزكاة، فدلّت سيرته على أن بناء الأمة يبدأ من البيت؛ من أب يحمل مسؤوليته، وأسرة تقيم الصلاة، ووفاء يحفظ الثقة بين الناس. وامتد عهد النبوة في إسحاق ويعقوب عليهما السلام، وكان أعظم ما شغل يعقوب عند موته بقاء التوحيد في ذريته، فسأل أبناءه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾، فقالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133].
وفي المسار نفسه جاءت دعوة لوط عليه السلام لحماية الفطرة والأسرة والأمن العام. فقد انتشر في قومه الفساد، واقترن بقطع الطريق والمجاهرة بالمنكر، ثم انقلب ميزانهم حتى قالوا عن أهل الطهارة: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: 82]. وتبلغ المجتمعات مرحلة خطيرة حين يصبح الفساد مقبولاً في مجالسها، ويعامل الإصلاح بوصفه تهديداً؛ لأن العمران لا يستقر مع انهيار الأسرة، واضطراب الأمن، وإقصاء من يدعو إلى الطهارة.
وتكتمل هذه المرحلة بقصة يوسف عليه السلام، الذي انتقل من الجب والرق والسجن إلى إدارة خزائن مصر. حفظ عفته في الخفاء، ودعا إلى الله في السجن، ورفض الخروج حتى تثبت براءته، ثم وضع خطة لمواجهة المجاعة تقوم على زيادة الإنتاج، وحفظ الحبوب، وترشيد الاستهلاك. وحين قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]، جمع أساس الولاية الصالحة: أمانة تصون الموارد، وعلم يحسن إدارتها.
ولما تمكن يوسف لم يجعل السلطة طريقاً للانتقام، بل قال لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: 92]، فأعاد أسرته من غير إذلال، وجمع بين الأمن الاقتصادي والسلم الاجتماعي. وهكذا تتضح وحدة المشروع الإبراهيمي: تحرير للعقل من التقليد، ورحمة في الدعوة، وأسرة تنقل الإيمان، وبيت يجمع العبادة بالأمن، وحماية للفطرة، وقيادة تجمع النزاهة والكفاءة والعفو. وبهذه الأصول يتحول التوحيد من عقيدة في القلب إلى قوة تبني الإنسان والأسرة والأمة.

من أمانة الاستخلاف في الأرض إلى سنن السقوط.. الحضارة الإنسانية في دعوة الأنبياء والمرسلين

الحضارة في هدي القرآن ليست أبنية شامخة، ولا ثروة متراكمة، ولا قوة تمكّن أصحابها من الغلبة وحدها؛ إنها ثمرة الإنسان حين يعرف ربه، ويدرك غاية وجوده، ويحسن القيام بالأمانة التي حملها. ولهذا لم يترك الله...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «4-4».. شهادة شخصية عن علاقة الشيخ حمد بالعلم والعلماء وأهل الفكر

لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «3-4».. السياسة الخارجية القَطرية بين الوساطة.. ودعم قضايا الشعوب

مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «2-4».. اهتمام فقيد الوطن الكبير بتاريخ الأمة العربية والإسلامية وسير القادة والمصلحين

لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «1-4».. دراسة سيرة القادة.. قراءة في تجارب الأوطان

حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...

دعوة إبراهيم عليه السلام إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...

الشيخ اليمني محمّد بن إسماعيل العمرانيّ العالِم المربي والقاضي المصلح

يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (6-6).. الشيخ مصطفى السباعي (رحمه الله).. صفاته ومرضه ورحيله

تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (5-6).. الشيخ مصطفى السباعي وموقفه من الاستشراق والمستشرقين

يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (4-6).. الشيخ مصطفى السباعي.. وجهوده في الدفاع عن السُّنَّة النبوية

كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (3-6).. الشيخ مصطفى السباعي وفلسطين: بين الجهاد الميداني وبناء الوعي الدعوي

لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (2-6).. الشيخ مصطفى السباعي في الأزهر وميلاد مشروعه الإصلاحي

ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...