الزيارة.. بين التهويل والتهوين!
01 مارس 2014 , 12:00ص
البحث في أبعاد الزيارة ، التي قام بها كل من وزير الدفاع المصري المشير عبدالفتاح السيسي، والخارجية نبيل فهمي، إلى موسكو خلال الأيام الماضية، يستدعي وضعها في إطارها الصحيح. بعيداً عن «التهويل» الذي اتسمت بها التغطية لوقائعها، خاصة في الإعلام المصري القومي والخاص، والذي انعكس على نظيره الروسي، واتسم بالمبالغة الشديدة، واعتبر الأمر، وكأنه فتح سياسي، وإنجاز دبلوماسي، وانتصار عسكري، وتغيير في الموازين الاستراتيجية المستقرة منذ عقود في المنطقة، دون التعامل مع مجموعة من الحقائق الغائبة، ومنها أن العلاقات المصرية الروسية، لم تبدأ من نقطة الصفر، أو تم استئنافها بعد 30 يونيو، فالوقائع تشير إلي أن تطوير العلاقات المصرية الروسية، بدأ منذ سنوات حكم مبارك، لدرجة أن الزيارة الأخيرة للوزيرين إلى موسكو، هو تنفيذ لاتفاق شراكة استراتيجية، تم توقيعها في عام 2009، ولم يتم تفعيله سوى في نوفمبر الماضي، بزيارة وزيري الخارجية والدفاع الروسي إلى مصر، والأخيرة رداً على الزيارة السابقة، كما أن هناك رغبة مصرية روسية مشتركة، منذ زمن مبارك، في تدعيم العلاقات الاقتصادية، والتبادل التجاري وزيادة الاستثمارات المشتركة بين البلدين، وهناك اتفاق على إقامة منطقة صناعية روسية، في برج العرب بالقرب من الإسكندرية، تم التوصل إليه بين الطرفين. والغريب في الأمر أنه حتى التعاون في المجال العسكري، ليس وليد اليوم، ولا هو إحدى نتائج ما بعد 30 يونيو، فقد تم استئنافه منذ عام 1995، خاصة أن مصر احتفظت وحافظت، على ترسانتها من الأسلحة الروسية، بالصيانة والتطوير المستمر، قامت باستيراد دبابات روسية، ومروحيات وأنظمة رادار وصواريخ مضادة للدبابات، وكذلك تحديث أنظمة الدفاع الجوي.
وهكذا فان محاولة الربط، بين زيارة وزيري الدفاع والخارجية المصريين إلى موسكو، بخطوة عقد عبدالناصر لصفقة الأسلحة التشيكية، في العام 1955 من القرن الماضي، وتصوير الأمر على أن هناك «ناصراً جديداً» في مصر، يسعى إلى تغيير موازين القوى في المنطقة، نوع من التعسف، واستدعاء التاريخ في غير محله، خاصة أن العالم اليوم مختلف، بشكل جذري عن الخمسينات. ولم يعد هناك استقطاب دولي، بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها، أو صراع كوني، طرفاه واشنطن وموسكو، وصراع علي مناطق نفوذ. ولعل هذا يفسر رد الفعل الهادئ، من الولايات المتحدة على الزيارة، حيث أشارت نائبة المتحدث الرسمي باسم الخارجية الأميركية، إلى أن واشنطن لها علاقات مع دول، على امتداد العالم ومنها مصر، وهي علاقات مبنية على مصالح مشتركة، وليست على ما تريد أو ما لا تريد أميركا تحقيقه، ولكن على تحديد مصالحنا ومصالح تلك الدول، وقالت ماري هارف لدينا علاقات طويلة الأمد، وقوية وتاريخية مع مصر، ولا نعتقد أن زيارة موسكو، سوف تؤثر على مصالحنا المشتركة مع مصر، وكانت أن باترسون مساعدة وزير الخارجية لشئون الشرق الأدنى، وآخر سفيرة لواشنطن في القاهرة، أكثر وضوحاً. عندما شاركت في جلسة استماع بالكونجرس، ووصفت ما يقال عن نجاحات روسية في مصر بالمبالغة الشديدة، ولدينا علاقات قوية جداً وطويلة الأمد مع مصر على الصعيد العسكري، وهناك بعض الأسلحة الروسية المتبقية. وكانت هناك زيارات من مسؤولين روس، وقالت: لا أعتقد في نهاية الأمر أن روسيا يمكن أن تنافسنا مع علاقاتنا العسكرية مع مصر.
ولعل الانتقاد الأميركي الوحيد، لم يكن للزيارة، ولكن للتصريحات التي قالها بوتين، عند استقباله للمشير السيسي مع وزير الخارجية، عندما قال: «علمت بأنكم تنوون الترشيح في الانتخابات الرئاسية، إنه قرار مسئول من أجل مستقبل الشعب المصري، وأتمنى نيابة عن نفسي، والشعب الروسي لكم النجاح»، وقد انتقدت المتحدثة باسم الخارجية ذلك، وقالت: «ليس من شان أميركا، أو السيد بوتين دعم أي مرشح رئاسي بعينه في مصر. وأضافت ليس من حق أي أحد غير المصريين، أن يقوم بتأييد مرشح بعينه. «وهو موقف منطقي، فالمشير السيسي لم يعلن حتى الآن ترشحه، كما أنه مرشح لرئاسة مصر وليس للعالم، كما أن القبول بدعم دولة ما لهذا الترشيح، سيفتح الطريق أمام أخرى، إلى تأييد آخر أو رفضه، مما يعتبر تدخلاً غير مقبول في شأن داخلي مصري بحت، وقد حاولت موسكو عن طريق سفيرها في القاهرة، التخفيف من وقع تلك التصريحات، وقال في مؤتمر صحافي عقده بالقاهرة، بعد الزيارة أن الشعب المصري وحده هو المعني، باختيار رئيسه المقبل.
وقد وصل حجم التهويل الإعلامي، الذي لم يرافقه أي خطوات على أرض الواقع، الحديث عن توقيع صفقة سلاح روسية لمصر أثناء الزيارة، حددت الصحف وأجهزة الإعلام في البلدين، قيمتها بـ3 مليار دولار، وتتضمن طائرات قتالية ميج 29 أم 2، وأنظمة صاروخية دفاعية مضادة للطيران، ومروحيات مقاتلة من طراز أم أي 35، وصواريخ مضادة للدبابات، ونظم دفاع جوي وصواريخ كورنيت. بالإضافة إلى عمليات تدريب، والغريب أن البيان المشترك الصادر عن اجتماع 2 زائد 2 في نهاية مباحثات الوزراء الأربعة، أشار إلى «أن البلدين سيسرعان من التعاون العسكري التقني». دون أي ذكر للتفاصيل، ومن الطبيعي أنه لا يمكن التوقيع على صفقات سلاح بهذه الأهمية في السر، أو دون إعلان . ومرة أخرى يتدخل السفير الروسي في القاهرة سيرجي كربيتشينكو، ليضع الأمور في نصابها، بتأكيده على عدم دقة كل ما تداولنه وسائل الإعلام المصرية والروسية، حول صفقات، وحديثها عن التوقيع عليها، وقال: إن هذا الحديث سابق لأوانه، وكان السفير واضحاً، عندما حاول تبرئة وسائل الإعلام الروسية، وقال كل ما قامت بنشره، كان نقلاً لما تم تداوله في الإعلام المصري، وهو يعبر بصورة أقرب إلى احتياجات الجانب المصري. والغريب هو الاحتفاء المصري في الإعلام، بأن السعودية والإمارات، هما ممولو الصفقة مالياً، رغم ما يمثل ذلك من تشويه للموقف المصري، وصورة الدولة المصرية، خاصة أن استمرار دعم مثل هذه الصفقات التسليحية غير مضمون، مع الوضع في الاعتبار أن العلاقات ليست في أحسن أحوالها، بين دول الخليج وروسيا، مع الدعم الروسي للنظام السوري، وتوفير شبكة حماية لبشار الأسد، ليس فقط على المستوى السياسي، العسكري.
ولعل الجانب المخفي في الزيارة، والذي غاب عن عمد في التغطيات الإعلامية، هو الاتفاق على التعاون الأمني، وفي مجال مكافحة الإرهاب، وقد ذكر السفير الروسي في القاهرة، بأن هذه القضية، نالت قسطاً كبيراً من المباحثات ببن الجانبين، خاصة أن روسيا مازالت تدرج جماعة الإخوان المسلمين في القائمة السوداء، كجماعة إرهابية منذ 2005، وقد اتفق الطرفان على التعاون المشترك، والذي يشمل تدريب الكوادر الأمنية، وتزويد مصر بالأجهزة والمعدات اللازمة لمواجهة والتصدي لتلك الظاهرة، وفي نفس الإطار تم التوافق على زيادة التعاون الاقتصادي، بين البدين، وهو ما أشار إليه الرئيس بوتين، عندما استقبل الوزراء الأربعة، وتحدث عن إمكانية النهوض، بحجم التبادل التجاري ببن البلدين إلى 5 مليارات بدلاً من 3 مليارات، وقال: لدينا الكثير من المشروعات الجيدة والكبيرة بين البلدين.
وبعد، ودون التهوين من أهمية الزيارة فعلى ما يبدو أن أموراً كثيرة متوقفة، على إتمام مصر للمرحلة الانتقالية، وانتهاء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مصر، والمهم أن نضع العلاقات بين مصر وروسيا في إطارها الصحيح، خاصة أن روسيا تعرف قدرتها، وحجمها على المستوي الدولي، وتتسم علاقاتها بالرغبة في تعزيز المصالح الروسية، على المستوى الاقتصادي والتجاري دون أدنى تفكير في العودة، إلي أجواء الستينات، من الصراع الكوني مع أميركا، وهي لا تريده، ولا تستطيع دفع تكلفته!!