


عدد المقالات 283
عندما يضطر رئيس الوزراء التونسي المؤقت إلى زيارة الأطباء مرتين في بضعة شهور بسبب الإرهاق, فلابد أن الأمر مرهق فعلا, ليس بالنسبة للفريق الوزاري فحسب, وإنما يشتد التعب لدى الطبقة السياسية والمتابعين للأحداث التونسية عامة, ثم يبلغ مداه في الشارع التونسي بل يجاوزه إلى الإعياء الشديد على المستوى الاقتصادي ولاسيما النفسي, خصوصا وهو يرى نظيره المصري في نفق مشتعل. ومما لا شك فيه أن من دواعي الإرهاق الأخير لرئيس الوزراء التونسي هو البحث المضني عن تشكيل وزاري جديد أبى أن يتشكل رغم مباشرة البحث فيه قبل تسعة أشهر بالتمام والكمال! وهو فعلا أمر يفقد الصواب ويذهب بالأعصاب, وسط تجاذبات سياسية حادة وأوضاع اجتماعية رمادية, خاصة وأن من يملؤون عين الشارع «الفارغة», اعتذروا عن المشاركة في عملية يرون أنها تستهدف تغيير أشخاص بآخرين في الوزارات, في حين أن المطلوب بالنسبة لهم أساسا هو تغيير في العمق للسياسات المتعثرة وتصحيح للرؤى الغائمة. وبالفعل فإن التحوير الوزاري في تونس يبدو أقرب إلى اللامعنى وإلى لزوم ما لا يلزم ليس فقط لأنه استنفذ التشويق منه, بل أيضا لأن توقيته أصبح محل جدل في ظل قصر عمر الحكومة المتبقي إذا افترضنا أن انتخابات عامة ستقوم فعلا هذا الصيف؛ لذلك قابل كثيرون إعلان رئيس الوزراء المؤقت الأخير بأنه لم يوفق في إيجاد الوفاق لتشكيل وزاري جديد, بنكات برع التونسيون في إبداعها كلما غادرهم الفرح, واختزلت الموقف المضحك المبكي طرفة «فشلنا في التحوير وفي التكوير», لأن ذلك اليوم الموافق لـ26 يناير/ جانفي (وما أدراك) شهد أيضا إعلان معلق الجزيرة الرياضية عصام الشوالي عن فشل المنتخب التونسي أمام منتخب ساحل العاج! قلت: إذن فإن ذلك اليوم لم يشكل خيبة أمل حقيقية لمن يفهمون في السياسة كما في كرة القدم, لكنه في المقابل قد يشكل تاريخا فاصلا في الإعلان عن نسخة جديدة من حمادي الجبالي الذي لم يره التونسيون أبدا بمثل تلك الأريحية والطلاقة والبساطة والصراحة التي ظهر بها عليهم, إذ بدا وكأنه بصدد التحرر من شيء ما ليعود إلى نفسه. فعدا ابتسامته «الموناليزية» الشهيرة كان كل شيء متغيرا في الشخص الذي عهده التونسيون متخشبا, غير مقنع وكثير التبرير لما هو غير مبرر، يومها دبج الرجل كلمته بالتشديد على مدنية الدولة, والمتحدث هو نفس الرجل الذي كان بشر ذات يوم بأنه سيكون «الخليفة السادس»! وفي نفس الخطاب تحدث الجبالي عن ضرورة حياد الإدارة, وهو ذاته الذي استمات دفاعا عن محافظ سليانة (ابن عشيرته) الذي طرده أهالي الولاية من مكتبه، وبالمناسبة نفسها طالب الجبالي بحوار وطني لا يقصي أحدا، فيما حبر قانون العزل الذي أعده حزبه (النهضة الحاكم) لم يجف بعد, فضلا عن أنه أمين عام نفس الحزب الذي يلوح بالإقصاء يمينا وشمالا! عرض الرجل أيضا انتخابات تحت مراقبة دولية، واستهجن تقسيم المجتمع إلى مسلمين وكفار وعناصر أخرى لا تقل أهمية, جعلت من خطابه حقيقا بنعت رجل الدولة, فكان أهم من إعلان التحوير الوزاري بكثير إعلان حمادي الجبالي عن تحوير في نفسه! ولأن الخصوم المنافسين لا يعجبهم العجب, فإن أوفرهم حلما رأى أن الجبالي قد صام في رجب! وبينما صاح فيه من صاح «لو خرجت من جلدك ما عرفتك» تمنى بعضهم الآخر أن يكون الله في عونه و»أن يفك أسره», غامزين في قناة ما يروج بين الجميع من وجود صراعات تحتدم تحت الأرض بين حمائم وبين صقور حركة النهضة, وتحديدا بين رئيس الوزراء حمادي الجبالي, وبين رئيس الحركة الشيخ راشد الغنوشي، عدا اللهب المتصاعد من خيمة الترويكا الحاكمة. وسواء كان الأمر حقيقة لا غبار عليها أم مغرقا في التهويل, فإن جنوح الجبالي إلى الحكمة قد يكون استباقا للمأزق الذي وجدت فيه مصر نفسها كنتيجة لأخطاء سياسية واضحة، وقد يكون محاولة لتفكيك اللغم قبل انفجاره «بيدي ولا بيد عمر», ومن ثمة فإنه مسعى يستحق أيادي ممدودة لتشجيعه على المضي قدما في اتجاه الاعتدال إن صحت فرضية الحمائم والصقور؛ إلا أن رجل السياسة الذي يمكن أن يقول كلاما جميلا مرسلا يحاسب أيضا على قرن القول بالفعل, وسنرى بعد قليل إن كان سيتم تحييد وزارات السيادة عن الأحزاب قبل الانتخابات, وما إذا ستتوقف حملة الكراهية والعنف المستفحلتان ليكون التوافق الوطني العريض بديلا عن الغواية والهواية اللتين أوصلتا رئيس الوزراء إلى الإرهاق والبلد إلى الإنهاك. لذلك سيتعين مرة أخرى على التونسيين الانتظار بعض الوقت لقياس منسوب الصدق في الخطاب الجديد لـ»حمادي الثاني» لعله يسليهم عن ذكرى «الخليفة السادس»! وبين فجر وغسق سيستمر التونسيون في ترديد مقولة درويش: «وبي أمل يأتي ويذهب ... لكن لن أودعه».
كنت أقول في هذا الموقع قبل بضعة شهور إن الخمسينيين وحتى الأربعينيين يغبطون الرئيس التونسي التسعيني على حيويته الفكرية والجسدية -نسبياً- وهو يتحدى عامه الثالث والتسعين، لكنني لا أعلم على وجه الدقة إن كانوا يغبطونه...
بعد الخميس جاء يوم الجمعة، وبعد 17 يناير أطلّ يوم 18 يناير، ولم تتوقف الأرض عن الدوران في تونس، بسبب الإضراب العام في قطاع الوظيفة العمومية، بل استمرت الحياة عادية، رغم نجاح الإضراب الذي قاده...
لم تكن لوحة الفنان الإيطالي «ليوناردو دا فينشي» التي سمّاها «العشاء الأخير» أقل إثارة للجدل في تونس من «العشاء الأخير» الذي جمع مساء الثلاثاء الماضي الشيخ راشد الغنوشي بـ «الشيخ» الباجي قايد السبسي، بعد جفاء...
كعادتهم السنوية «المقدّسة»، ينتظر فريق من التونسيين قدوم شهر يناير بفائض من الشوق، وينتظر فريق آخر انجلاءه بفارغ الصبر، فشهر يناير في هذه البلاد غير ما هو متعارف عليه في بلاد العالم الأخرى، حيث يهرب...
رغم أنها دانت لرئيس الحكومة يوسف الشاهد أو كادت، لا يزال المشهد موارباً في تونس، ويستعصي على فهم أكثر المراقبين التصاقاً بتفاصيله. كان منتظراً من يوسف الشاهد في إطلالته مساء الجمعة، بعد طول صمت، أن...
في لمح البصر، عادت حركة «النهضة» التونسية للمربع الأول، وهي التي كابدت من أجل تحسين صورتها على مدى السنوات الثماني الماضية. فقد كان يكفي أن يظهر رئيسها وزعيمها التاريخي منذ أربعين سنة، راشد الغنوشي، ظهوراً...
كثيرون هم من يحسدون الرئيس التسعيني الباجي قايد السبسي على حيويته الذهنية، بل يراه البعض «أسطورة ديناصورية» لم يَجُد بها الزمن إلا لماماً. وقد قال يوم الخميس الماضي إنه «آخر الكبار» ممن مد الله في...
عدا الضجيج اليومي الذي يذكّر بما يصدر عن سرك مفتوح في تونس، هناك حدث جلل لم يجانب الصواب من وصفه بالحدث «التاريخي»، بل لعله التطور السياسي الأبرز على الساحة العربية والإسلامية منذ ارتدادات زلزال سقوط...
تهتز الساحة السياسية التونسية بشدة على مشارف سنة انتخابية ساخنة ومحددة لمن سيمسك بصولجان السلطة لعدة سنوات قادمة.. من ذلك انصهار الحزب «الحاكم» نظرياً (نداء تونس) مع الحزب الرابع في نتائج انتخابات 2014 (الاتحاد الوطني...
كان التونسيون في غاية الحاجة إلى كلمات الرئيس الفرنسي في قمة الفرنكوفونية بأرمينيا، وهو يعلي في نبرة صوته بـ «أن تونس فخر لنا»، قبل أن يكيل مزيداً من المديح لرئيسها «الشجاع» الباجي قايد السبسي، وإلى...
خلال ساعات من الآن، سنرى إن كانت السكاكين المشحوذة على مدار الأيام الماضية قد ارتدّت عن رقبة يوسف، أم أن إخوته سيجهزون عليه ليعودوا إلى أبيهم جذلين. في تونس، بلغ التشويق أشده بشأن رئيس الحكومة...
من المفترض أن يتحدد خلال الأسبوع المقبل مصير يوسف الشاهد، وهل سيواصل مهامه كرئيس للحكومة التونسية حتى 2019 موعد الاستحقاق الانتخابي الرئاسي والتشريعي، أم أنه سيكون كفاية عليه بقاؤه في منصبه ذاك سنة و9 أشهر،...