


عدد المقالات 604
الدم المصري كله حرام، لا نفرق ولا نستثني بين من استشهد في سيناء، أو لقي ربه في مظاهرة سلمية، دون عنف أو تخريب وهما معا تعبير عن حالة احتقان في المجتمع المصري، والمستمرة منذ سنوات ليست قصيرة، وما حدث في شبه جزيرة سيناء أوائل هذا الأسبوع يمثل حلقة جديدة في مسلسل استهداف القوات المسلحة المصرية، والمتمثلة في تلك المذبحة اللاإنسانية، فهي إهدار لدماء زكية، تسيل في تلك المواجهات العبثية التي تدور على الأرض المصرية. وقد لا تكون الأولى، ولكننا نتمنى أن تكون الأخيرة، والعملية بملابساتها تثير العديد من الأسئلة، وتطرح بعض الملاحظات، التي يجب أن نتوقف عندها:
أولا: من الخطأ محاولة استثمار العملية الأخيرة في سيناء، في إطار الأزمة السياسية التي تعيشها مصر، وإدخالها كجزء من الصراع القائم، فعلينا أن نعترف أن الإرهاب في سيناء ليس وليد اليوم، ولم يرتبط بنظام بعينه، أو تعبير عن أزمة خاصة، ولكنه استثمار من الجماعات الإرهابية لجزء لديه طبيعة خاصة، يعاني من مشاكل مختلفة لظروف معروفة للكل، مع ملاحظة جديرة بالانتباه أن الإرهاب في سيناء قبل ثورة 25 يناير 2011 استهدف الجنوب في مدن طابا في العام 2004، وشرم الشيخ في العام التالي، وثلاثة تفجيرات في دهب في عام 2006، وانحصرت تلك العمليات في مواجهة الوجود الإسرائيلي، حيث يسمح لليهود بدخول جنوب سيناء دون الحصول على تأشيرة مسبقة، واختلفت الأهداف والتوجهات بعد ذلك التاريخ، حيث أصبحت قوات الشرطة والجيش في مقدمة أولوية تلك الجماعات، فقد شهدت رفح المذبحة الأولى في أغسطس 2012 وراح ضحيتها 16 جنديا، وفي مايو من العام التالي تم احتجاز عدد من الجنود، ودخلت الدولة في ذلك الوقت في مفاوضات أدت إلى الإفراج عنهم، وفي أغسطس من نفس العام استشهد 25 مجندا، وكانت الحادثة الأخيرة هي الأكبر من حيث عدد الشهداء، ووصل إلى 29 ناهيك عن عمليات أخرى، أقل من حيث الضحايا، وكذلك تفجير أنبوب الغاز، الموصل إلى إسرائيل والأردن لمرات عديدة، ولعل ذلك يعني أن كل العهود الأخيرة، في حكم مصر، عانت من تلك الظاهرة، سواء في زمن مبارك، أو المجلس العسكري، أو الدكتور محمد مرسي، أو المستشار عدلي منصور، أو عبدالفتاح السيسي.
ثانيا: لا أفهم حتى الآن التصريحات التي صدرت على لسان كبار المسؤولين، ومنهم الرئيس عبدالفتاح السيسي، والتي أشارت إلى وجود دعم خارجي لتنفيذ العملية الأخيرة، دون توضيح لطبيعته أو المشاركين فيه، سواء دولا أو جماعات، والأمر يحتاج إلى مزيد من الشفافية والوضوح، خاصة أن الإعلام المصري اعتمد على كتيبة الخبراء الاستراتيجيين، الذين سارعوا إلى اتهام حماس بالتورط في العملية، وهو اتهام يفتقد المنطق، ويدخل في دائرة اللامعقول.
فحماس من جانبها نفت أي صلة لها بالعملية، وأدانتها، وأكدت في اتصالاتها مع الجانب المصري أنها تقوم بواجبها كاملا في الحفاظ على الحدود بين القطاع ومصر. كما أنها قد تكون من الأطراف الأكثر تضررا من العملية، خاصة أنها تسعى جاهدة إلى تصحيح مسار علاقاتها بالقاهرة، لأنها تدرك أكثر من غيرها أن مصر هي الرئة التي تتنفس بها، وتمثل إطلالتها على العالم، وأصبحت تعاني تسريع وتيرة هدم الأنفاق، ومن إغلاق معبر رفح، ومن تأجيل المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل حول القضايا المعلقة من اتفاق وقف إطلاق النار في غزه، وكان منها البحث في آلية إنهاء الحصار، وفتح المعابر ومنها معبر رفح مع مصر.
ثالثا: يصبح من الضروري البحث عن الجاني، وهو لن يخرج عن طرفين الأول، إسرائيل عن طريق تجنيد عملاء لها من أهالي سيناء، أو حتى من قطاع غزه، وهي صاحبة مصلحة حقيقية في استمرار حالة عدم الاستقرار في سيناء تحديدا، كما أنها مستفيدة من توابع ما حدث من إقامة منطقة عازلة داخل الحدود المصرية مع رفح، وقد كان لافتا للنظر ذلك التحذير الذي أصدرته إسرائيل منذ أيام لرعاياها بعدم السفر إلى سيناء تماماً، وسيظل الاتهام معلقاً برقبة إسرائيل، حتى يعلن طرف ثان مسؤوليته عن الحادث، وهي أما منظمات جهادية غير خاضعة لحماس مثل جيش الإسلام الذي يقوده ممتاز دعمش المتورط في مذبحة رفح الأولى كما يتردد، أو أي من الجماعات الجهادية في سيناء والتي وصل عددها وفقا لبعض التقارير إلى 11 جماعة، أشهرها أنصار بيت المقدس، وقد سبق أن أعلنت مسؤوليتها عن العديد من العمليات في مصر، ومنها أيضا مجلس شورى المجاهدين، والتوحيد والجهاد، والتكفير والهجرة.
رابعا: من الضروري التأني في ردود الأفعال حول تلك الجريمة رغم بشاعتها، والتي انقسمت إلى بعدين، الأول عسكري وأمني، وهي أمور قد لا يكون هناك خلاف عليها، باعتبارها حق أصيل للأجهزة المعنية، ومن ذلك التعزيزات العسكرية في سيناء، ولكنني أتوقف عند البعد السياسي، وهو الأخطر، والذي أخذ مسارين، الأول يتعلق بالوضع الميداني بالقرار الخاص بإقامة منطقة عازلة على الشريط الحدودي الفاصل بين قطاع غزة ومصر، قد يصل عمقه من 1.5 كيلو إلى 3 كيلومترات، مما يعني تهجير من 70 ألف إلى 150 ألف مواطن من أهالي سيناء، وفقا للعديد من التقديرات، وهؤلاء بطبيعة الحال ليسوا جزءا من الأزمة، ولكن ضحايا لها، مثلهم مثل كل المصريين، مرتبطون بالأرض وبمصالحهم في المنطقة، ومثل هذا القرار ستكون له آثار كارثية على المدى القريب، فهو يخلق عداوات غير مبررة من وجهة نظرهم مع الدولة، يضاف إلى ذلك شعورهم بالتهميش وغياب الخدمات العامة الواجب على الدولة توفيرها، أو دورها في تعمير تلك المناطق.
أما القرار الكارثي الثاني، فهو الذي اتخذه مجلس الوزراء بتعديل قانون المحاكم العسكرية، ليضم إليها قضايا استهداف المنشآت العامة، وقطع الطرق، وهو بذلك مخالف تماماً للمادة 204 من الدستور، التي حددت اختصاصات القضاء العسكري بشكل تفصيلي تماماً، وجعلته قاصرا على الجرائم المرتكبة في حق أفراد القوات المساحة بل إن المادة تقول بالنص «لا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري، إلا في الجرائم التي تمثل اعتداء مباشرا على المنشآت العسكرية، أو معسكرات القوات المسلحة، أو ما في حكمها...» وتضيف المادة العديد من تلك الجرائم، وكلها تحديدا متعلقة بأفراد القوات المسلحة، ومعداتها ومنشآتها، ومن الممكن أن يتم تمرير تلك التعديلات على المستوى الداخلي، وعدم التعويل على وجود معارضة مؤثرة له، ولكن الأهم هو إثارته لمشاكل في العلاقات بين مصر والغرب، نتيجة مخالفة ذلك لأبسط حقوق الإنسان، وهي أن تتم محاكمته أمام قاضيه الطبيعي.
خامسا: من المهم الإسراع بإخراج القوات المسلحة من مثل هذه الأزمة، حتى لا تقع ضحية لمخططات استهدفت من قبل جيوشا مهمة في المنطقة، مثل الجيش العراقي والسوري، فكانت النتيجة كما نرى، وأن تتفرغ القوات المسلحة في الاستعداد لمهامها الأصلية في الدفاع عن الوطن وحماية حدوده.
لا أدري إذا كانت تصريحات المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، حول حقيقة ما جرى منذ هجوم اللواء المتقاعد خليفة حفتر الغادر على العاصمة الليبية طرابلس في أبريل من العام الماضي، نوعاً من إبراء...
عندما يتعلق الأمر بحاضر ومستقبل أكثر من مائة وخمسين عربي في مصر والسودان، فنحن في حاجة إلى الاصطفاف والحذر، والحرص في التناول والتعامل أثناء التعامل مع ملف سد النهضة، وعندما تكون القضية تخصّ شريان الحياة،...
هاهي أميركا تجني ثمار ما زرعته في العراق، فبعد أكثر من 17 عاماً من غزوها العاصمة بغداد، تجد نفسها مجبرة على الدخول في حوار استراتيجي مع حكومة الكاظمي؛ للاتفاق حول شكل وحجم قواتها هناك، بعد...
إن أي مراقب محايد وحريص على التجربة الديمقراطية الوليدة في أعقاب أنجح نماذج الربيع العربي، لا بدّ أن يقرّ ويعترف بأن هناك أزمة حقيقية تعاني منها تونس، وبداية الحل في الاعتراف بوجودها، والاتفاق على آليات...
عندما يجتمع «الهوان» العربي، و»التخبّط» الفلسطيني، مع «الدعم» الأميركي، وموقف «إبراء الذمة» الأممي والأوروبي، فالنتيجة أن المشروع الإسرائيلي لضمّ 30% من الضفة الغربية -وهو قيد التنفيذ- في يوليو المقبل سيمرّ، وعلى الجميع أن يتنظر خطوة...
بكل المقاييس، فإن شهري يونيو ويوليو المقبلين هما الأخطر في مسار أزمة سد النهضة، وسيحددان طبيعة العلاقات المصرية السودانية من جهة، مع إثيوبيا من جهة أخرى، وكذلك مسار الأحداث في المنطقة، وفقاً للخيارات المحدودة والمتاحة...
أسباب عديدة يمكن من خلالها فهم الاهتمام الاستثنائي من جانب الكثيرين من المعلّقين والكتّاب -وأنا منهم- بقضية سدّ النهضة، والأزمة المحتدمة على هذا الصعيد بين مصر وإثيوبيا والسودان، ومنها أنها تتعلّق بحاضر ومستقبل شعبين عربيين،...
بعد عدة أشهر من استقالة رئيس الوزراء العراقي السابق عادل عبدالمهدي، كان الخيار الأول لمن يخلفه هو مصطفى الكاظمي رئيس الاستخبارات العراقية، ولكنه تحفّظ على قبول التكليف، ووسط عدم قبول كتل شيعية له؛ ولكنه أصبح...
المتابعة الدقيقة لمسيرة اللواء المتقاعد خليفة حفتر تؤكد أن الرجل لم ولن يتغير؛ فقد ظهر بشكل كوميدي لأول مرة في فبراير 2014، داعياً الليبيين إلى التمرّد على المؤتمر الوطني العام المنتخب من قِبل الشعب الليبي،...
أزمات لبنان الحقيقية تبدأ وتنتهي عند المحاصصة السياسية والطائفية، يضاف إليها الرغبة في التسييس والتأزيم، مع تمترس كل طائفة وتيار وحزب سياسي وراء مواقفه، دون الرغبة في اللجوء إلى التسويات السياسية، أو لقاء الآخر عند...
لن تخرج الاحتمالات الخاصة بتمرير الحكومة العراقية الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي، عن هذه الاحتمالات؛ إما أن ينجح الرجل فيما فشل فيه سابقاه محمد توفيق علاوي وعدنان الزرفي، ويصل إلى التشكيلة المناسبة ليتم تمريرها عبر مجلس...
لا أسامح نفسي على إطراء شخصية مثل بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، ولكنه يقع في إطار إقرار واقع وقراءة في مسيرة الرجل، الذي استطاع عبر سنوات طويلة، أن يستخدم أدواته بصورة جديدة، ليحتفظ بالموقع طوال...