ليس في الأمر صدفة !! (2-2)
30 أغسطس 2014 , 02:30ص
توقفنا في المقال السابق عند مراحل إعادة الاعتبار لنظام مبارك واستعادة مصر ما قبل 25 يناير ونستكمل القضية من خلال القراءة المتأنية للشهادات، التي تجسد ذلك الهدف، ونتوقف عند بعضها:
*** تبرئة أركان نظام مبارك، من كل التهم الموجهة إليهم، ومن ذلك قتل المتظاهرين، ووصل الأمر بوزير الداخلية الأسبق اللواء أحمد جمال الدين، إلى الترويج لكذبة كبيرة، لم نسمع بها من قبل، وهي سرقة بعض سيارات الأمن المركزي، والتي تم استخدامها في إطلاق النار على المتظاهرين، دون أن يشير الرجل، إلى من سرق هذه السيارات؟ ولماذا لم تتم إثارة هذه الرواية، في أي مرحلة من المراحل السابقة. وقدم اللواء حسن الرويني رؤية غاية في الغرابة، وهي أنه لم يتم قتل أي من المتظاهرين، على أيدي رجال الشرطة بل تم نقل جثث من الذين ماتوا أمام أقسام الشرطة، إلى ميدان التحرير، ولم يتوقف الرجل ليسأل نفسه عن أول ضحايا المواجهات ببن الشرطة والثوار، وكانوا في مدينة السويس في يوم 25 يناير، كما أن الهجوم على أقسام الشرطة لم يتم سوى في مساء يوم 28 يناير، مما يعني أن معظم الضحايا، سقطوا في الثلاثة أيام الأولى، ووصل الأمر إلى السماع إلى شهادة أحد قادة الحرس الجمهوري، الذي حضر للمحكمة متطوعا، ليقول إن تعليمات مبارك يوم 10 فبراير، عندما ظهرت بوادر الزحف إلى قصر الاتحادية -مقر إقامة مبارك- عدم التعرض للمتظاهرين، حتى لو وصلوا إلى غرفة نومه. بل إن اللواء خالد ثروت رئيس جهاز الأمن الوطني بعد الثورة، اتهم عناصر من الإخوان، بسرقة السيارات الدبلوماسية وعددها 16 سيارة، تم استخدامها في دهس بعض المتظاهرين، وهي معلومة لم تذكر من قبل، ولم يقتصر الدفاع عن مبارك وحده، ولكن وصل إلى الوزير حبيب العادلي، وذكرت القيادات العسكرية والأمنية، أنه لم يصدر أوامر بإطلاق الرصاص على المتظاهرين، بل طالب قيادات الداخلية، بالتعامل معهم ومحاولة احتوائهم، واستخدام الغاز وخراطيم المياه، في التصدي للمتظاهرين.
ونفس الاتجاه ساد شهادات كبار المسؤولين عن قضية تصدير الغاز لإسرائيل، ومحاباة مبارك لصديقه رجل الأعمال الهارب حسين سالم، الشريك المصري في الشركة المسؤلة عن تصدير الغاز، حيث أكد عاطف عبيد وأحمد نظيف رئيسا الوزراء، في نهاية عهد مبارك، أنه لم يتدخل، ولم يوص تصريحا أو تلميحا، بإسناد العملية إلى حسين سالم، وفي شهادة اللواء محمد فريد التهامي، والذي تولى مسؤولية جهاز الرقابة الإدارية، عندما تم مواجهته بما قاله العديد من مرؤسيه، عن استغلال النفوذ في صفقه تصدير الغاز، قال إن عليهم إن يثبتوا ذلك، بالأدلة والبراهين والوثائق، دون الاكتفاء بالتحريات أو المعلومات المرسلة.
*** الإساءة إلى ثوره 25 يناير، والتعامل معها على أنها مؤامرة أميركية، استهدفت نظام مبارك، وهو ما قاله مبارك نفسه، والعادلي الذي جسد صورة «الشيطان عندما يعظ»، كما قالت بها شهادات العديد من كبار رجال المرحلة، وجاءت بكل وضوح وصراحة، على لسان اللواء حسن الرويني، من أن 25 يناير مخطط أميركي، باتفاق مع الإخوان، بدأ في تونس، وكان من الضروري تطبيقه في مصر، وهو ما أشار إليه اللواء مراد موافي مدير المخابرات العامة، والذي تحدث عن تجنيد عناصر من جانب دول أجنبية، لتغيير شكل المنطقة، والمخابرات والأمن رصدتا، وجود تمويل أجنبي لتنفيذ مخططات عدائية ضد مصر، أثناء أحداث يناير، والترويج لذلك، من خلال وجود مواطنين فرنسيين، تم القبض عليهم في شقه مطلة على ميدان التحرير، ومعهم أسلحة وخرطوش وذخيرة وملابس عسكرية، بالإضافة إلى سيدة روسية، أرشدت عن آخرين، كانوا يحملون أسلحة وتم القبض عليهم في ميدان التحرير، دون أن تظهر نتائج للتحقيقات مع هؤلاء الأجانب، بل إن الفريق سامي عنان رئيس الأركان، رغم إقراره بعدم وجود معلومة حول تلك القضية، ولكنه قال كان هناك أجانب موجودين من جنسيات مختلفة أميركية وإنجليزية. ويصبح السؤال أين هؤلاء المتهمون؟ ومن حقق معهم؟ وكيف تم الإفراج عنهم؟ والهدف من تلك الشهادات واضح، سحب فضل عملية إسقاط مبارك، من ملايين المصريين في الميادين. والترويج لفكره المؤامرة.
*** توريط حماس في عملية اقتحام السجون، والتي بدأت مع شهادة اللواء عمر سليمان، والذي أشار فيها إلى وجود عناصر أجنبية، عبرت الإنفاق يوم 27 يناير 2011، وشوهدت عناصر منها في ميدان التحرير، وهو ما ذهبت إليه معظم الشهادات، ومنها ما قاله اللواء مصطفى محمود عبدالنبي، رئيس هيئة الأمن القومي السابق، عندما أشار في شهادته، إلى أن جماعة الإخوان وكتائب القسام وحزب الله، هم من هاجموا السجون. ووصل الأمر به إلى الإشارة إلى أن الذخيرة التي تبرعت بها مصر، لصالح دولة فلسطين، هي التي تم استخدامها في قتل المتظاهرين، وحدد اللواء حسن الرويني عدد من اقتحموا السجون بـ23 ألف شخص، ولم يتوقف أحد من كل المسؤولين، عند جزئية كيف وصلت عناصر حماس عبر الإنفاق إلى داخل مصر؟ لتعيث في الأرض فسادا، تقتل المتظاهرين، وتقتحم السجون، وتهاجم أقسام الشرطة. وأين هي أجهزة الأمن والتي حددها اللواء خالد ثروت، في شهادته بأنها الجيش والشرطة العسكرية، باعتبارها المسؤولة بعد انهيار الشرطة عن تأمين البلاد، وقال إن منطقة الأنفاق مع غزة خارج اختصاصات وزارة الداخلية، في إشارة إلى حرس الحدود، والتي قال عنها المشير طنطاوي في شهادته: «إن مهمتها متابعة كل حاجة.. وعندما تكتشف أية مخالفات تقوم بالقبض على مرتكبيها» فهل تم القبض على أي من تلك العناصر؟ وهل تمت محاسبة أي مسؤول؟ على أي مستوى، عن ذلك التسيب الأمني، في كل الأجهزة المعنية.
ولعل المتابع للأحداث في السنوات الثلاث الماضية، يكتشف وبسهولة، حجم التناقض في الشهادات والمواقف، باختلاف الأزمنة والظروف، ومن ذلك التعبيرات التي استخدمها المشير طنطاوي، في وصف ثوره 25 في الذكرى الأولى لها، عندما كان رئيساً للمجلس العسكري، وقال إنها «ستظل عيد التلاحم ببن الشعب وقواته المسلحة» التي وقفت إلى جانبه، وانحازت إليه، تحمي ثورته، وتساند ثواره، وبين ما يتم التأكيد عليه، والترويج له، بكل الوسائل، بأن الأمر كان مؤامرة أميركية على مصر، فهل ساند الجيش المصري الثورة المؤامرة؟ ومنها ما قاله مبارك تلميحا، وذكره حبيب العادلي تصريحا، كما أن هناك تباينا واضحا، بين شهادة المشير طنطاوي، أمام القاضي أحمد رفعت في عام 2011، والأخرى أمام المستشار محمود الرشيدي مؤخراً. في الأولى، نفى إلقاء القبض على أي من الأجانب، في ثوره 25 يناير، أو يكون قد تم تقديم أي منهم للمحاكم العسكرية، ونفى دخول عناصر من حماس أو حزب الله، وعندما سئل عن ذلك في 14 ديسمبر الماضي، قال: «قطعا كان هناك عناصر موجودة» وتلك المعلومات لدى الأجهزة المختصة، وهذه العناصر تتبع جهات خارجية، مثل فلسطين وغير فلسطين. كما أن الرجل في الشهادة الأولى تفادى توجيه أي اتهامات لا أحد وفي الثانية حرص على اتهام الإخوان المسلمين وقال لم يكن هناك معلومات وبعد ذلك -دون أن يحدد توقيتا بعينه- تكشف أن عناصر من الإخوان وأتباعهم هم من قام باستخدام السلاح في ميدان التحرير.
وبعد فإن كل المؤشرات تقول، إن مبارك قد يحصل عن البراءة، من كل التهم الموجهة إليه، سواء قتل المتظاهرين، أو استغلال النفوذ، في القصور التي اشتراها هو وولداه من حسين سالم، أو بيع الغاز لإسرائيل، ولكن ماذا عن العديد من البلاغات؟ التي ما زالت حبيسة الأدراج، منذ أيام النائب العام عبدالمجيد محمود.
هذه مصر التي استعدت لبراءة مبارك، وإعادة الاعتبار له، على اعتبار أن النظام الحالي، هو التطور الطبيعي لما كان في مصر قبل ثوره 25 يناير. أما الأسئلة الحائرة، فلن يجيب عنها سوى التاريخ، عندما يكتبه المنصفون، الذين يلتزمون بالانحياز فقط للحقائق المجردة، بعيدا الانتصار لطرف، أو تشويه الآخر.
usama.agag@yahoo.com •