


عدد المقالات 103
كنا نمرعلى أعمق نقطة في البحر المتوسط. لحظة أن اهتزت الطائرة وطلب إلينا قائدها أن نعود إلى مقاعدنا. اقتربت مني جارتي طيبة الوجه قائلة إن أسرار دول البحر المتوسط تقبع في القاع الآن حيث نمر، وما علينا سوى أن نطيل أذرعنا لنجذب منها ما نرغب. كنت مسمرة في مقعدي أقرأ رواية «دروز بلجراد» الرواية العربية الفائزة بجائزة البوكر لهذا العام لمؤلفها اللبناني «ربيع جابر». تمنيت لو أنني ما زلت طازجة الوجع لأبكي كما أشاء مأساة الدروز في الدولة العثمانية التي عبثت في أراضينا العربية وأورثتنا الفرقة والاحتلال والضعف. ارتفع صوت ضحكتي فرِحة بخيالها الجميل. لكنها رسمت على وجهها الجدية وقالت: أتعرفين أن الواقع تغير وأنكم في شمال إفريقيا يجب أن تنتقلوا إلى جنوب أوروبا. لم يكن هناك حلم أجمل من هذا. أخيرا سنستمتع باللون الأخضر والجبال والأطار والطبيعة الثرية. لقد حُبسنا في تلك البقعة طويلا. ومن حقنا أن نتعرف على أرض أخرى. كما أن الأرض ملك كل البشر. لماذا يحتكر شعب ما بقعة واحدة ويخلد فيها؟ كانت الفكرة منطقية بالنسبة لي. وبدأنا نستبدل الشعوب ونعيد توزيعهم على القارات. وقررنا معا أن ننتقل في مرحلتنا القادمة إلى أقصى شرق آسيا حيث الصين الشاسعة الغامضة. أغمضت عيني وأنا أتخيل نفسي شاهدة على العالم من أعلى سور الصين. حول الطائرة كانت هناك فراشات كبيرة تلمس السحب فتنثر ألوانا خلابة جذبتها الفراشات لتوها من الشمس التي استيقظت كسولة. أعجبني ذلك الدلال الكوني وطلبت منها البقاء؛ حيث هي لأنتهي من حلمي وأستيقظ لأستمتع بها. الغريب أنها وافقت. بعد قليل كانت كل منا ترشف قهوتها أنا والشمس. كانت تبعث ضوءا حنونا إلى الكون. رأيتها بأم عيني وهي تخرج من جرابها الضوء وتطلقه يسافر حيثما يشاء. تجاهلتني وأنا أتهمها بالخضوع للعولمة ومجاراة الوحوش. فحتى ضوء الشمس يخرج قاسيا على إفريقيا ويعود حنونا على أغلب أميركا وأوروبا. كفت عن ولادة الألوان وانتشر الضوء صامتا. كان أن اختفى الضوء من حياة «حنا يعقوب» المسيحي اللبناني بعدما اختطف ليحل محل رجل لبناني درزي أخرجوه من السجن. وخوفا من غضب الوالي دُفع بـ «حنا يعقوب» ليدعي أنه درزي ويلبس اسمه في كل مرة يسأله العسكر. يصف الكاتب بدقة الطريق إلى بلجراد. الطريق الذي عبده المساجين بدمائهم ودموعهم وأحلامهم المجهضة التي دُفنت في أرض بلجراد. قضى بعض الدروز هناك وبقيت أجسادهم كأنما لتشهد على واقع شاذ حدث قبل أكثر من مئة وخمسين عاما. الرواية التي كتبت صفحاتها من اليمين إلى اليسار لفتت نظر طفل في العاشرة جاء يسألني بعيون لامعة كيف أقرأ الصفحات عكسيا؟ كان السؤال جميلا يليق بأناس تائهة في السماء تتخبط بين أحلام الصغار والكبار وتتعثر في الفرح والألم الذي تعج به أسطح السحب. أسعفني القلم في شرح الفرق بين كتابة اللغة العربية والإنجليزية. ابتسم الشاب الصغير وعاد إلى مقعده فرحا محتضنا معلومة جديدة أظنه لن ينساها، بل إننا اتفقنا على اللقاء مرة أخرى. أخرجت الجهاز الصغير لأهرب قليلا من وجع الصفحات. فانفرطت صور كل صديقاتي وأصدقائي على طاولة الطعام الصغيرة. صفحة الفيس بوك. كانت هي آخر ما اطلعت عليه وأنا في المطار قبل أن تقلع الطائرة. أشارت بإصبعها تسألني عنه. كان وجها لصديق قديم جمعت بيننا الجامعة والسياسة وفشل الحب في الجمع بيننا. ابتسمت جارتي ذات الروح العجوز وقالت: إنه مشطور لنصفين، نصف من الضوء ونصف من الظلام. ثم تنهدت قائلة: لكن نصفه المظلم ابتلعه. ضربت الشمس في الصفحة فتاهت الصور، لكن الأرض كانت أن اقتربت ومن نافذتي رأيت وجه مياه زرقاء تتوسط جبالا خضراء، ثم وجدت الفرح يقفز حول جسد الطائرة التي أخذت تهبط ببطء حنون لتلمس الأرض وتنحني لتقبلها.
إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...
سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...
في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...
«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...
المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...
طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...
أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...
أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...
كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...
في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...
الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...
أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...