

شكّل معرض الدوحة الدولي للكتاب في دورته الـ 35، الذي أسدل الستار على فعالياته مؤخرًا، مساحة ثقافية وإنسانية استثنائية أعادت إلينا قيمة الحوار الفكري الجاد في زمن تتسارع فيه التحولات وتتزاحم فيه الأسئلة الكبرى. فقد أتاح هذا الحدث الثقافي المتميز فرصة ثمينة للقاء نخبة من الزملاء والمفكرين والأصدقاء، حيث امتدت النقاشات لساعات طويلة اتسمت بالعمق والصراحة والقلق المشروع على واقع الثقافة العربية ومستقبلها. ولم تكن تلك اللقاءات مجرد أحاديث عابرة، بل تحوّلت إلى جلسات فكرية نابضة بالحياة استحضرنا خلالها هموم المثقف العربي وإشكالياته المتراكمة، وتوقفنا مطولًا أمام التحولات التي مرّت بها المنطقة خلال العقود الخمسة الماضية، وما تركته من أثر بالغ على الوعي والإنتاج الفكري والثقافي. ما تكشف هناك لم يكن اختلافًا في التقدير فحسب، بل شبه إجماع ضمني على أن أزمة المثقف ليست حادثة طارئة، بل تعبير مكثف عن اختلال أعمق في البنية العربية نفسها. ومع ذلك، ظل الأمل يتسلل بوصفه إمكانية مشروطة: فالثقافة، رغم انكساراتها، ما تزال الفضاء الأخير الذي يمكن أن يُعاد فيه تأسيس المعنى، شريطة أن يتحرر المثقف من أوهام دوره بقدر ما يتحرر من قيود واقعه. من هنا، لا تعود أزمة المثقف سؤالًا عن فرد، بل عن شروط إمكان الفكر ذاته داخل واقع يُقاوم التفكير. المجتمع كفضاء لاغتراب الفكر لا يعيش المثقف العربي أزمته بوصفها ظرفًا خارجيًا فحسب، بل يحملها في بنيته الداخلية بوصفها انقسامًا دائمًا بين الوعي والواقع، بين إدراك الاختلال والعجز عن تجاوزه. فهو ذات مثقلة بحمولة نقدية عالية، ترى التناقضات بوضوح، لكنها تصطدم باستمرار ببنية اجتماعية وسياسية تحدّ من قدرتها على الفعل. ومن هنا لا تبدو أزمة المثقف مجرد أزمة دور، بل أزمة وجود ومعنى، حيث يتحول الوعي نفسه إلى عبء ثقيل. وهذا ما يجعل تجربة المثقف العربي قريبة من مفهوم “الوعي الشقي” عند جان بول سارتر، حيث يصبح القلق حالة وجودية مستمرة ناتجة عن إدراك الفجوة بين ما يجب أن يكون وما هو كائن. ومن جهة أخرى، لا تقل العلاقة مع المجتمع تعقيدًا عن العلاقة مع السلطة. فالمثقف العربي يعيش غالبًا داخل فضاء اجتماعي لا يمنحه الشرعية الكافية، لأنّ المجتمع ذاته يعيش انقسامات حادة بين الماضي والحاضر، وبين الحاجة إلى الفكر والخوف منه. لذلك يبدو المثقف أحيانًا غريبًا داخل بيئته، معلقًا بين خطاب نقدي لا يجد حاضنة اجتماعية حقيقية، وواقع جماهيري تحكمه الأولويات اليومية والضغوط الاقتصادية والثقافية. وهكذا يتحول المجتمع، بدل أن يكون فضاءً لتداول الفكر، إلى فضاء لاغترابه. أما العلاقة مع الآخر، خاصة الغرب، فهي بدورها ليست علاقة معرفة متكافئة، بل علاقة تتم داخل ميزان قوى غير متوازن تاريخيًا وحضاريًا. ولهذا فإنّ موقفي الانبهار المطلق بالغرب أو رفضه الكلي، رغم تناقضهما الظاهري، يشتركان في بنية واحدة: كلاهما يعرّف الذات انطلاقًا من الآخر لا من داخلها. وفي تحليله للاستشراق، يبيّن إدوارد سعيد أنّ الغرب لم يكتفِ بمعرفة الشرق، بل قام بإنتاج صورة تمثيلية عنه تخدم هيمنته الثقافية والسياسية. والمثقف العربي، سواء انجذب إلى النموذج الغربي أو قاومه، يظل في كثير من الأحيان أسير هذا الأفق الذي صاغه الآخر مسبقًا. ومن هنا فإنّ الإشكال الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين بين القبول أو الرفض، بل في غياب المسافة النقدية القادرة على إعادة تعريف الذات بصورة مستقلة. فالمثقف العربي لا يحتاج إلى تمجيد الغرب ولا إلى شيطنته، بل إلى امتلاك القدرة على النظر إليه بوصفه تجربة إنسانية قابلة للفهم والنقد والتجاوز. وبدون هذه المسافة النقدية، يبقى الوعي العربي معلقًا داخل ثنائية التبعية والإنكار، عاجزًا عن إنتاج مشروع فكري مستقل يمتلك شروطه الذاتية ويعبّر عن واقعه الحضاري الخاص. الأصالة والمعاصرة كثنائية معطِّلة لم تعد ثنائية الأصالة والمعاصرة في الفكر العربي الحديث مجرد إطار نظري لفهم إشكاليات النهضة والتقدم، بل تحوّلت مع مرور الزمن إلى جزء من الأزمة ذاتها. فما كان يُفترض أن يكون سؤالًا مفتوحًا حول كيفية بناء علاقة خلاقة بين التراث والحداثة، أصبح معادلة جامدة تُستعاد بوصفها موقفًا أيديولوجيًا جاهزًا، لا أفقًا للتفكير الحر. وهكذا انتقل النقاش من البحث عن إمكانات التجديد إلى إعادة إنتاج الانقسام نفسه، حتى بدا الفكر العربي وكأنه يدور داخل دائرة مغلقة بين ماضٍ يُستدعى بوصفه يقينًا نهائيًا، وحاضرٍ يُستورد بوصفه نموذجًا مكتملًا. لقد أصاب هذا الانقسام مختلف التيارات الفكرية العربية، من المدرسة المشرقية إلى المدرسة المغاربية، ومن دعاة العقلانية النقدية إلى المدافعين عن الخصوصية الحضارية. ففي مشروع محمد عابد الجابري، خاصة في “نقد العقل العربي”، برزت محاولة جادة لتفكيك البنية المعرفية للتراث العربي الإسلامي، من خلال إخضاعه لأدوات العقل والتحليل التاريخي، بحثًا عن إمكانية تأسيس عقل عربي حديث قادر على تجاوز عوائق الماضي. غير أنّ هذا المشروع لم يمرّ دون مساءلة، إذ جاء جورج طرابيشي في “نقد نقد العقل العربي” ليكشف حدود القراءة الجابرية ذاتها، معتبرًا أنّها وقعت بدورها في انتقائية معرفية وإقصاء لبعض مكونات التراث، وكأنّ الفكر العربي انتقل من نقد التراث إلى نقد النقاد أنفسهم، دون أن ينجح في إنتاج رؤية تتجاوز منطق الانقسام. في السياق نفسه، كان طه حسين يرى أنّ النهضة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا عبر إخضاع التراث للنقد المنهجي الصارم، انطلاقًا من إيمانه بأنّ العقل هو الطريق الوحيد للخروج من الجمود. لذلك خاض معاركه الفكرية بين “الشك واليقين”، ودافع عن حق العقل في مساءلة الموروث مهما بلغت قداسته الاجتماعية. وفي المقابل، جاء طه عبد الرحمن ليقدّم تصورًا مختلفًا للحداثة، لا يقوم على القطيعة مع التراث، بل على بناء “حداثة إسلامية” تستند إلى القيم الروحية والأخلاقية، وتُعيد إنتاج المعاصرة من داخل المرجعية الحضارية العربية الإسلامية، لا من خارجها. غير أنّ المعضلة الكبرى لم تكن في اختلاف المشاريع الفكرية بقدر ما كانت في طريقة تلقيها داخل الواقع العربي. فالتراث غالبًا ما يُستعاد باعتباره سلطة مكتملة لا تقبل المساءلة، لا تجربة تاريخية قابلة للفهم والتأويل، في حين تُستقبل الحداثة بوصفها نموذجًا جاهزًا ينبغي تقليده لا تجربة إنسانية قابلة للنقد وإعادة الصياغة. وفي الحالتين يغيب الفعل التأويلي الخلاق، أي ذلك الجهد الفكري القادر على تحويل التراث والحداثة معًا إلى مادة للتفكير الحر، لا إلى مرجعيتين متصارعتين تشلان حركة الوعي. وهكذا وجد المثقف العربي نفسه معلقًا بين عالمين: لا هو قادر على إعادة إنتاج الماضي بروحه التاريخية الحقيقية، ولا هو استطاع امتلاك الحاضر بوصفه مشروعًا ذاتيًا مستقلًا. فالأصالة تحولت أحيانًا إلى انغلاق يقدّس الماضي، والمعاصرة تحولت في أحيان أخرى إلى تبعية تنبهر بالآخر دون وعي نقدي. وبين هذا وذاك، ظلّ العقل العربي يعيش حالة من التردد الحضاري، حيث تتنازع الوعيَ مرجعيتان لا يملك السيطرة الكاملة على أيٍّ منهما. ومن هنا، فإنّ تجاوز هذه الثنائية لا يكون بالانحياز المطلق لأي طرف، بل بإعادة بناء العلاقة بينهما على أساس النقد والإبداع والتأويل. فالحضارات لا تنهض بتقديس الماضي، ولا بالتخلي عنه، بل بامتلاك القدرة على تحويله إلى قوة فاعلة في الحاضر، كما أنّ الحداثة ليست استنساخًا لتجارب الآخرين، بل هي القدرة على إنتاج حداثة تنبع من شروط المجتمع نفسه. وعندما يدرك المثقف العربي هذه الحقيقة، يتحول سؤال الأصالة والمعاصرة من مأزق معطّل إلى مشروع حضاري مفتوح على المستقبل.
لم تعد أزمة اليسار العربي مسألة مرتبطة فقط بتراجع حضوره الجماهيري أو انحسار قدرته التعبوية، بل غدت أزمة فكرية وأخلاقية تمسّ تعريفه لذاته ووظيفته التاريخية. وقد كشفت الحروب والصراعات الإقليمية في العقدين الأخيرين الى اليوم...
في كلّ منعطفٍ حاسم من تاريخ المنطقة، تعود إلى الواجهة مفارقة صارخة لا تخطئها البصيرة: رجلٌ مؤدلج يحمل مشروعه بوضوح وصلابة، وفي المقابل جموعٌ تتسابق إلى ترجمة خطابه، وتلميع صورته، وتسويغ عدوانه، ثم تقديمه إلى...
لا يمكن التعامل مع موجة الشماتة والتبرير التي ظهرت في بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي تجاه الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي بوصفها مجرد انفعالات عابرة أو ردود فعل شعبوية طارئة. فما طفا على...
في الحروب الكبرى، لا تُمتحن الجيوش والمنظومات الدفاعية وحدها، بل يُمتحن معها الضمير الجمعي والعقل النقدي لدى النخب الفكرية. فالصواريخ والمسيّرات التي سقطت على مدن عربية وخليجية لم تستهدف البنية التحتية المادية فحسب، بل اخترقت...
لم يعد الخليج ساحة تستقبل الضربات بصمت، أو منطقة تكتفي برد الفعل على الأزمات. المشهد الإقليمي اليوم يشهد تحولًا نوعيًا في طبيعة التعاطي والتعامل الخليجي مع المخاطر والتهديدات، من منطق الاحتواء إلى منطق المحاسبة. دول...
ليست الأزمات لحظات اختبار عابرة، بل محطات تكشف البنى العميقة للدول، وتُظهر الفارق بين من يمتلك مشروع دولة ومن يكتفي برفع شعاراتها. وفي الأزمة الأخيرة المرتبطة بالحرب مع إيران، لم تكن المنطقة أمام تصعيد عسكري...