مصر التي لا نعرفها!!
30 أبريل 2015 , 09:43ص
ليس من قبيل المبالغة، القول إننا أمام مصر أخرى، مختلفة كليا وجذريا عن تلك التي عرفناها نحن، وسبقنا في المعرفة أجيال وأجيال، تلك التي قيل عن شعبها إنه متدين بالفطرة، وإنه أول من تعرف على التوحيد حتى قبل الرسل، فجاء نفر من النخب السياسية، من يبشرنا بأن مصر دائماً كانت علمانية، وأن شعبها لم يكن يوما من الأيام متدينا، رغم أن أحدهم كان قريبا من دوائر وزارة الثقافة. الحملة على الإسلام تبدو مخططة بعناية شديدة، ويشارك فيها أطراف عديدة، تعرف تماماً أهدافها، وكيف تحقق تلك الأهداف، ولكنها بدأت على غير المتوقع مبكرا جداً، وحاولت استثمار الأجواء التي خلقها الإعلام الموجه، ومعركة الدولة مع الإسلام السياسي خاصة جماعة الإخوان المسلمين، في تحقيق تلك الأهداف، في خلط غريب بين الإخوان والإرهاب، ومنه إلى الادعاء بأن هناك في التراث الإسلامي، ما يشجع ويدعو إلى التطرف، وبدأت معركة عنوانها العريض تجديد الخطاب الديني، وفي التفصيل وفي الحقيقة، هدم الدين واستهدافه، خاصة أن مجموعة من الليبراليين وقوي اليسار، وللأسف بعضا من الناصريين، من يسيطرون على المشهد السياسي والإعلامي في مصر، منذ أحداث 30 يونيو، وأصبح النظام الجديد، يعتمد عليهم في معركته ضد الإسلام السياسي في مصر.
ولا بد أن نعترف أن إشارة البدء كانت من الدولة، التي وفرت المناخ، وحددت الإطار الخاص بذلك، سواء كان الأمر بالتشجيع والدعم، أو بغض الطرف عن كل ما يجري، والتصريحات التي يمكن رصدها من خطابات الرئيس عبدالفتاح السيسي في هذا المجال، يمكن أن توفر ذلك، فأكثر من مرة هاجم «الفكر الذي نقدسه»، لدرجة أنه تساءل ذات مره «يعني 1.6 مليار هيقتلوا الدنيا، اللي فيها 7 مليار عشان هما يعيشوا هما»، رغم أن مجموعات موصوفة بالإرهاب والتطرف، مثل داعش هي من تقوم بالقتل وليس المليار مسلم، الذين يعانون مثلهم مثل الآخرين، مما تقوم به داعش، ومن قبلها الشقيقة الكبرى تنظيم القاعدة وفروعها. وطالب السيسي بمراجعة الخطاب الديني، ودخل في مسائل هي من اختصاص رجال الدين، وليست من مهام رجال الدولة، ومنها ما قاله «يجب أن نفهم أن الجنة ليست للمسلمين فقط»، وقال أيضاً إن «مصر في حاجة إلى ثورة دينية للتجاوب مع العالم بشكل جيد». ولكنه أحيانا ما يتراجع عن بعض تلك التصريحات، بعد آثارها السلبية، ومن ذلك قوله مؤخرا «إننا في حاجة إلى ثورة من أجل الدين، وليس على الدين». والرصد الأمين لذلك التناول، وفي مناسبات عديدة، اعتبرها البعض أنها تمثل دعوة، أو على الأقل توفر أرضية للتحرك بحرية، أو سوء استغلال، ولكن كلها تؤدي إلى نتيجة واحدة.
وكانت البداية هي استهداف الأزهر الشريف، وشيخه الدكتور أحمد الطيب، ولم يشفع للرجل أنه أحد المشاركين فيما جرى في 3 يوليو 2013، عندما انحاز إلى خيار عزل الدكتور مرسي، وأيد كل ما جرى بالصمت أحيانا، والاكتفاء فقط بالاعتكاف في منزله في مدينه الأقصر، عندما يزيد استباحة الدماء. وبالجهر أحيانا كثيرة، في بيانات رسمية. وتنوعت وسائل استهداف الأزهر الشريف مرة، بتحميله مسؤولية الوقوف ضد حرية الإبداع، فقط لأنه رفض عرض فيلم يجسد الأنبياء، وللأسف الشديد الذي قاد تلك الحملة وزير الثقافة في ذلك الوقت، جابر عصفور، وساعده بعض الفضائيات وبرامج التوك شو، ولما زاد الأمر عن حده، وسط ذهول القائمين على الأزهر، على أساس أن الهجوم من شخصيات رسمية، عضوة في الحكومة، لم يكن من السهل الإبقاء على الوزير، بعد تعدد هجومه على الأزهر، رغم أنه طلب منه التوقف، فكان الجزاء هو خروجه من الوزارة، في أول تعديل. ولما لم تجد تلك الوسيلة، بدأت فضائيات عديدة وصحف خاصة، حملة ضخمة حول سيطرة الإخوان على مشيخة الأزهر، وأنهم المتحكمون في كل قراراته، وذكروا بعض الأسماء، ومنهم الشيخ عباس شومان وكيل الأزهر الشريف، والدكتور محمد عمارة، وأحد مستشاري الشيخ، وتدخل رئيس الوزراء إبراهيم محلب لتهدئة الحملة، والصلح بين الشيخ وبعض رؤساء تحرير ومقدمي البرامج، وللأسف الشديد نجحوا في دفع الشيخ إلى زاوية الدفاع عن النفس، ونفي التهم، رغم أن هناك وسائل عديدة يملكها الرجل، كانت كفيلة بوقف تلك الحملة، وتغيرت الوجهة هذه المرة، بالحديث عن أن الأزهر هو من يقف حجر عثرة أمام تجديد الفكر الديني، وأنه مسؤول عن حالة الجمود الفكري، ومقاومة الحق في التعبير، بل حمل البعض برامجه التعليمية المسؤولية عن الإرهاب في مصر، ولم تستثن الحملة حتى شيخ الأزهر نفسه، في محاولة لدفعه إلى تقديم استقالته، على اعتبار أن العرف السائد أن الرجل يتم تعيينه ولا يجوز عزله، ولكن يمكنه الاستقالة لداعي المرض، أو عدم القدرة على ممارسة عمله، وهو ما نفاه رسميا، رغم أن البعض طرح مجموعة من الأسماء يمكن أن تخلفه في المنصب.
وتنوعت وسائل الهجوم وتقليعاته ونتوقف عند ثلاث منها:
الأولي: ظاهرة إسلام بحيري، الذي يقدم نفسه على أنه مجدد إسلامي، ويدعو إلى هدم التراث، ويدعو إلى حرق كتبه، ويشكك في الأئمة الأربعة، ويطالب بإعدامهم، ويحاول الثأر من البخاري وكتب السنة النبوية الشريفة، في تطاول قد لا يكون جديدا، ولكنه الأكثر شططا، ويتوقف عند بعض الأحاديث الضعيفة، لمحاولة النيل من رواة وكتب الأحاديث النبوية الشريفة، ولا مانع من التأكيد على أن التمسك بالتراث الإسلامي، هو السبب في انتشار الإرهاب، وللأسف ونظرا لأن الرجل لا يملك من الإسلام سوى القشور، فقد مارس الأزهر دوره، ولكن جماعات الليبراليين، رفعوا راية حرية الرأي وحق التعبير، وكأن ذلك المقصود به هو الدين فقط، أما أي انتهاكات لتلك الحقوق من منظور سياسي، فهذه ليست قضيتهم.
الثانية: الدعوة التي أطلقها أحد الليبراليين، الذي يتفاخر بأنه عاش معظم عمره في باريس، وعرف الحضارة الغربية، الكاتب شريف الشوباشي، الذي لم يجد من أسباب تخلف الشرق والمسلمين، سوى ارتداء الحجاب. داعيا إلى مظاهرة مرخصة موافق عليها من الأجهزة المعنية، التي تمنع التظاهرات، حدد لها أول شهر مايو الحالي، لتشجيع من يريد من النساء على خلع الحجاب، في حماية الرجال. على أساس أن ملايين المصريات من السيدات والفتيات، تم إجبارهن على ارتدائه ضاربا بأحد أسس الحضارة، التي يدعي الانتماء إليها عرض الحائط، وهي الحرية الشخصية، دون التوقف على البعد الديني في ارتداء الحجاب.
الثالثة: قيام وكيلة وزارة التعليم في محافظة الجيزة، ومعها نفر من مرؤوسيها، وهم يرفعون أعلام مصر، وسط نغمات الأغاني الوطنية، بحرق مجموعة من الكتب، قالت إنها تدعو إلى التطرف والإرهاب، وإنها قامت بتلك المهمة المقدسة، بعد مواقفة الأمن، وإذن الوزارة، في مشهد يعيد للأذهان ملامح عصور التخلف والظلام، ودافعت عن موقفها، الذي لا يستقيم مع أي عقل أو منطق، خاصة وأن أيا من الكتب المحروقة ليست ممنوعة، أو تحمل أفكارا تكفيرية، ومنهم رجب البنا فطالما هذا اسمه، فلا بد أن يكون أحد أقارب مؤسس جماعة الإخوان الشيخ حسن البنا، في دليل للمستويات المتدنية، التي وصلت إليها قيادات التعليم في مصر. وتم إنجاز عملية الحرق بنجاح كبير، واكتفت الوزارة بموقفها المهتز بإحالتها للتحقيق وظني أن الاتهامات تدور حول إتلاف عهدة حكومية.
usama.agag@yahoo.com •