


عدد المقالات 103
«ملعون أبوها الحمامة أم غصن زتون معمولة لجل الضحايا يصدقوا الجلاد».. إنه «عبدالرحمن الأبنودي» الذي اقتلع من عقله اللياقة ولعن الوداعة المغلفة بالغُبن وصرخ بصوت هادر غاضب، ونطق بلسان ملايين عادوا لميدان التحرير ولكل الميادين صبيحة يوم الخامس والعشرين من يناير، استقبلت أشعاره الوافدين للميدان: «يا طفل بهموم رجال يا بنت قبل الولد يا أرض تطرح حصا يا قلوب بتطرح عِندْ مين اللي قال الكلاب تسكن عرين الأسد».. بعد عام من استيقاظ الصباح كان أن استهل الأبنودي ذكرى الثورة بثورة وتحريض مكشوف جريء: لعن وسبّ العسكر والحكام واستدعى أرواح الشهداء، وأيقظ ألم المصابين وأكد خوف الخائفين واستعاذ من صمت الصامتين. قفز الأبنودي إلى القلوب وقرأ فحواها وأعاد ما فيها بصوته وشغفه وقلبه الذي انفطر ولم ينكسر. يكتشف الأبنودي ببصيرة نقية: «طِلع مش مهم السلاح طِلع يِغني عنه الحجر».. يُكسِّر بدأب ما أسموه «ثوابت»، يعيد صياغة الحقائق الجديدة، يدعم قوة الحجر ويدفع عن السلاح رعبه، فها هم البشر قد واجهوا الرصاص في اليمن وفي سوريا وفي مصر وفي ليبيا وفي كل مكان يشهد ثورة على الظلم.. اعتلى الأبنودي سماء الثورات ورأى كل الفرق، فجاءت الثورات إلى ميدان التحرير. كان بالميدان ثائرون من سوريا تجمعوا وصنعوا خيمة كبيرة قريبة من جامعة الدول العربية لكأنما ترسل إليها برسالة ما. في الخيمة رصت صور آليات الموت والخوف، جنبا إلى جنب مع آليات المواجهة والتحدي التي لم تزد على كونها أجساد البشر وإرادتهم. وقريبا من خيمة سوريا فوجئت بصوت فلسطيني يحاور طفلا مصريا يروي له عن فلسطين وعن ثورتها القائمة منذ عقود وعن الانتفاضة التي انطلقت قبل خمس وعشرين عاما، سلاحها الوحيد هو الحجارة وأبطالها شباب صغار مثلك. وأشار إلى الطفل الذي اعتدلت قامته وأحكم قبضته على العلم المصري، وقبل أن يفترقا سمعا معا مقطعا للأبنودي: «ثورة الأطفال تخلي الشِعر لو كان عبقري وزنه قليل النهارده الغنوة للأفعال النهاردة الصرخة للأطفال».. توقف الدكتور «خالد حروب» المفكر الفلسطيني الذي يحاضر بجامعة كامبردج ببريطانيا عند وجوه البشر والعناد الصامد منذ اثني عشر شهرا. تلقى الترحيب الدافئ من مئات الأكف التي ما إن التقطت صوته الفلسطيني حتى احتضنت فيه فلسطين التي لم تغب عن ميدان التحرير وثورته المصرية، فكافة منصات الفصائل السياسية المختلفة التي انتشرت في الميدان استدعت «فلسطين» في هتافاتها. إنه نفس المشهد الذي تكرر في نسخته الأولى منذ عام في نفس المكان، فما بين يناير 2011 ويناير 2012 تشابهات وأيضاً اختلافات، فصور الشهداء المحمولة على صدور أمهات وآباء وإخوة وأصدقاء الشهداء قد زادت.. فالعام الذي أطلق الثورة استمر في قبض الثمن.. مات شباب وشابات في أحداث ماسبيرو وأمام مجلس الشعب وفي وسط القاهرة بشارع محمد محمود ودفع عشرات من المصريين حياتهم في كل بقعة بمصر. وما بين يناير 2011 ويناير 2012 أن الانتخابات البرلمانية قد عقدت وتوزعت قلوب المصريين بين آمل في نصرة مطالب الثورة وبين قانط من التغيير على يد نخبة يراها قد تلوثت بالصفقات والتنازلات. برغم ذلك فقد بقي من تحرير 2011 الكثير. بقيت ثورة يقظة وشعب عشق بلوغ الميدان وأتقن تضميد الجرحى والصلاة على الشهداء.. بقي الصوت يقظا وبقي الضحك ممكنا وبقيت الهتافات عالية واستمر الغضب حيا، يضيف إليه الأبنودي حطبا حين يقول: «كل شعر الوصف ما يساويش في سوق الحق صرخة اعذروا الشُعرا إذا خرسوا النهارده واعذروا الكلمة إذا احتارت ودارت الكلام ما يشيلش جثة الكلام مفيهش دم». لكن الأبنودي الذي لم يصمت يوما ولم يستكِن للخوف أو للترهيب لم يقنط برغم الدماء التي ما زالت تجري ورغم الأسلحة التي تعبئ المخازن والبنادق الساكنة أعلى البنايات تنتظر فريستها. ويعترف بأنه: «طلع مش عويص الكفاح ما دام فيه إرادة وبشر طلع مش بعيد الصباح ومستني خلف الشجر».
إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...
سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...
في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...
«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...
المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...
طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...
أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...
أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...
كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...
في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...
الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...
أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...