


عدد المقالات 283
ردود فعل متباينة، أغلبها مشمئزة، أثارها مشروع قانون العزل السياسي في تونس، ليس فقط من طرف عشرات الآلاف الذين يشعرون بالغبن لاستهدافهم بالسهم المسموم في كبد مواطنتهم وبدون وجه حق، وإنما عابه كثيرون أيضاً ممن لا يطالهم الإجراء المرتقب، لأنهم يرون فيه ظلما بينا وإعادة إنتاج لممارسة الإقصاء البغيضة التي عانى منها تونسيون كثر في العهدين السابقين. وليس من قبيل المجانية أن تستبق القانون المعيب منظمات إنسانية دولية ذائعة الصيت، بيانات شجب وتحذير لما ينطوي عليه من محاذير تمس من حقوق الإنسان العامة عدا ما يحمله في طياته من نوايا سياسية مستقبلية أقل ما توصف به أنها بعيدة عن الممارسة الديمقراطية، ولصيقة بمنطق الثأر وإنزال العقاب الجماعي من طرف من يفترض أنهم يؤمنون بقوله تعالى «و لا تزر وازرة وزر أخرى»! ومن غرائب هذا الموضوع أن رموزا بارزة في حزب «النهضة»، الحاكم الرئيس في تونس، صرحوا بمواقف مناقضة تماما لهذا المسعى الانعزالي الذي يقوده زملاء لهم في الحزب وآخرون في التحالف الثلاثي! ولا أحد يعلم إن كان مثل هذا القانون سيرى النور في ظل الانشطار حوله، أم إنه سيظل كسيف دموقليتس، مسلطا على رقاب أناس جريرتهم أنهم عملوا مع الحزب الحاكم السابق، من منطلق ما كانوا يعتقدون صادقين بأنه خدمة للبلاد وللعباد، لكن صروف السياسة المتخلفة وتقلباتها أظهرتهم اليوم في لبوس المتهمين بالخيانة، فوسمتهم بعار الانتماء كما وسمت آخرين من قبلهم بعار التخريب، وحتما سيأتي في اللاحق من سيكتوي بهذه الممارسة اللعينة ما دام الوطن ضيعة تتوارث الأورام، لا صوت يعلو للأنعام فيها على صوت سيد زمان الضيعة! ففي مشروع قانون العزل السياسي ما يدعو إلى الضحك الذي يشبه البكاء، ومنه أيضاً ذلك التناقض الصارخ بين الإعلان -رياء- بأن الشعب ذكي وناضج وهو يعرف من يختار لحكمه (عندما كان الاختيار في صالح الفريق المتقدم بمشروع القانون اليوم) وبين الصراخ فزعا والتداعي لـ «تحصين الثورة» بواسطة هذا المشروع -عندما تداهم الشكوك أصحابها في فوز انتخابي آخر-أي ببساطة شديدة، لا ثقة حقيقية لهؤلاء في الشعب ولا في نضجه أو في ذكائه، بل إن الشعب يصبح أبله ويحسن «تحصينه» عندما تصبح سلطتهم مهددة بالديمقراطية! لكن في الأخير، ما هي إلا حركة أكروباتية مغامرة تهدف لمصادرة حق المواطن في الاختيار، وقد تنتهي بكسر ظهر المغامر، تماما كما انتهت بكسر ظهور حكام سابقين كانوا عمدوا إلى سن قوانين مماثلة، على مقاساتهم، لكن من الناس من لا يتعلمون! وعدا العيوب الأخلاقية التي يزخر بها مشروع قانون العزل، فإن في طياته مخاطر هيكلية ليس أقلها حرمان البلاد من عدد غير هين من خيرة رجالاتها الذين لم ينخرطوا في السياسة السابقة غراما في تحزب، وإنما شدت خبراتهم المهنية المشهودة أنظار الحزب الحاكم آنذاك إليهم، فاستعان بمهاراتهم لتسيير شؤون الحكم في شتى المجالات، والأغلبية الغالبة من هؤلاء أنقياء السيرة والسريرة، عدا قلة قليلة من الفاسدين ممن لم يخل منهم تنظيم سياسي في كل الأزمان، وقد كان من المفروض عدلا أن يهتم القضاء بأمرهم. لكن وبما أن الدافعين بمشروع قانون العزل لا يؤمنون في الواقع بالقضاء، فقد قرروا أن يقتصوا بأيديهم من خصوم الماضي بتشنج لن يفعل شيئا للبلاد سوى مزيد إحساس أهلها بالاغتراب، ودفعهم للبحث عن وطن آخر لأن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة! ذلك الحقد لم يعم الأبصار عما يتطلبه المستقبل من تضامن وطني واسع فحسب، وإنما أيضاً أعمى مشروع قانون العزل أصحابه عن رؤية لاعبين أساسيين ممن كان التجمع الدستوري الديمقراطي (المنحل بحكم القضاء) يتنفس برئاتهم وينبض بقلوبهم، مثل رجال الأعمال وناشطي المنظمات الأهلية والقائمين على كل إدارات الدولة، وهؤلاء لعمري كانوا أشد فاعلية في خدمة الحزب الحاكم السابق من موظفيه الرسميين! بما يعني مرة أخرى أن مشروع القانون سيئ السمعة، متسرع وأعرج وغير قابل للإقناع. فقد «كان غيرك أشطر»، وجربه حكام مصر الجدد، لكن الوجدان المصري العام رفضه من خلال القضاء الذي كان دوما صمام أمان مصر، فيما الحالة التونسية مختلفة حيث الأغلبية (المؤقتة) داخل المجلس التأسيسي تتغول باسم الشرعية الانتخابية (المؤقتة)، تسن ما يعن لنرجسيتها من قوانين تعتقد أنها تحصنها ضد الخصوم الشرعيين بدل الاهتمام بتحصين المستقبل ضد كل انتهاك للديمقراطية! ومع أن هذه الأغلبية تحاول الظهور وكأنها فريق طاهر، بريء، لم يقترف يوما ذنبا في حق الوطن، وخال من أورام الديكتاتورية، إلا أن كل يوم يمر يدلل على أن لا ملائكة تمارس السياسة، وأن السلطة غواية، وتوقظ النفس الأمارة بالسوء، ومن كان منكم بلا خطيئة فليرمني بحجر!
كنت أقول في هذا الموقع قبل بضعة شهور إن الخمسينيين وحتى الأربعينيين يغبطون الرئيس التونسي التسعيني على حيويته الفكرية والجسدية -نسبياً- وهو يتحدى عامه الثالث والتسعين، لكنني لا أعلم على وجه الدقة إن كانوا يغبطونه...
بعد الخميس جاء يوم الجمعة، وبعد 17 يناير أطلّ يوم 18 يناير، ولم تتوقف الأرض عن الدوران في تونس، بسبب الإضراب العام في قطاع الوظيفة العمومية، بل استمرت الحياة عادية، رغم نجاح الإضراب الذي قاده...
لم تكن لوحة الفنان الإيطالي «ليوناردو دا فينشي» التي سمّاها «العشاء الأخير» أقل إثارة للجدل في تونس من «العشاء الأخير» الذي جمع مساء الثلاثاء الماضي الشيخ راشد الغنوشي بـ «الشيخ» الباجي قايد السبسي، بعد جفاء...
كعادتهم السنوية «المقدّسة»، ينتظر فريق من التونسيين قدوم شهر يناير بفائض من الشوق، وينتظر فريق آخر انجلاءه بفارغ الصبر، فشهر يناير في هذه البلاد غير ما هو متعارف عليه في بلاد العالم الأخرى، حيث يهرب...
رغم أنها دانت لرئيس الحكومة يوسف الشاهد أو كادت، لا يزال المشهد موارباً في تونس، ويستعصي على فهم أكثر المراقبين التصاقاً بتفاصيله. كان منتظراً من يوسف الشاهد في إطلالته مساء الجمعة، بعد طول صمت، أن...
في لمح البصر، عادت حركة «النهضة» التونسية للمربع الأول، وهي التي كابدت من أجل تحسين صورتها على مدى السنوات الثماني الماضية. فقد كان يكفي أن يظهر رئيسها وزعيمها التاريخي منذ أربعين سنة، راشد الغنوشي، ظهوراً...
كثيرون هم من يحسدون الرئيس التسعيني الباجي قايد السبسي على حيويته الذهنية، بل يراه البعض «أسطورة ديناصورية» لم يَجُد بها الزمن إلا لماماً. وقد قال يوم الخميس الماضي إنه «آخر الكبار» ممن مد الله في...
عدا الضجيج اليومي الذي يذكّر بما يصدر عن سرك مفتوح في تونس، هناك حدث جلل لم يجانب الصواب من وصفه بالحدث «التاريخي»، بل لعله التطور السياسي الأبرز على الساحة العربية والإسلامية منذ ارتدادات زلزال سقوط...
تهتز الساحة السياسية التونسية بشدة على مشارف سنة انتخابية ساخنة ومحددة لمن سيمسك بصولجان السلطة لعدة سنوات قادمة.. من ذلك انصهار الحزب «الحاكم» نظرياً (نداء تونس) مع الحزب الرابع في نتائج انتخابات 2014 (الاتحاد الوطني...
كان التونسيون في غاية الحاجة إلى كلمات الرئيس الفرنسي في قمة الفرنكوفونية بأرمينيا، وهو يعلي في نبرة صوته بـ «أن تونس فخر لنا»، قبل أن يكيل مزيداً من المديح لرئيسها «الشجاع» الباجي قايد السبسي، وإلى...
خلال ساعات من الآن، سنرى إن كانت السكاكين المشحوذة على مدار الأيام الماضية قد ارتدّت عن رقبة يوسف، أم أن إخوته سيجهزون عليه ليعودوا إلى أبيهم جذلين. في تونس، بلغ التشويق أشده بشأن رئيس الحكومة...
من المفترض أن يتحدد خلال الأسبوع المقبل مصير يوسف الشاهد، وهل سيواصل مهامه كرئيس للحكومة التونسية حتى 2019 موعد الاستحقاق الانتخابي الرئاسي والتشريعي، أم أنه سيكون كفاية عليه بقاؤه في منصبه ذاك سنة و9 أشهر،...