العائد من بعيد جداااا..
29 أغسطس 2013 , 12:00ص
أيام مرت على الظهور التلفزيوني «النوعي» للشيخ راشد الغنوشي. والجدل لا يزال محتدما في تونس حول الحجر الثقيل الذي ألقاه في بركة السياسة التونسية المتلاطمة.
فجأة ومن دون سابق إنذار ظهر الشيخ الغنوشي بوجه مغاير تماما للصورة التي ألفها عنه عدد كبير من التونسيين... مهادن غير مهاجم، خافض للجناح غير متعال، وداعية تحابب حتى مع حزب «نداء تونس» وزعيمه الباجي قائد السبسي اللذين كان يقول فيهما إلى وقت قريب ما لم يقله المتنبي في كافور!
وفي وصف بارع وملخص للزميل المعلق السياسي سفيان بن فرحات «كان التونسيون يتفرجون في راشد قائد السبسي»!
بركاتك يا باريس مروضة الجن وحاضنة الملائكة... ومذيبة الشعار المعدني لأنصار النهضة «ورب الوجود. السبسي لن يعود»! فقبل أيام من ذلك الظهور المغاير لزعيم حركة «النهضة»، كانت غرفة في أحد الفنادق الباريسية شاهدة على لقاء فارق بين الزعيمين (السبسي والغنوشي)... ومع أن شيئا يروي الغليل لم يتسرب عن ذلك اللقاء عدا عبارات المجاملة وصور ابتسامات بلاستيكية، فقد كان واضحا أن الرجلين ركنا إلى البراجماتية السياسية، وارتضيا لنفسيهما شراكة سياسية مقبلة رفعت روح «الترويكا» المحتضرة إلى السماء، فأراحت البعض فيما تميز البعض غيظا... ثم جاء ظهور الشيخ على التلفزيون لتعم البهجة قوما فيما شق الآخرون جيوبهم كمدا.
سياسيا، لا يمكن القول إلا أن التحالف الجديد وغير المعلن يصب في مصلحة الطرفين لما لهما من ثقل على الساحة السياسية التونسية، رغم أن حزب «النهضة» دفع كثيرا من شعبيته خلال سنتي حكمه، فذهب ذلك الرصيد إلى حساب حزب «نداء تونس» الذي أصبح يتصدر المشهد بلا منازع... إلا أن النوايا الطيبة في السياسة عرف مهمل ومتروك، ومن ثم ازدحمت كوادر وقواعد الحزبين والأحزاب الدائرة في فلكيهما بالتوجسات المشروعة، وأولها ما مصير الكثيرين من الذين رهنوا مستقبلهم السياسي بين يدي السبسي والغنوشي؟
أكثر القلقين بلا شك قيادة حزب «المؤتمر» التي تعلم يقينا أنها لن تساوي شيئا على الرقعة إذا أخرجتها «النهضة» من تحت جناحها، وقد تجلى ذلك بوضوح ما بعده وضوح عبر تصريحات شديدة الحنق على مواقف الغنوشي الجديدة، خصوصا بعد أن دعا الرئيس المؤقت إلى الاستقالة... وما الرئيس المؤقت إلا رئيس حزب «المؤتمر» المنفجر، وأحد أضلاع «الترويكا» المتشظية.
بعده في منسوب القلق والغيظ يأتي حزب «تيار المحبة» الذي أغرق زعيمه الهاشمي الحامدي مؤخرا حزب «النهضة» بالورود بعد أن كان يرشقه بالشوك، طمعا في تحالف لم يكد يبدأ حتى وئد في المهد، ما دعا الحامدي إلى القول بمرارة وخيبة إن «النهضة لفت حبل المشنقة حول عنقها» وهي تتحالف مع «النداء»!
ثم نجد حزب «التكتل» ثالث أضلاع «الترويكا» المنحلة، وزعيمه مصطفى بن جعفر الذي لا يعلم إن كان قفزه من السفينة الغارقة سيشفع له وينجيه من الغرق في بحر النسيان أم لا خامس القلقين. أسماء بارزة في حزب «النهضة» ذاته توصف بـ «الصقور» وعلى رأسها الشيخ الحبيب اللوز الذي لم يتمالك نفسه عن القول بأن «تصريحات الغنوشي لا تلزم الحركة» وأن «تعابيره لم تكن سليمة»... عدا عبداللطيف المكي الذي لم يتوان عن وصف التعامل مع «نداء تونس» بـ «العقيم»...
علي العريض رئيس الوزراء النهضاوي الذي عقد مؤتمرا صحفيا حرص من خلاله على القول بانه الوحيد في تونس الذي لم يستمع الى خطاب الغنوشي الجديد !
ثم أخيرا ما يسمى بـ «رابطات حماية الثورة» أو ما تفضل المعارضة تسميتها بـ «ميليشيا النهضة» والتي أرعدت وأزبدت من موقف الشيخ الغنوشي الداعي إلى نسيان أمر قانون العزل السياسي.
أما في الجانب المقابل فقد انطلق الباجي قائد السبسي في توزيع رسائل الطمأنة سرا على حلفائه في المعارضة، خاصة «الجبهة الشعبية». ورغم ما أعلنه قادة الجبهة من «ثقة» في حليفهم السبسي فإن القلق يساورهم أيضاً لأنهم لا يعرفون على وجه الدقة ماذا حدث في تلك الغرفة الباريسية، وما يمكن أن تؤول إليه أمورهم، وقد غدت كل الأوراق مجتمعة في يد «الثعلب العجوز»!
إذا يمكن القول الآن إن الشيخ الغنوشي فتح ثغرة معتبرة في جدار التعنت السياسي الذي ران على سنة ونيف من التعاطي بين الفرقاء السياسيين في تونس، لكن الأصعب بقي في انتظاره، وهو إنفاذ كلمته بين عدد غير هين من أنصاره المعترضين في السر وفي العلن، وقد مضوا بعيدا في الشحن والتجييش، وكيف يطيب خواطر حلفائه السابقين -أخلاقيا على الأقل بعد نفاد رصيدهم السياسي-
تلك مهمة صعبة بكل تأكيد، إلا أن أمام الرجلين العجوزين مهمة أصعب، ملخصها كيف يقنعان شعبا كاملا لا يهمه ما يقال في الغرف المغلقة، لكن يهمه جدا ألا يرى نفسه ألعوبة بين مد وجزر أمزجة السياسيين. يستحثونهم على إطلاق أسوأ ما فيهم دهرا، ثم يطالبونهم فجأة بالضغط على زر الحب وكأنهم يخفونه في جيوبهم! وتلك مصيبة أخرى قد يترجمها الشارع العريض كفرا بالجميع.
لننتظر ونرى ماذا ستفعل «الرياح اللواقح» في حصيلة سنة ونيف من رياح الحقد الصفراء، وقد هبت فجأة على الناس.
بين هذا وذاك لم يكن البعد السياسي الأهم في خطاب الغنوشي الجديد -في تقديري- بقدر ما كان البعد الأخلاقي الذي سجل فيه هدفا مباشرا، انعرج بالخطاب السياسي التونسي مئة وثمانين درجة، وهو يتحدث عن «المصالحة الوطنية»، وهو يطلب من التونسيين «ترك التشيطين وقلة الخير»... وهو يكاد يقفز من كرسيه قائلا «وين ماشين؟.. باش تحرقو البلاد بالحقد»... وهو يتحدث عن «الدولة الوطنية» ويرصع كلامه بـ «تونس قرطاج وابن خلدون وبلاد تحرير النساء»... ذلك وغيره نزل بردا وسلاما على متلقين كثر كانوا ضاقوا ذرعا باحتداد الخطاب السياسي وبالعنف اللفظي الذي سكن في أفواه سياسيي تونس ونفوسهم، وهو بالضبط ما كنت نوهت إليه في مقالات سابقة وأوجزته في المقال الأخير تحت عنوان «حصاد الرياح الصفراء»!
دعنا مما يمكن أن يصل إليه الخيال المؤامراتي، وهو شديد الخصوبة في تونس، فـ «لست بالخب ولا الخب يخدعني» شعار عام على الجميع نتيجة سنتين ونيف من إطلاق «الرياح الصفراء». ولنر من الماء صفحته الهادئة، ومن الكأس نصفه الملآن... لقد عاد الشيخ من بعيد جدا، كما يقول المثل الفرنسي، ويحسن بالجميع التصفيق له حمدا لله على سلامة العودة. لتدارك ما فات ولدعم الخط الوطني الذي صدع به الشيخ العائد من بعيد جدااااا. ففي ذلك -بداية ونهاية- عودة لتونس الودودة التي لم نتعرف على وجهها تحت غبار السنتين الأخيرتين.