لغة جديدة.!!
29 مارس 2014 , 12:00ص
قد أكون متفائلا أكثر من اللازم، ولكنه التفاؤل المبني على أسس منهجية، ومتابعة دقيقة للشأن العربي، على مدى عقود. فالحقيقة أن هناك توجها جديدا مرتبطا برؤى مختلفة للعمل العربي المشترك، بدأت ملامحه تظهر خلال السنوات الخمس الأخيرة، وتحديدا منذ النجاح في عقد أول قمة عربية اقتصادية، دعت لها وعملت من أجل التئامها، كل من مصر والكويت، والتي استضافت القمة الأولى في عام 2009، وتتابع عقدها كل عامين، في شرم الشيخ عام 2011، والرياض عام 2013، وهاهي تونس ستستضيف القمة الرابعة في العام القادم، حيث اكتشف الجميع ضرورة تغيير المسار، وتعديل جدول الأولويات، فبعيدا عن الاهتمام والإغراق في الأمور السياسية، فالبديل المطروح، هو الاهتمام بالشأن الاقتصادي، ومحاولة تحقيق إنجازات فيه على الأرض، تصب في صالح المواطن العربي، وتتوافق مع طموحاته وآماله، في العيش والكرامة الإنسانية والحرية، فبعد كل تلك السنوات، اكتشف العرب أنهم استهلكوا جل جهدهم في التعاطي مع أزمات سياسية مستعصية على الحل، بعضها يتسم بالاستمرارية، ويتوافق مع بداية الحديث عن إنشاء الجامعة العربية، ذاتها في العام 1948، والآخر ينتهي ولكنه يلقي بظلاله وتوابعه على العمل العربي المشترك، والنماذج واضحة وجلية للعيان، ومنها الأزمة الفلسطينية والتي مرت بمراحل مختلفة، ومحاولات مستميتة للحل عبر الحل العسكري، ودخل العرب عدة حروب، ولكن نتائجها لم تكن في صالح العرب ولا القضية، بل وصل الأمر إلى تقديم تنازلات وحوافز للجانب الإسرائيلي، الذي استثمرها ولسان حاله يقول: «هل من مزيد»؟ وأقصد هنا المبادرة العربية، التي طرحتها القمة العربية في بيروت في العام 2002، وسط إحساس ساذج بأنه لم يعد للإسرائيليين أي حجة، في استمرار احتلالهم للأراضي العربية، بعد أن أبدى الجميع استعداده للاعتراف بالدولة الإسرائيلية، وتطبيع العلاقات معها مقابل الانسحاب من كافة الأراضي المحتلة، والموافقة على إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، ومع ذلك لم تقبل إسرائيل بالعرض، وظلت تماطل وتبتلع كل يوم أرضا جديدة، وتقيم عليها المستوطنات.
ولم تكن هذه هي القضية الوحيدة المستعصية، ولكنها قد تكون الأقدم، فهناك الوضع في الجولان المحتل، والتضامن مع لبنان، وتهويد القدس، والجزر الإماراتية الثلاث طنب الكبرى والصغرى وأبوموسى، المحتلة من قبل إيران، والتي ترفض أي آلية للحل، ناهيك عن تطورات العلاقات الكويتية مع العراق، كأحد توابع غزو 1990، وكذلك الوضع في الصومال، ودعم جزر القمر، ودعم السلام والتنمية في السودان، والوضع المتوتر على الحدود بين جيبوتي وإريتريا، وكذلك تحديات جديدة طارئة على العمل العربي المشترك، ومن ذلك كما جاء في تقرير الأمين العام للجامعة العربية الدكتور نبيل العربي عن العمل العربي المشترك، الذي تقدم به إلى القادة في قمتهم بالكويت، تطورات الوضع في ليبيا بعد إزاحة القذافي، وكذلك الاستقرار في اليمن، على ضوء التغيير الذي حدث، نتيجة ثورات الربيع العربي، ويكفي الوضع في سوريا، والذي يدخل عامه الرابع، دون ضوء في نهاية النفق، كل تلك القضايا المستعصية والطارئة، تستهلك الكثير من الجهد العربي، دون أن يكون هناك قدرة على حلها، خاصة في ظل تشابكها إقليميا ودوليا، على اعتبار أن العرب ليسوا هم الطرف الوحيد فيه.
ولعل هذا ما دفع العالم العربي إلى تغيير المسار، وإعطاء مساحة أكبر للقضايا ذات الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية، والسير بها بالتوازي مع الشأن السياسي، واكتشف العرب أنهم حققوا نتائج لا بأس بها، خلال الفترة من 2009 موعد أول قمة عربية اقتصادية تنموية بالكويت وحتى الآن، ومنها على سبيل المثال، ما تم تحقيقه في مبادرة الشيخ صباح الأحمد أمير الكويت، بشأن إنشاء صندوق لدعم وتمويل، مشاريع القطاع الخاص الصغيرة والمتوسطة في الوطن العربي. وقد تم الإعلان عن أن رأسماله 2 مليار دولار، حيث وصل حجم مساهمات الدول العربية إلى حوالي 1300 مليون، وهو مبلغ بالقياس إلى السوابق العربية كبير، مع دعوة الدول التي أعلنت عن تقديم مساهمات في الصندوق ولم تفعل إلى سرعة تقديم تلك المساهمات. وكذلك الدول التي لم تعلن عن دفع أي مساهمات. ومع ذلك فقد بدأ الصندوق عمله ووصل عدد القروض المقدمة من الصندوق إلى 19 قرضا، بلغت قيمتها 618 مليون، وفرت حوالي أكثر من ثلاثة مليون وظيفة.
كما بدأت مشروعات ذات طابع قومي، ومنها مشروعات الربط الكهربائي، وإنشاء سوق عربية مشتركة للكهرباء، وهي مفاهيم جديدة غير مسبوقة في العمل العربي المشترك، وقد أعد البنك الدولي مذكرة تفاهم بهذا الخصوص، معروضة على الدول العربية، لتلقي ملاحظاتها، كما أن مشروعات الربط الكهربائي الرئيسية مستمرة، وتضم ثلاثة مسارات، بين دول المشرق العربي بالإضافة إلى تركيا وليبيا، والمغرب العربي، ودول مجلس التعاون الخليجي، وكذلك مخطط الربط البري بالسكك الحديدية، وهناك مخطط متكامل لذلك، سيتم عرضه على وزراء النقل العرب في دورتهم الطارئة، كما اهتمت الجامعة العربية بمبادرة الرئيس السوداني للاستثمار الزراعي العربي في السودان، وعقد المجلس الاقتصادي والاجتماعي أحد اجتماعاته، خلال العام الماضي في الخرطوم لهذا الغرض، كما عقد المجلس دورة استثنائية لهذا الغرض يناير الماضي، تم اتخاذ خطوات مهمة، في إطار تنفيذ المبادرة، وقد تم إحراز كثير من التقدم باتجاه، إنجاز متطلبات منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، والاتحاد الجمركي العربي والمقرر له 2015.
كما استجابت هيئات ومؤسسات مالية عربية وإقليمية ودولية، وأبدت استعداداتها للمساهمة في مشروع الإدارة العربية المتكاملة للموارد المائية، ناهيك عن إجراءات تعزيز دور القطاع الخاص في عمليات التنمية، ومشاريع الربط البحري، كما طرح الدكتور نبيل العربي على قمة الكويت مبادرة، لتطوير استخدامات الطاقة المتجددة، كما تم اتخاذ عدد من الإجراءات لاستضافة البحرين لمشروع البورصة العربية المشتركة القابضة. كما أن هناك اهتماما بقضايا ذات طابع اجتماعي، ومنها العمل على خفض الفقر، وتحسين مستوى الرعاية الصحية، وتمكين المرأة والاهتمام بالشباب، وتعزيز البحث العلمي والتعليم.
وبعد هذه الصورة الأخرى، التي لا تحظى باهتمام رجال الإعلام والفضائيات، المهتمين بتغطية أعمال القمة العربية في الكويت، الذين يستهلكون جل جهدهم في التركيز على القضايا السياسية المستعصية. وبعضها غير قابل للحل، ناهيك عن آخرين لا يهمهم سوى البحث عن الصغائر، أو الخلافات بين الدول العربية وإشعالها، بوعي أو من دون وعي، وبنقص في الخبرات. ولعل نجاح العمل العربي المشترك، في تحقيق إنجازات محسوسة على الأرض، تتعلق باحتياجاته وحل أزماته، هو الإطار الصحيح الذي يحمي المنطقة العربية من اندلاع أي خلاف سياسي، فالمهم في هذه الحالة تطويق الخلافات على قاعدة المصالح العربية المشتركة.