alsharq

جيهان أبوزيد

عدد المقالات 103

التاسعة مساء بتوقيت ميدان التحرير

29 يناير 2013 , 12:00ص

في كل الأحوال كان الطريق معطلا، لكنهم جلسوا في منتصف الكوبري ولم يتحركوا خطوة واحدة. أسفل الكوبري كانت العبوات الصغيرة تنفجر فيطير الغاز لكل مكان ويختنق الجميع، فيرحل البعض وينضم آخرون أكثر عِنداً. كانت الساعة قد بلغت التاسعة مساء وأخذت بعض الأقدام تتراجع عائدة إلى منازلها، لكن «عادل واسيلي» واحد من شباب الثورة رفض أن يبرح مكانه وظل صامتا شاخصا بعينيه بعيدا حيث تقف قوات الأمن بملابسها الجديدة التي كانت إحدى نفحات الدكتور «مرسي». شباب وبنات بملابس سوداء ووجوه ملثمة ظهروا فجأة. هبطوا على الميدان متجاوزين المتحف المصري. كانوا يتحركون في كتلة واحدة خلّفتْ شعورا ما يُشبِه الرهبة والأمل. في الميدان لم يفتح أحد إذاعة أو يبحث في الجرائد، فالرئيس الجديد لم يعدْ بكلمة ولم يطل على الميدان. كان قد أتى إلى نفس المكان قبل عام واعدا من فيه باستمرار الثورة حتى بلوغ مطالبها، لكنه وفي ظروف غامضة انقلب على الميدان وأحرق ألواح الخشب الكبيرة التي حملته هناك حين ألقى خطبته الأولى. أوقع الخبثاء بين الرئيس والميدان فبات يطارده، وما يهل يوم إلا ويرسل قواته المجهزة بالزي العسكري أو من دونه لتطرد الأشرار المتظاهرين هناك وتفرق تجمعاتهم العبثية. الغريب أن متظاهري الميدان ظلوا في الميدان ولم يتركوه وانكبوا يجتمعون، يبحثون في الأسباب المحتملة لانقلاب الرئيس عليهم. عرفت أن التاسعة كانت الموعد الذي انطلقت فيه قافلة التحرش لتفلت الرعب في نساء الميدان وفتياته. خرج رجال لهم نظرات غامضة كأنها تمهد للفزع القادم وعليهم ملابس غامقة رخيصة الطلة لكنها أرقى من ذواتهم المُباعة، تبعثر الشياطين في الميدان، وبدأ فصل التحرش الشهير بالنساء. الأمر الذي تلقوه كان حاسما «اعبثوا حتى النهاية». في ذكرى الثورة الثانية كان الصيد ثمينا. كثيرات كن في الميدان. كثيرات ذهبن للبحث عن مصر يناير 2011، لكن مصر يناير حدث أن اُعْتُقلت بيد سجان عتيد ولم تخرج بعد. لم يعرف المتظاهرون أن الميدان لم يكن هو ذاته نفس الميدان. توهموا -وأنا معهم- أنه هو ذاته.. ولم يكن. قبل أن تنسحب الشمس كان أن اقترب أحدهم مرددا كلمات لم أتبينها. نظراته ذكرتني بالخفاش الليلي. كان أشبه بمن يرسم خريطة ما. عيناه ترصد المسافة وتقيس الأبعاد وتختار الزاوية. نظرتُ في عينيه بجرأة متصنعة وبادرته سائلة: إنت بتشتغل إيه؟ قبل أن يرد كنتُ قد اختفيت.. لكنه لم يختفِ.. ظل هناك مختبئا بين اللافتات الكبيرة. في كل أرجاء الميدان صور الشهداء وصور للنساء المصريات. في المنتصف رفرفت لافتة ضخمة تحملها فتاة بمفردها. كانت حريصة على ألا تُميلها أو تُفلتها، بينما تفسر لإحدى المحطات التلفزيونية أسباب حملها للافتة التي طبع عليها صورة أول عالمة ذرة مصرية، وصورة مؤسِسَة الاتحاد النسائي المصري، وصورة «هبة سويدان» السيدة المصرية التي تتحمل بدأب نادر كافة أعباء علاج المصابين والمصابات منذ اندلاع الثورة وحتى اليوم، ولم تسجل لقاء إعلاميا واحدا. هبّ الهواء فتداخلت صورهن مع صور الشهداء، فشعرت بالفخر وكذلك ببعض الخوف. غادرت الساعة التاسعة أوالعاشرة وغادر الليل مُخلفا مصابين بالمئات. المصابون كانوا من سكان القاهرة وبورسعيد.. المدينة المصرية الباسلة التي واجهت بمفردها ثلاث دول واستبسل أهلها للدفاع عن مصر، وصنعت من أرضها بابا صلبا لم يستطع الأعداء قهره. بورسعيد انزلقت في بِرْكَةِ وحْلٍ صنعتها مباراة كرة قدم بين فريق «المصري» البورسعيدي وفريق «الأهلي» القاهري. جرت المباراة مساء الأربعاء 1 فبراير 2012 وفاز فيها المصري بثلاثة أهداف مقابل هدف، فإذا بآلاف من جانب فريق المصري يتدافعون للاعتداء على جماهير الأهلي فيسقط أربعة وسبعون قتيلا ومئات المصابين. البعض يعتقد أن لافتة مستفزة من قِبل مشجعي الأهلي كانت سبب الهجوم، لكن المؤكد أن هناك مسؤولا ما تعمد تجاهل كافة الإجراءات الأمنية والتفتيش المتبع لدخول المباريات، ومسؤولا آخر أظلم الاستاد، وربما ثالث أغلق البوابات ليحكم الحصار على جماهير الأهلي. لا بد أن مسؤولا ما أطلق خفافيش الليل لينقضوا على الضحايا.. السبت صباح يوم السادس والعشرين من عامنا الجديد أُعلن الحكم على القتلة. الإعدام لواحد وعشرين شابا من شباب بورسعيد. هلل أهالي ضحايا المذبحة وسقطت أمهات المدانين حسرة. عشية الحكم وفي نفس المكان كان «عادل» المناضل الثوري واقفا برغم الغازات المنهمرة على مدار ليليتين، يردد بصوت يشبه الصمت «لم يعُدم الجناة. لم يعُدم الجناة». وبالفعل عرفنا عبر الشاشات أن مجزرة أخرى تجري الآن في بورسعيد ويتساقط ضحايا جدد كل ساعة. وتتصاعد الغازات ويتسرب الخوف وتسكن المدينة وحْشة مُطبِقة حدثَ أن حلّت على بورسعيد من قبل، لكنها آنذاك سكنت أياما ثم انتفضت رافعة عنها كل الغمام.

مصر حتنور تاني

إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...

بين اللجوء والنزوح مساحة ألم

سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...

من الطابق التاسع رأيت خط الطباشير الأبيض

في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...

في قلب القاهرة ماتت «شهرزاد»

«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...

ثلاثة مشاهد لا يربط بينها إلا «المياه»

المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...

خطاب بعلم الوصول إلى رئيس مصر

طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...

وبينهن نساء عاشقات لقهوة الصباح

أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...

أم سيد والواد شمعة وسلاح سوريا الكيماوي

أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...

في اكتمالي موتي.. وبالنقصان أستعيد الحياة

كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...

وللنساء مع الزلازل شأن آخر

في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...

ولكل منا أريكته الزرقاء.. ولكل منا آذان أخرى

الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...

في المطار يسألونك: أتحب الغناء والفرح!

أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...