الإخوة الأعداء!
28 ديسمبر 2013 , 12:00ص
كشفت الاستعدادات للاستفتاء على التعديلات الدستورية الجديدة في مصر، والمقرر لها منتصف الشهر المقبل، عن وجه جديد للأزمة بين الأحزاب المنتمية لتيار الإسلام السياسي المصري، تضاف إلى جبال من عدم الثقة تراكمت منذ ما قبل ثورة 25 يناير، وتجسدت بعدها، لتفرز لنا أكثر من شكل للازمة التي يتم استغلالها بذكاء، من القوة الليبرالية والنخبة الحاكمة ما بعد 30 يونيو، ومن الطبيعي هنا أن نشير إلى أن التيار الديني كبير وواسع، ويضم عددا من الأطياف، وحتى الأحزاب، وقدرها البعض بأكثر من 14 حزبا وتيارا سياسيا. ناهيك عن المؤسسة الدينية الرسمية وهي صاحبة نفوذ، وتتمثل في مشيخة الأزهر، ودار الإفتاء، ووزارة الأوقاف المشرفة على معظم المساجد والزوايا، وهي بعشرات الآلاف في مصر، ووفقا لتاريخها هي مع التوجه العام للدولة ومنحازة إلى قراراتها، وتدافع عن النظام مهما كان، مع استثناءات محدودة وفي قضايا بعينها لا تؤثر على المسار العام لمواقفهم، ولهذا فمن الطبيعي أن نجد شيخ الأزهر أحمد الطيب، أحد حضور المؤتمر الذي عقده الفريق أول عبدالفتاح السيسي، مع البابا تواضروس، والذي كرس من خلاله الانقلاب العسكري في 3 يوليو، وظل موقف الأزهر الرسمي متذبذبا، ويراوح مكانه تجاه حملات القتل والعنف والاعتقال، التي طالت الآلاف من المنتمين للتيار الديني بعد 30 يونيو، دون أي تصريح بالإدانة أو الشجب، بل ساد صمت هو أقرب للتأييد، رغم أن عددا لا يستهان به من الأزهريين انضم إلى معارضة الانقلاب، ونالهم نصيب من الأذى، ناهيك عن مفتي الديار المصرية، وإن كان موقفه أقل حدة بالمقارنة مع وزير الأوقاف، الذي يعتبر نفسه رأس حربة في مواجهة الإخوان، ومحاولة تقليص نفوذ تيار الإسلام السياسي على المساجد، حتى إن آخر قراراته كانت منع عدد من رموز شيوخ التيار السلفي، مثل محمد حسان ومحمد حسين يعقوب وأبو إسحاق الحويني من اعتلاء المنابر، بحجة قصر الخطابة على خريجي الأزهر، كما شن حملة واسعة على ما ادعاه من «أخونة الوزارة»، ويتبع نفس المؤسسة الدينية الرسمية، المسؤولون السابقون، ومنهم المفتي السابق علي جمعة، ووكيل وزارة الأوقاف السابق سالم عبدالجليل, وعمرو خالد، ولم يخفوا تأييدهم للانقلاب، والأخطر أن علي جمعة قدم فتاوى خطيرة إلى إدارة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة المصرية، باعتبار رافضي الانقلاب «خوارج»، وأمر الجنود بقتلهم أينما وجودهم، وقال إنهم غير وطنيين، وإن رائحتهم نتنة!!
ولا يختلف الوضع بصفة عامة في صفوف تيار الإسلام السياسي، والملاحظة الأساسية أن معظم تلك الأحزاب تم تشكيلها بعد ثورة 25 يناير، رغم أن بعضها يمارس العمل السياسي منذ فترة ليست بالقصيرة، وفي المقدمة منها جماعة الإخوان المسلمين، وعمرها يقترب من المئة عام، وإن كانت لم تتمكن من العمل كحزب سياسيي سوى بعد الثورة، عبر حزب الحرية والعدالة، وهناك وحزب البناء والتنمية، وهو الجناح السياسي للجماعة الإسلامية، والتي ظهرت في سبعينيات القرن الماضي, وكذلك تنظيم الجهاد، وحزب الأصالة، والوسط، والوطن، وحزب النور, وهناك عدد من الأحزاب الصوفية، والحركة السلفية، والتي لم تقم بتشكيل أية أحزاب سياسية، ولكنها ظلت ذات تأثير كبير في صفوف التيار الديني. ومواقفها بصفة عامة ليست واحدة، باعتبار أن الحركة السلفية وعاء واسع، به قيادات أمثال محمد عبدالمقصود، وكان أحد الخطباء الدائمين في اعتصام رابعة العدوية، والشيخ محمد حسان ومعروف علاقاته القوية مع المؤسسة العسكرية منذ المجلس العسكري الذي ساعده في حل كثير من القضايا والمشاكل. وقد التقى بالفريق أول عبدالفتاح السيسي بعد الانقلاب، ولكنه لم يذهب إلى رابعة، وحاول ذلك يوم فض الاعتصام، ولكنه لم يتمكن من ذلك ومعه الشيخ محمد حسين يعقوب، أما أبو إسحاق الحويني فقد فضل الصمت على اعتبار أن مصر تعيش في زمن الفتنة!!
ولعل الصراع الأهم والأكبر، هو القائم بين الحزبين الأكبر على الساحة، وهما الحرية والعدالة، وحزب النور, والذي بدأ منذ بداية الاستعداد للانتخابات البرلمانية، ولعل أزمة حزب النور، تنبع من أن كوادره لم تمارس أي عمل سياسي قبل ثورة 25 يناير, واهتمت بالبعد الدعوي، مع الحرص على تجنب الخوض في السياسية، وقد حاولت الدولة والأجهزة الأمنية، استثمارها كحائط صد ضد نفوذ الإخوان, خاصة أنهم دائماً ضد الخروج على الحاكم، وهو الموقف الذي التزموا به في بدايات ثورة 25 يناير.
وقد شهد الاستفتاء على الإعلان الدستوري الأول في مارس 2011 توافقا بين الطرفين، النور وحزب الحرية والعدالة، أثمر نسبة إقبال تجاوزت الـ%75. ومع الانتخابات البرلمانية ظهرت أولى الخلافات بينهما، فلم يكن هناك تحالف، أو تنسيق بينهما، ومع ذلك أظهرت النتائج حصول الحرية والعدالة على الأكثرية بنسبة تتجاوز %45، وكان النور في المرتبة الثانية بحصوله على ربع مقاعد مجلس الشعب، وزادت نسبة كل منهما في الانتخابات الخاصة بمجلس الشورى، ولكنهما اختلفا عند تشكيل لجان مجلس الشعب، وعلى إقالة كمال الجنزوري رئيس الوزراء الأسبق. وكانت المنافسة على مقعد الرئاسة سببا جديدا في صراع «الإخوة الأعداء» بعد أن انحاز الحزب في الجولة الأولى إلى الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح، وفي الجولة الثانية لم يبدو حماسا كافيا لتأييد الدكتور مرسي، وكشف أحمد شفيق عن لقاءات تمت مع قيادات حزب النور ومجموعات من السلفيين.
وزادت الهوة بين الإخوة الأعداء، عندما قامت الرئاسة بعزل الدكتور خالد علم الدين، أحد قيادات حزب النور، من منصبه كمستشار للرئيس محمد مرسي نتيجة تجاوزات مالية، ومخالفات إدارية. ورد الحزب باستقالة نائب رئيس الحزب بسام الزرقا من منصبه في رئاسة الجمهورية. وكانت النتيجة الطبيعية لكم الخلافات بين الطرفين رفض حزب النور المشاركة في مليونية 21 يونيو، وكان شعارها «لا للعنف»، ولم يشارك في تحالف دعم الشرعية، ولا مظاهراته في رابعة العدوية، حتى ظهر نائب رئيس الحزب جلال المرة في 3 يوليو مع الأنبا تواضروس، في المؤتمر الخاص بالفريق أول عبدالفتاح السيسي، والذي كرس للانقلاب، وكانت تلك بداية الحرب بين النور ومعظم تيار الإسلام السياسي، خاصة أن الحزب انفرد بالمشاركة في اللجنة المعينة، والخاصة بإجراء تعديلات على الدستور. وبرر ذلك بالحرص على الدفاع عن مواد الهوية الإسلامية في الدستور، وقد اعترف الحزب نفسه بضعف تمثيله في لجنة الخمسين، ولكنه حسب ما ذكر بيان له أخير، حاول تحقيق توازن مستمد من رغبة الشارع في الحفاظ على الشريعة.
وأكد النور أنه حقق قدرا من المصالح، رغم أن الدستور كما قال بيان الحركة السلفية كتب بأيد لا يمثل فيها التيار الإسلامي إلا بنسبة لا تكاد تذكر, ولا يوافق معظم مكونات التيار الإسلامي، على ذلك الطرح، ويعلنون صراحة رفضهم للدستور، ومنهم الحرية والعدالة الذي أعلن مقاطعة الاستفتاء، والوطن الذي أجرى استقصاء للرأي بين قواعده فكانت النتيجة أن حوالي %85 مع المقاطعة، والباقي سيشارك بلا للدستور.
ولعل الأيام القادمة، ستكشف الأوهام التي ينسجها حزب النور، ومنها الاعتقاد بأنه سيكون وريث الإخوان المسلمين إذا قاطعوا الانتخابات البرلمانية القادمة، أو أنه رقم صعب في المعادلة السياسية لا يمكن الاستغناء عنه، بعد أن يكتشف أن عداء الطبقة الحاكمة الجديدة ضد كل ما هو إسلامي، وأنه قد يتم إزاحته من المشهد بعد أن تم استنفاذ الغرض من وجوده، طوال المرحلة الانتقالية، عبر انتخابات سيتم تفصيل نتائجها تفصيلا، لتناسب مقاس التيار الناصري، ومجموعات اليسار وحلفائهم من الليبراليين.