alsharq

منبر الحرية

عدد المقالات 129

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 16 يونيو 2026
الأساطير السياسية: صناعة الوهم في مواجهة الحقيقة
د. نافجة صباح البوعفرة الكواري - أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية- جامعة قطر 15 يونيو 2026
التوقيع ليس النهاية: اختبار الالتزام والامتثال في الاتفاق الأمريكي - الإيراني
فالح بن حسين الهاجري - رئيس التحرير 15 يونيو 2026
مدرجات أمريكا.. العنابي يكتب التاريخ من قلب «سانتا كلارا»

السوق الحرة والمنظومة القيمية: علاقة جدلية

28 أكتوبر 2011 , 12:00ص

تعتبر العلاقة بين السوق الحرة والأخلاق من حيث الدور أو التأثير علاقة جدلية، تتحكم بها المنطلقات التي ينظر من خلالها أي باحث اقتصادي أو أي مدرسة اقتصادية إليها. ورغم أنّ الجميع يدرك أنّ كلاهما يرتبط بالآخر بطريقة أو بأخرى، تبقى الإجابة على هذا التساؤل: من يؤثّر في الآخر؟ وكيف؟ هل السوق الحرة تؤثر في الأخلاق فتقوي المنظومة القيمية الأخلاقية أو تساعد على تقويضها؟ أم أنّ وجود منظومة قيمية أخلاقية أو عدم وجودها هو الذي يؤثر في إيجاد سوق أخلاقية أو غير أخلاقية؟ على عكس الانطباع العام السائد لدى العامة، فإن السوق الحرّة ليست حرّة بالمطلق ولا يجب أن تكون كذلك أصلا، فهناك قواعد وأنظمة وقوانين وضوابط تحكم سير عملها. ورغم ذلك، فإن طبيعة عمل السوق الحرة بشكلها الحالي تشجع وفقا لجون كراي –كلية لندن للاقتصاد- وتكافئ على الجرأة المقاولتيّة والرغبة في المضاربة والمقامرة والقدرة على اغتنام الفرص، وهي بالمقابل تقوّض من الصفات التي من المفترض أنها أخلاقية ومحمودة في المعيار العام، مثل الحذر والتوفير والقدرة على الصبر، لأن هذه المميزات لا تؤدي إلى النجاح إذا ما أريد تطبيقها في السوق. إذا في هذه الحالة تؤثر السوق الحرة على الأخلاق بشكل سلبي، وهي تدفع من يتمسك بقيمه الأخلاقية إلى الانهيار أثناء المنافسة أو تضطره إلى تغيير هذه القيم على قاعدة «إذا كان غيري يفعل ذلك وينجح، فلماذا لا فعل أنا ذلك أيضا؟». في المقابل نستطيع أن نقول إنّ السوق لم تأت من فراغ وإنما هي تعبير عن علاقة بين المتنافسين وبينهم وبين العميل وبينهم وبين المؤسسات التي ينتمون إليها وبين القوانين التي تنظم عملهم، فالسوق إذا وفق هذه الرؤية هي في نهاية المطاف نظام سوسيو-اقتصادي تؤثر به بالضرورة الأخلاق والقيم الأخلاقية التي تتحلى البيئة التي انبثق عنها هذا النظام. ولمّا كانت المفاهيم الأخلاقية متغيرة بين مجتمع وآخر، ولمّا كان الالتزام بها أمرا نسبيا أيضا بين مجتمع وآخر وبين فرد وآخر داخل المجتمع نفسه، فقد كان هناك حاجة إلى تأطير عام لها بما يتناسب وعالمية السوق الحرة. وعلى هذا الأساس وجدت القواعد والقوانين التي تنظم عمل السوق في هذا المجال، وأصبحت تجارة الرق مثلا ممنوعة، وتجارة الأطفال والجنس والمخدرات والأسلحة (سوق سوداء) وتبييض الأموال.. إلخ. لكن المشكلة أنّ هذه القواعد والأنظمة والقوانين التي من المفترض أنها تأتي لتسد الثغرة حيثما تضعف القيم الأخلاقية في مواجهة الإغراءات والمتطلبات والعوامل التي يفرضها التنافس في السوق الحرة، غير نافذة بذاتها وإنما ترتبط بالمؤسسات والهيئات التي تملك مهمة الإشراف على تطبيقها. هذا الارتباط ما لم يكن مصحوبا بإشراف دقيق وصارم ومنظومة قيم الشفافية والمحاسبة والعقاب، فإنه يتحول إلى باب لتسهيل وتسريع انهيار القيم الأخلاقية وبالتالي ضوابط عمل السوق الحرة وهنا نعود إلى المربع الأول. فرغم وجود قوانين، فإن التجارة الممنوعة رائجة جدا على مستوى العالم ووصلت إلى مستويات مخيفة وبمساعدة من العولمة التي تسهل مثل هذه التجارة. ورغم وجود قوانين أيضا في السوق الحرة، فقد تبين في الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الأخيرة حجم التلاعب في البيانات المالية للشركات والمؤسسات سواء لتفادي الضرائب أو لإظهار تحقيق نمو غير موجود إلى جانب فضائح تعويضات المديرين التنفيذيين الخيالية والرشوات لتسهيل تمرير الصفقات وتعديل القوانين وغض النظر عن المخالفات ناهيك عن التعاملات غير الأخلاقية أو الشرعية، لاسيَّما في العمل المصرفي وما يرتبط به. والحقيقة أنّ البيئة التي أوجدت السوق الحرة هي بيئة غير أخلاقية إلى حد كبير، والحاصل أنّ سلبيات هذه البيئة تنتقل إلى السوق الحرة وطريقة عملها. فعندما يكون الربح السريع وبأي ثمن هو المعيار الأساس، وعندما لا تطبق القوانين أو يتم التغاضي عنها تنهار القيم الأخلاقية. وانطلاقا من هذا المعطى، يمكن للبعض أن يجادل بأنّ العلّة ليست في السوق الحرة بحد ذاتها، فالسكين مجرد وسيلة، والسؤال عما إذا كان السكين شيئا إيجابيا أم سلبيا يعتمد على طريقة استخدامه وعمّن يستخدمه ولأي غرض وهو ما يولّد حكما في النهاية من المفترض أنه يرتبط بالمستخدم وليس بالسكين نفسه. معظم الذين يمجدون السوق الحرة بعلّاتها وبشكلها الحالي إنما يصلون إلى هذا الاستنتاج من خلال مقارنتها بالنموذج الاشتراكي الفاشل وبالتخطيط المركزي الجامد حيث كان النظام يسلب المرء مبادرته الفردية ويحرمه من أية حوافز لتحقيق صالح عام مفترض، فيما يتجاهلون أنّ السوق الحرة بشكلها الحالي اليوم إنما لا تأخذ بعين الاعتبار الصالح العام إلا بشكل عَرَضِي وتغذي بالمقابل نزعة الجشع والطمع والغش والتلاعب والمقامرة وتطلق العنان للنزعة الشريرة للفرد دون ضوابط. أمّا أولئك الذي يرفضون فكرة السوق الحرة من أساسها فهم يرفضونها بناءً على تصور طوباوي مثالي موجود في أذهانهم يفترض أن الناس جميعا يجب أن تكون متساوية في الثروة. صحيح أنّ السوق الحرّة تعمق بشكل مخيف الفجوة بين الفقراء والأغنياء، لكن ذلك لا يتم حله باعتماد النموذج الاشتراكي الذي تحدثنا عنه، دون أن ننسى أنّ اتساع الفجوة يعزز بدوره الانهيار الاجتماعي بقضائه على الطبقة الوسطى التي هي عماد أي مجتمع سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا. في العام 2007، قدّم الاقتصادي «توم بالمر» بحثا مثيرا بعنوان: «عشرون خرافة حول الأسواق الحرة» يدافع في جزء كبير منه عن منطق السوق الحرة ضد الانتقادات الأخلاقية والاقتصادية التي تتناول هذه السوق. القارئ للنقد اليوم يستطيع أن يرى أنّ الأزمة الاقتصادية العالمية نسفت كل الحجج المضادة التي قيلت للدفاع عن السوق الحرة. أدّت الأزمة المالية العالمية التي تحولت في ما بعد لأزمة اقتصادية إلى فتح المجال واسعا للانتقادات، وعاد النقاش من جديد حول دور الدولة في الاقتصاد والمفاهيم المتعلقة بسميث وكينز سواء لناحية دور الأخلاق في الاقتصاد أو لناحية نطاق تدخل الدولة فيه. وتوصلت معظم النقاشات إلى ضرورة إحداث تغيير في النظام الحالي غير الأخلاقي وغير المتوازن، كما طرح البعض فكرة إمكانية الاستفادة من نماذج اقتصادية مغايرة في عدد من القطاعات كالقطاع المصرفي (صدرت العديد من الدعوات من قبل باحثين اقتصاديين غربيين وأيضا من قبل مؤسسات حكومية بعضها فرنسي وأميركي إلى ضرورة دراسة النظام الاقتصادي الإسلامي خاصة الناظم المصرفي). لقد تبيّن أنّ الأزمة لم تأت من فراغ، وقد كان لغياب العنصرين الأساسيين الضابطين للسوق وهما (الأخلاق وتطبيق القوانين) دور كبير في استفحال المشكلة، ولأننا في عصر العولمة، فكما يمكن للعنصر الإيجابي أن ينتشر بأسرع وقت وأقل كلفة، فإن العنصر السلبي ينشر بشكل أسرع ما يجعل الكلفة أكبر، وهو ما يفسر تحول الأزمة سريعا من أزمة مالية مركزها الولايات المتّحدة إلى أزمة اقتصادية تضرب العالم بأسره. خلاصة القول إنّ هناك ترابطا بلا شك بين السوق ومنظومة القيم والأخلاق يتأثر ويؤّثر كل منهما في الآخر، وبقدر ما تكون السوق مرتكزة على قيم أخلاقية وتأخذ بعين الاعتبار ما هو أبعد من مجرد الكسب السريع للمال بأي ثمن بقدر ما تنجح، وبقدر ما تتفلّت من هذه القيم في المقابل لتغذي النزعات الفردية بشكل مطلق بقدر ما تتجاوز كل الخطوط الحمر وتفشل. وهناك يأتي دور الأنظمة والقوانين ليس فقط من أجل ضمان حسن سير الإطار العام للسوق الحرة، وإنما لضمان الجانب الأخلاقي وبما يحقق التوازن بين المثالية والانتهازية وبين العام والخاص. • كاتب لبناني ينشر بالتعاون مع مشروع «منبر الحرية» www.minbaralhurriyya.org

مشروع فلسطيني جديد يواجه المشروع الصهيوني

مر على النكبة 66 عاماً، اختلطت فيها آلام اللجوء مع الكفاح والثورات وأحلام العودة. فالنكبة بصفتها عملية اقتلاع شملت مصادرة الأراضي والمنازل واحتلال المدن وتدمير مئات القرى وسط مجازر وتهجير جماعي ومنع السكان المواطنين من...

سيكولوجية الهدر عربياً

كان الهدر بجميع جوانبه المادية والزمنية والنفسية سمة من سمات حقبة الاستبداد العربي طيلة أكثر من أربعين عاما، سحق المواطن سحقا ثقيلا وكبتت أنفاسه وتحول إلى جثة متحركة بجسم لا روح فيه، في عملية تشيؤ...

سوريا إلى أين؟ بين إنكار السلطة الديكتاتورية.. وفشل المعارضة السورية (1/2)

درج النظام السوري على تأخير وتأجيل (بهدف إلغاء) استحقاقات الإصلاح السياسي، وكل ما يتصل به ويترتب عليه من متعلقات ومتطلبات اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية إدارية، وما يترتب عليه من تنمية إنسانية حقيقية تتحقق من خلالها تجسيد...

أي مجتمع مدني في ظل الحراك العربي؟

لقد أفرز الحراك العربي نقاشات عميقة حول مجموعة من المواضيع التي كانت تستهلك بشكل سطحي وبدون غوص في حيثياتها وأبعادها. ويعد من بينها المجتمع المدني كمفهوم متجدر في الغرب، فقد عرفه «توماس هوبز» في منتصف...

روحاني والسياسات الإيرانية القادمة

بعد أحداث طهران 2009 الدامية على إثر الانتخابات الإيرانية التي اتهم فيها المحافظون بالتزوير، وصعد الإصلاحيون -بقيادة حسين موسوي وكروبي- احتجاجاتهم مطالبين بإعادة الانتخابات التي قوبلت بالرفض القاطع من المحافظين الأمر الذي أثار شكوك الإصلاحيين...

مبادرة النيروز: درس تركي جديد للعرب

قدم أحفاد كمال أتاتورك – مرة أخرى – درسا جديدا من دروسهم للعرب، فبعد أن نجحوا في إرساء دعائم دولة الحق والقانون، وبناء المؤسسات التي أهلت دولة تركيا للالتحاق بنادي الديمقراطيات ( معدل دخل الفرد...

سوريا الحرية ستنهض من جديد (3/3)

.. شعب سوريا كما قلنا حضاري منفتح على الحياة والعصر، وعرف عنه تاريخياً وحضارياً، عشقه للعمل والإنتاج والتجارة والصناعة وغيرها من الأعمال.. وحضارة هذا البلد العريقة -وعمرها أكثر من7000 سنة- ضاربة الجذور في العمق التاريخي...

سوريا الحرية ستنهض من جديد (2)

باعتقادي أن التسوية السياسية الكبرى المتوازنة المنتظرة على طريق المؤتمرات والتفاوضات المرتقبة عاجلاً أم آجلاً (مع الأمل أن يكون للسوريين أنفسهم الدور الرئيسي في بنائها والوصول إليها) التي تحفظ حياة وكرامة المواطن-الفرد السوري، وتعيد أمن...

سوريا الحرية ستنهض من جديد(1)

لاشك بأن التغيير البناء والهادف هو من سمات وخصائص الأمم الناهضة التي تريد أن تتقدم وتتطور حياتها العمرانية البشرية والمجتمعية..وفي مجتمعاتنا ودولنا العربية والإسلامية عموماً المحمّلة بحمولات فكرية ومعرفية تاريخية شديدة الحضور والتأثير في الحاضر...

موقع المثقف العربي من «الربيع»

في خضم الثورات العربية أو ما يسمى بالربيع العربي يمكن القول إن صوت المثقف العربي خافت من جوانب عدة فبعد مرور حوالي سنتين على بدء هذا الربيع يحتاج المشاهد والقارئ وبالتالي المواطن العادي إلى تحليلات...

التجربة الثورية العربية الجديدة (1/2)

يسهل نسبياً الانتقال من حكومة ديمقراطية إلى أخرى ديمقراطية بواسطة الانتخاب، كما يسهل الانتقال من حكم ديكتاتوري إلى آخر مثله من خلال الانقلاب، إلا أن الثورات الشعبية التي لا تتضمن سيطرة جناح محدد على بقية...

التحول الديمقراطي التركي رؤية من الداخل

هبت رياح التغيير على بعض الأقطار العربية منذ ما يربو عن سنتين من الآن، فصار مطلب الحرية والديمقراطية ودولة القانون يتردد على أكثر من لسان، وأضحى الالتحاق بنادي الديمقراطيات حلم الشعوب المنعتقة من نير النظم...