


عدد المقالات 103
بهدوء واعتياد هبط الرجل من على ظهر حماره. ربت عليها متحدثا بصوت واضح «خدى بالك من نفسك يا زنوبة «. ثم تقدم نحو الباب الحديدي وعلق به الحبل الطويل الممدود إلى رقبة الحمار. لم يسترع المشهد انتباه أحد. كنا على بوابة مدرسة ابتدائية بواحدة من القرى التابعة لمحافظة الجيزة. وكما في المواقع الأخرى اصطف المئات أمام الباب الذي يحرسه عدد من جنود الجيش. لم تكن للجنود ملامح مختلفة. فعلى وجوههم أيضا تعلو علامات الفقر ونقص التغذية. لكنهم جميعا كانوا يحملون بنادق عامرة طويلة استرعت انتباه الأطفال الذكور. الذين وقفوا يتطلعون إليها. بينما الأمهات يصرخن في الصغار ليبتعدن عن الخطر. تفاصيل كثيرة تميز بين ناخبين القرية القادمين على الدواب أو في سيارات كبيرة حملتهم في مجموعات. وبين الناخبين الذين ذهبوا للتصويت في أحياء الطبقة الوسطى بسيارات أنيقة تنتظرهم لحين الانتهاء من التصويت في انتخابات الرئاسة الأولى في مصر بعد الثورة. ساد هدوء أكبر بين صفوف الفلاحين وقبض كل منهم على ورقة بيضاء صغيرة تضم رقم لجنته الانتخابية ورقمه الانتخابي. وعلى مرمى غير بعيد من المدرسة جلس بعض الشباب على جانب وأمامهم طاولة يعلوها كمبيوتر صغير. يدقق الشاب لثوان ثم يكتب بسرعة اسم اللجنة والرقم الانتخابي في الورقة البيضاء الصغيرة. بينما آخر يلقن الناخب بإلحاح «فاكر الرمز الانتخابي. حتلاقي علامة شكلها أيه. قول تاني؟» في الناحية الأخرى تقف سيدة في جلباب كبير تعيد نفس الدور مع النساء. وكمن يقبض على تذكرة «دخول الجنة». يضحك الرجل أو السيدة فرحا. مغمورا بشعور بالإنجاز والترقب للمضي نحو الخطوة الاستثنائية التالية التي سيختبرها للمرة الأولى في حياته. الحاج «كفاح» وحده كان يقف صامتا مستغرقا ولم تكن بيده ورقة بيضاء صغيرة. وحين تلقى سؤالي قال: «ما ينفعش أسلم دماغي لحد. ما أنا عندي مخ وأعرف أختار!!». قال كلمته الأخيرة وهو ينظر للورقة البيضاء التي سكنت أكف أغلب الموجودين من الفلاحين كبار السن. كان الحزب الصاعد الذي وصل البرلمان غازيا ممتطيا جواد الفقر والأمية قد نشر أفراده في كل موقع ليستولوا على أصوات البسطاء في القرى والمدن. لم يكن استخراج الرقم الانتخابي وتقديم بعض المواد الغذائية هو الوسيلة الوحيدة لحث الناخبين على انتخاب مرشح الإخوان المسلمين. فالمساجد التي يقصدها الناس للصلاة لم تتوقف عن الترويج لمرشحي الجماعة. وقليل هم الناخبون الذين اعترضوا على إقحام الانتخابات في الصلاة. واحد فقط هو من سمعت منه اعتراضا على إمام المسجد الذي تحول إلى خبير سياسي وظل يبث في المصلين رؤيته مدعومة بآيات من القرآن وببعض الأحاديث وقصص للصحابة. بينما استمر أغلب مرتادي المساجد في كافة الطبقات الاجتماعية يتلقون الخطب السياسية عقب الصلوات الخمس. على أن قطاعات من المصلين في القاهرة وفي المحافظات قد انتبهوا بعدما كشف أداء جماعة الإخوان المسلمين في الفترة القصيرة السابقة عن تغول وهيمنة. في حين ظلت قطاعات أخرى مستعدة لتقديم أصواتها طوعا! سيبقى الوعي وإزاحة جبل الأمية والجهل هو الأولوية الأولى أمام من يحلمون بمصر حرة قوية واسعة تضم كافة أبنائها في انتماءاتهم الدينية والسياسية المختلفة. وستبقى الثورة مستمرة طالما ما زالت هناك قوى تعمل على اعتقال عقل المصريين وتسعى لاحتكار إرادتهم!
إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...
سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...
في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...
«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...
المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...
طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...
أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...
أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...
كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...
في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...
الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...
أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...