بغداد وإن طال السفر..!!
27 ديسمبر 2014 , 07:08ص
السر وراء الانفتاح المصري على العراق، بعد الزيارة المفاجئة لوزير الخارجية المصري سامح شكري، إلى العراق الأسبوع الماضي، يتلخص في كلمة واحدة، هي «مواجهة خطر تنظيم داعش»، والعجيب أن ذلك التنظيم نجح دون أن يقصد بالطبع، فيما يمكن تسميته «بإعادة فك وتركيب»، ليس فقط العلاقات في المنطقة العربية، ولكن في تحالفاتها مع دول العالم، نجح التنظيم في إعادة فكرة التحالفات الدولية، وهي التي انتهت منذ النجاح في تحرير الكويت في بداية عام 1991، في ذلك الحشد الدولي، الذي نجح في طرد قوات صدام حسين من العراق. داعش كانت وراء إعادة الدفء من جديد، إلى علاقات دول خليجية مع واشنطن، خصوصا المملكة العربية السعودية، بعد خلافات حادة حول عدد من الملفات، من بينها التغيير في مصر بعد 3 يوليو، ووجود تباين في وجهات النظر بين الطرفين، أحدهما الرياض الذي اختارت دعم القاهرة، مع تحفظات من الطرف الآخر على ذلك التغيير، بالإضافة إلى ملفات أخرى منها التقارب بين واشنطن وطهران، وكذلك الأزمة السورية، كما كانت النجاحات التي حققها التنظيم، واستيلاؤه على مساحات كبيرة، من أرضي كل من سوريا والعراق، وراء ذلك الحشد الدولي لمواجهة التنظيم، والذي عقد عدة لقاءات بمشاركة عشرات الدول، بدأت في مدينة جدة وباريس وبروكسل، للبحث في آليات تلك المواجهة، وعلاج توابعها. وكان التنظيم أيضا، وراء عودة العلاقات العراقية الخليجية إلى طبيعتها، بعد توتر شديد، نتج عن مواقف نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق، وسياساته الداخلية، وتحركاته التي تأخذ بعدا طائفيا وتهميش السنة، بالإضافة إلى اتهامه لدول الخليج بدعم الإرهاب في بلاده وفق زعمه.
وقد شهدت الفترة الماضية، انفتاحا خليجيا واضحا بعد إزاحة المالكي من جهة، واستشعارا بما يمثله داعش من خطر على المنطقة، وحدث تطور مهم وتبادل غير مسبوق للزيارات بين كبار المسؤولين: الرئيس العراقي فؤاد معصوم ورئيس البرلمان العراقي زارا السعودية، ورئيس الوزراء حيدر العبادي ذهب إلى الإمارات، ومن بعدها الكويت، وأثمرت تلك الزيارات على الدفع بمجالات التعاون، بين تلك الدول والعراق إلى الأمام، السعودية وافقت على بدء البحث في فتح سفارة المملكة في بغداد، والكويت وافقت على تأجيل البحث في التعويضات، الواجب على العراق دفعها، بموجب قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، والإمارات وافقت على تقديم كل الدعم للحكومة العراقية.
وفي ظل تلك التطورات، يمكن فهم الزيارة التي قام بها وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى العراق، والتي لم يتم الإعلان عنها من قبل، وأعقبت وجوده في الكويت والوقائع تؤكد أن ملف العلاقات الثنائية بين القاهرة وبغداد، والذي شغل حيزا مهما من زيارة الوزير، شهد حالة من الشد والجذب، وتنوع ما بين الصدام والبرود، والحيوية والتميز في بعض الأحيان، طوال الـ30 عاما الماضية، أبرزها في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، عندما كانت مصر في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك،ـ أحد أكبر الداعمين للعراق أثناء الحرب مع إيران، والتي استمرت ثماني سنوات، ووصلت إلى حد تشكيل تحالف، أطلق عليه مجلس التعاون العربي، ضم البلدين ومعهما الأردن واليمن، ولكن الغزو العراقي للكويت في أغسطس 1990، كان «المسمار الأخير» في نعش المجلس، وفي نهاية العصر الذهبي للعلاقات بين البلدين، ومع ذلك استمرت الاتصالات في زمن الحصار المفروض على العراق، وكانت مصر إحدى الدول التي أسهمت وفق القرارات الدولية، في توفير احتياجات الشعب العراقي من الغذاء والدواء، وفقا لما كان يسمى في ذلك الوقت اتفاق «النفط مقابل الغذاء».
وقد شهدت العلاقات مرحلة جديدة، مع سقوط نظام صدام حسين في 9 مايو 2003، وإن كانت القاهرة قد تحفظت على شكل التدخل الأميركي الفج في غزو العراق، وإسقاط النظام، ولم يمر سوى أكثر من عام، حتى استعادت العلاقات طبيعتها، بالزيارة التي قام بها رئيس الوزراء العراقي إياد علاوي في يوليو 2004 للقاهرة، حيث أعلنت الحكومة المصرية عن استعدادها لدعم العراق في شتى المجالات، وتقديم المساعدة في إعادة تأهيل الشرطة وأجهزة الأمن العراقية، وكانت مصر على استعداد بالذهاب بالعلاقات إلى مستوى أكبر، بعد أن رأست المؤتمر الوزاري الدولي، الذي عُقد في بروكسل، للبحث في مساعدة العراق، على إعادة بناء مؤسساته الوطنية، ولكنها عادت إلى التوتر بعدها بشهر واحد، عندما تم اختطاف السفير المصري في العراق إيهاب الشريف، وقتله على يد مجهولين، في أحد الحوادث الغامضة. واستمرت الأزمة عامين حتى عادت «المياه إلى مجاريها» بعد زيارة الرئيس العراقي ورئيس الوزراء إلى القاهرة، واستضافة مدينة شرم الشيخ المصرية، مؤتمر دول الجوار العراقي، وإطلاق وثيقة العهد الجديد مع العراق، وانفتح الطريق بعد زيارة أحمد أبوالغيط وزير الخارجية في ذلك الوقت إلى بغداد، وإعادة فتح السفارة المصرية والتوقيع على عدد من مذكرات التفاهم والتعاون، وفي مقدمتها الخاصة بالحوار الاستراتيجي بين البلدين، كما قامت مصر بفتح قنصليتين، إحداهما في البصرة والأخرى في أربيل.
وأسهمت التغييرات التي شاهدتها مصر منذ 25 يناير، في الاهتمام بالشأن الداخلي المصري، والانكفاء على الداخل، بعيدا عن البحث عن دور إقليمي أو عربي، حتى جاءت التطورات الأخيرة، وتزايد مخاطر داعش. فكان الاجتماع الأول الذي تم بين الرئيس عبدالفتاح السيسي وفؤاد معصوم، على هامش مشاركتهما معا في الدورة الأخيرة للأمم المتحدة، الزيارة التي قام بها الوزير المصري لبغداد، والتي شهدت لقاءات مع عدد من كبار المسؤولين، ومنهم رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، ونائبه أسامة النجيفي، وحيدر العبادي رئيس الوزراء، ونائبه صالح المطلق، ووزيري الخارجية العراقي والمالية وعمار الحكيم رئيس المجلس الأعلى الإسلامي. وتركزت المباحثات حول عدد من الملفات منها ما هو ثنائي، حيث تم الاتفاق على تعزيز التعاون والبدء في الإعداد لاجتماعات اللجنة العليا المشتركة بين البلدين، برئاسة رئيسي الوزراء، والمؤجلة منذ سنوات، وغالبا سيتم ذلك خلال الشهرين القادمين، وتم الاتفاق أيضا على دور مصري في إعادة هيكلة وتدريب قوات الأمن والشرطة والجيش العراقي، كما اطمأنت مصر على سير العملية السياسية في العراق، وبرنامج حكومة حيدر العبادي، التي تسعى إلى إطلاق مصالحة شاملة، والوفاق الوطني بمشاركة كافة الطوائف، والمكونات العراقية دون إقصاء لأحد، والحفاظ على وحدة الدولة العراقية، ما يساهم في الاستعادة السريعة للعراق لتبوأ مكانه الطبيعي داخل المنظومة العربية.
وكانت المواجهة مع داعش، أحد الملفات المهمة في اللقاء المصري العراقي، حيث هناك توافق بينهما على ما يمثله التنظيم والفكر من مخاطر على الدول العربية والعالم الإسلامي مع الاتفاق على تعزيز الدور المصري، في إطار التحالف الدولي، دون الاقتصار على توفير المعلومات وتبادلها، أو تجفيف منابع الإرهاب، مع السعي إلى دور أكبر للأزهر الشريف في هذا المجال، بعد النجاح الكبير الذي حققه المؤتمر الأخير، بمشاركة علماء من أكثر من مائة دولة ضد الفكر المتطرف.
الزيارة هي الخطوة الأولى، في مسيرة الألف ميل، للعلاقات بين دولتين تمثلان ركنا هاما في المنظومة العربية.
usama.agag@yahoo.com •