الثلاثاء 1 رمضان / 13 أبريل 2021
 / 
01:40 م بتوقيت الدوحة

هوامش من «منتدى الدوحة»

عبدالوهاب بدرخان
كان «منتدى الدوحة» بنسخته الثالثة عشرة فرصة جديدة لمناقشة الأفكار التي طرحتها إشكالات المراحل الانتقالية في الدول العربية المتحولة، وحتى تلك التي تعتبر بصدد التحول أو في انتظاره، فما ينطبق على الفئة الأولى الغارقة حالياً في «شيطان التفاصيل» يصح أن يكون عبراً للفئتين الأخريين، لأن طموحات الشعوب والمجتمعات تتشابه، وإن اختلفت الظروف والخصوصيات. الجدير في هذا «المنتدى»، الذي بدأ منذ نسخته الأولى بشبه عصف فكري غير مرتبط بتطورات محددة، أنه سبق عواصف «الحرب على الإرهاب» والحروب الكثيرة التي تلتها، وبالتالي كان رؤيوياً في التركيز على مسألة الديمقراطية كتحرير للسياسة وعلى إنهاض الاقتصادات كتطوير لا بد من الاستناد إليه كعنصر أساسي لمختلف الإصلاحات. بدأ «المنتدى» مجرد فكرة، وكان ينظر إليه، كما لو أنه قناة مفتوحة للأميركيين وللغربيين عموماً كي يبثوا تصوراتهم لما يجب أن يكون في العالم العربي، وبعدما تكاثرت الآن المؤتمرات أو الندوات المماثلة، لأن الأحداث فرضتها، يبدو المنتدى القطري أقرب إلى «مؤسسة» منه إلى مجرد حشد عابر لذوي الخبرات. بطبيعة الحال، ليست هذه المنتديات ما يقود التغيير أو يتخذ القرارات، ففي البلدان الكبيرة يعقد مثلها العشرات يومياً، بمبادرات حكومية وغير حكومية، وتنظمها جامعات أو مراكز أبحاث أو هيئات اقتصادية وثقافية واجتماعية، لكن القرارات على مستوى الدول تستفيد بلا شك من هذه المساهمات الفكرية، وفي الحال التي بلغها العالم العربي، ليس بسبب تعثر الثورات والانتفاضات في بلوغ أهدافها فحسب، بل خصوصاً لأن « النظام العربي الرسمي» يواصل انهياره إلى حد التلاشي، يتوجب أكثر من منتدى ومن نقاش لأن الطريق إلى «النظام» المقبل طويل لا يزال في بدايته، لكن الأكيد أن المستقبل رهن بخيارين: الديمقراطية والاقتصاد، ولا يتعلق الأمر باستنساخ الديمقراطية الغربية، كما هي، وإنما بالاعتراف بالتعددية والمشاركة والحقوق والحريات، أما الاقتصاد فلم يعد هناك مفر من إصلاحه على أسس عصرية، بالأخص في البلدان قليلة الموارد، وحتى في بلدان الوفرة. تطرقت مناقشات «منتدى الدوحة» إلى المصاعب الاقتصادية في الدول العربية المتحولة، سجل المتحدثون إدراكهم أن المجتمعات متعطشة للمس تغيير في معيشتها، مؤكدين أن السرعة في تقديم مساعدات مطلوبة، لكنهم لفتوا إلى أن الدعم الذي توفر حتى الآن ذاب إما في تلبية الحاجات الملحة لمنع الانهيار وبالتالي شيوع الفوضى وتفجرها، أو في جهود تطوير البنى التحتية والأساسية، اتفقوا على أن العملية تتطلب وقتاً، رغم أن الوقت لا يبدو حالياً في صالح سلاسة التغيير المنشود ووصوله إلى استقرار قريب. قدم المتحدث البرازيلي سيزاريو نيتو نصيحة بديهية: «على الشعوب أن تصبر، فالتغيير يستغرق وقتاً»، لكنه لم يلاحظ أنه لا يوجد لولا دا سيلفا في أي من الدول المتحولة. كان هناك إلحاح على الحاجة إلى «خطة مارشال» أو ما يشبهها، وهو عنوان إنقاذي لما اتبع بنجاح في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وفي دول الاتحاد السوفيتي السابق بعد انهياره، ما يشير عملياً إلى نوع وحجم المأزق الذي توجد فيه دول الثورات حالياً. بدأ الحديث عن نموذج عربي لـ «خطة مارشال» منذ منتصف 2011 لكنه لم يترجم عملياً، ربما لأن الدول المعنية متفاوتة الحاجات وتعاني من تشوهات مزمنة في الكثير من القطاعات، ورغم أن المشترك فيما بينها أن اقتصاداتها متأخرة وغير منظمة إلا أن بعض هذه الدول تعرض خلال ثوراته لدمار كبير مما رفع فاتورة إعادة الإعمار وثبط عزائم الدول الراغبة في المساعدة، لذا ارتئي إحالة الملف إلى صندوق النقد الدولي المعروف بشروطه القاسية، ولا شك أن الثقب الأسود الواسع في الوضعين المالي والاقتصادي والانقسامات الناجمة عن الصراع السياسي، فأقمت حالاً من تراجع الإيمان بـ «جدوى» التجارب الديمقراطية، لكن هذه مجرد انطباع عام تولد من صدمة التحديات الماثلة وهشاشة محاولات ترويضها، مرفقةً أيضاً بسعي إلى تغيير طبيعة المجتمع باعتباره من أولويات التيار الإسلامي. من هنا الإشارة في مختلف مداخلات «المنتدى» إلى أن كل دولة متحولة مدعوة إلى «عقد اجتماعي» جديد الذي لاحظت آراء عدة إلى أنه يكتب حالياً من خلال الإعلام الجديد، فالمجتمعات تهجس حالياً بضرورتين داهمتين: وقف الانزلاق إلى فشل الدولة أو انحدارها نحو «اللادولة»، والحؤول دون العودة بشكل أو بآخر إلى «نظام الحزب الواحد». يفترض أن تكون الدساتير الجديدة هي المعبرة عن «العقد الاجتماعي» المطلوب، لكنها لا تزال موضع تجاذب أينما كان، حتى في العراق حيث يأتي تعديل الدستور في رأس مطالب الحراك الشعبي الراهن في المحافظات السنية. يمكن أن يعزى ذلك أولاً إلى أن النخب الجديدة الحاكمة لم ترث دولة مؤسسات قائمة وفاعلة وعليها أن تباشر اجتراحها، وثانياً إلى قصور هذه النخب في تحديد واجبات الدولة وميلها إلى تغليب مبدأ «تمكين» أحزابها على مبدأ تأسيس دولة للجميع. في هذا المجال كان للدكتور مصطفى عثمان إسماعيل تذكير بسيط/ عميق بواجبات أي حكم بمعزل عن أيديولوجيته: قدرة على إدارة الدولة، تحقيق المشاركة السياسية، تنمية اقتصادية وعدالة اجتماعية، توطيد الأمن، وحد أدنى من الخدمات المعيشية... هذه الوصفة للحكم السوي تصح خياراً ذاتياً وتلقائياً لكل الحكومات والمجتمعات، من دون انتظار أي «نصائح» أو «شروط» في طيات أي قرض مالي أو دعم سياسي، ويتساوى عندئذ أن يكون التيار الإسلامي أو الليبرالي في سدة المسؤولية.