قراءة متأنية في كلمة كاشفة!
27 مارس 2014 , 12:00ص
الملل هو الشعور السائد للمتابعين للجلسات العامة في أي مؤتمرات، خاصة إذا تعلق الأمر بإلقاء الخطب من رؤساء الوفود، فالكثير منها تستهدف مخاطبة الداخل وتوصيل رسائل إلى الجماهير التي ينتمي إليها المسؤول، وتسجيل المواقف أكثر منه الإسهام في القضايا المطروحة على جدول الأعمال، ولهذا فإن بعض المسؤولين يركزون جل اهتماماتهم على الجلسات العامة والمفتوحة أكثر من حرصهم على المشاركة في الجلسات المغلقة، ولم تكن القمة العربية الأخيرة في الكويت استثناء من ذلك، فقد تعددت الكلمات التي ألقيت في الجلسات المفتوحة وتقلصت تلك المغلقة التي يتم فيها طرح الرؤى حول القضايا الخلافية.
ولعلي أنقل انطباع كل المراقبين الذين تابعوا عن كثب تلك الجلسات التي اهتمت بنقلها وسائل الإعلام والفضائيات الرسمية والخاصة، حيث كان هناك إجماع على أن من الاستثناءات القليلة لما قلته سابقاً الكلمة المهمة التي ألقاها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر، والتي جاءت في بداية الجلسة الافتتاحية، على اعتبار أنه رئيس القمة السابقة وعليه أن يتم نقل الرئاسة إلى الكويت، خاصة أنها توافقت مع ظروف وأحداث متعددة أحد أطرافها الدوحة، ولعلي أسجل هنا بعض المحطات الهامة في الكلمة الشافية لسمو الأمير، ونتوقف عند بعض تلك النقاط.
أولا: لقد اتسمت الكلمة بالمصارحة والمكاشفة، والتأكيد على الالتزامات السابقة، فقد أشار سمو الأمير إلى أن رئاسة القمة الـ24 توافقت مع ظروف دقيقة وتعقيدات إقليمية ودولية، وصفها بأنها بالغة الحساسية كانت وراء إنجاز بعض القرارات وقطع شوطاً مقدراً في بعضها الآخر، ولم يتحقق المراد في تطبيق بعض القرارات بسبب معوقات خاصة بكل حالة، وقد كشف التقرير الهام الذي تقدم به سمو الأمير تميم بن حمد آل ثاني إلى قمة الكويت، حول متابعة تنفيذ أعمال القمة الـ24، إلى جهوده وجهود دولة قطر في متابعة تنفيذ القرارات في المجال السياسي، خاصة القضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي سواء المساعدات الإنسانية لدعم صمود الشعب الفلسطيني ومتابعة تنفيذ مبادرة السلام العربية برئاسة قطر وتحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية، وعرض القضية أمام المحافل الإقليمية والدولية، والتضامن مع لبنان ودعمه، مع استعراض للجهود التي بذلتها قطر لحل الأزمة السورية خاصة أثناء رئاستها لاجتماعات اللجنة الوزارية المعنية بالأزمة، واستضافة اجتماع مجموعة أصدقاء سوريا وطرح القضية السورية أمام المحافل الدولية، وتقديم المساعدات الإنسانية للشعب السوري، ودعم الحوار في اليمن، وتحقيق السلم والاستقرار في السودان وتقديم المساعدات الإنسانية للصومال، والمساعدات التنموية لجمهورية جزر القمر، وقد شمل التقرير أيضاً التسلح والانتشار النووي ومكافحة الإرهاب. وقد رصد التقرير في المجال الاقتصادي والاجتماعي الصعوبات التي تعيق استكمال متطلبات البرنامج التنفيذي لإعلان منطقة التجارة الحرة الكبرى، والاستثمار في قطاع الزراعة والأمن الغذائي، وخطة عمل مكافحة الأمية بين النساء في المنطقة العربية، ودعم حوار الحضارات والثقافات، وركز تقرير سمو الأمير في مجال العمل العربي المشترك وتطوير منظومته على إنشاء المحكمة العربية لحقوق الإنسان.
وأكد الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني في كلمته، على استمرار التزام الدوحة بالطرح القطري الخاص بالمقترحين اللذين تقدمت بهما في قمة الدوحة الـ24 في مارس من العام الماضي، وهما الدعوة إلى قمة عربية مصغرة تستهدف الجمع بين فتح وحماس والانتهاء من المصالحة الفلسطينية وترك المشاركة لمن يريد من الدول العربية، والمقترح الثاني وهو الخاص بإنشاء صندوق لدعم القدس برأسمال 2 مليار دولار، والمساهمة بربع مليار دولار لهذا الغرض، إلا أن القرار لم ينفذ، وقد كشف التقرير الختامي لهيئة متابعة تنفيذ القرارات والالتزامات حول تنفيذ قرارات قمة الدوحة، وهو أحد الوثائق المقدمة إلى القمة عن السبب، ففي الصفحة رقم 36 من التقرير يشير التقرير إلى أن الأمين العام للجامعة يواصل جهوده ومشاوراته مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس وكافة الفصائل لتحقيق المصالحة، ويكشف التقرير عن أن تونس والأردن هما من أرسلا رغبتهما في المشاركة في القمة خلال شهر أبريل من العام الماضي، أما ما يخص صندوق دعم القدس، فقد اقترحت الجزائر أن يتم توجيه المساهمات الطوعية من الدول العربية إلى أحد الصندوقين القائمين، صندوق الأقصى، أو صندوق القدس، واتفق كل من الكويت والسعودية والأردن على أنه الحاجة إلى صناديق جديدة وتوجيه أي مساهمات إلى القائمة بالفعل.
ثانياً: قدّم الأمير رؤية متكاملة وصابئة للمتغيرات التي شهدتها بعض الدول العربية خلال السنوات القليلة الماضية، فقد أشاد بتلك التحولات لأنها على حد قوله جددت ثقتها بذاتها وبشبابها، وإن تعثر البعض نتيجة انسداد الأفق السياسي، وحدد مسار النجاح في الحوار بين مختلف القوى الاجتماعية والسياسية، وأشار بسرعة إلى الوضع في مصر، وتونس، واليمن كنماذج لتلك المتغيرات.
ثالثاً: عالج بحكمة بالغة قضية خلافية في العالم العربي الذي يشهد نوعاً من أنواع الخلط المقصود بين تيار الإسلام السياسي وبين الإرهاب، خاصة بعد أن اعتبرت عدد من الدول العربية ومنها مصر والسعودية ومن قبلهما الإمارات، الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، مما شكل أزمة داخل عدد من الدول العربية التي لديها تجمعات محسوبة على الإخوان، والإسلام السياسي، ولا تجد لديها القدرة على السير في طريق الدولة الثلاث، والفرق كبير بين إدانة الإرهاب وفقاً للمفهوم المتعارف عليه دون الخلط بين دمغ الإرهاب بطوائف كاملة فقط لوجود خلاف سياسي معها، وقد كان الشيخ تميم واضحاً، رغم أنه استخدم لغة غاية في الدبلوماسية، مكتفياً بالإشارة إلى عدم لياقة اتهام دول عربية بدعم الإرهاب في دول أخرى، واستخدام ذلك «شماعة» يتم تعليق فشلها في الحفاظ على الوحدة الوطنية.
رابعاً: تناول الشيخ تميم الهموم والتحديات التي تواجه العالم العربي، خاصة القضية الفلسطينية، والأزمة السورية، وحمّل إسرائيل مسؤولية فشل مفاوضات السلام الأخيرة، بالإضافة إلى تداعيات ذلك، ومنها عدم إتمام المصالحة الفلسطينية حتى الآن، واستمرار حصار قطاع غزة، تلك المأساة الإنسانية التي يعاني منها سكان القطاع، وقال الشيخ تميم بصراحة متناهية «بأي حق يسجن أكثر من مليون إنسان، ويحول سكنهم إلى معسكر اعتقال طوال متأنية سنوات» والغريب والمؤسف تورط بعض الدول العربية نتيجة الخلافات مع حركة حماس في ذلك، مثل مصر، التي أصبحت مؤخراً جزءاً من الأزمة بعدما كانت وسيلة للحل، كما أن دولا أخرى أوقفت مساعدات إنسانية ومساهمات في مشروعات تنمية، كجزء من خلافها السياسي مع حماس، وعن سوريا أجمل الوضع بأنها وشعبها عانت ما فيه الكفاية.
وبعد، نحن أمام مشروع زعيم عربي، مخلص لشعبه، يحمل هموم أمته، والأيام القادمة ستؤكد ما نقوله.