alsharq

د. أحمد موفق زيدان

عدد المقالات 272

المحبة في مواجهة الاستبداد

27 فبراير 2019 , 01:36ص
سألني أحدهم قبل أيام عن سرّ هذا الفشل في مقاومة الاستبداد، وقدرة المستبدين الرهيبة على الصمود بمواجهة ربيع عربي كاسح، قدّم من الضحايا والقرابين الأرقام المذهلة، ولكن مع هذا لا يزال الاستبداد يُمسك ظاهرياً بتلابيب السلطة، وهو تساؤل مشروع كنت ومنذ بداية الربيع العربي يستحوذ على تفكيري ووقتي، ولا أجد سبباً وسراً لهذا السر سوى الكراهية والبغض والحسد والتمزق الاجتماعي والتفتت المجتمعي الذي نخر كل بنانا بفعل الاستبداد الذي كان أشد الحرص على تفكيك كل شبكات النسيج المجتمعي، وعلى رأس هذا التفكيك زرع البغضاء والكراهية بين بعضنا البعض، وعشنا في سوريا وفي غيرها مراحل تاريخية لا يثق الأب بابنه ولا الزوج بزوجته، ويخشى الأخ أخاه، وهذا ليس ضرباً من المبالغة وإنما حقيقة واقعة عاشها ويتحدث عنها من ابتلي بعصابات الأسد الأب والابن.
التمزق المجتمعي الذي ابتليب به مجتمعات الاستبداد العربي انعكس بشكل مباشر على العمل المجتمعي، فقلما تجد عائلة أو قبيلة موحدة لها رأس أو رأسان، وإنما لها رؤوس متعددة، وهذه الرؤوس بالغالب تدين بالولاء للاستبداد العربي الذي نجح في تهجينها، أو الضغط عليها، وبالتالي افتقرت المجتمعات العربية عشائرية كانت أو مجتمعات مدنية إلى شخصيات اعتبارية لها كلمتها وتمويلها الذاتي، وبالتالي قادرة على التلفظ بلا للاستبداد العربي، فدفعت الشعوب والمجتمعات أثماناً باهظة للصمت هذا في ظل تحطيم الرموز وتحطيم الشخصيات الجامعة المانعة، أو العاصمة والقاصمة، وبالتالي افتقرت هذه المجتمعات لمن يجمعها على شخص واحد ورمز موحد، ولذلك حرص الاستبداد أشد ما حرص على ضرب الرموز ونزع ثقة الأهالي من بعضها بعضاً، عبر إشاعة الكراهية ونزع المحبة فيما بينها، فضمن كراهيتهم لبعضهم، وضمن معها عدم اتحادهم أو تضامنهم مع بعضهم ضده وضد سياساته وجرائمه.
لذلك نقرأ في قرآننا وسيرة نبينا عليه الصلاة والسلام الحرص على المحبة للجميع، لأنها أسّ الوحدة والتضامن، الذي سينعكس موقفاً اجتماعياً وسياسياً يخشاه الطاغية المستبد، فنقرأ حديث نبينا عليه السلام، حين قال لمن معه يطلع عليكم شخص من أهل الجنة ليلحقه بعد انفضاض المجلس عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- ويبيت عنه ليالي، فيبلغه الصحابي الذي عناه النبي -عليه السلام- أن سر ذلك كله يكمن في أنه لا يبيت وفي قلبه غلٌ على مسلم، ولذلك نقرأ في الأحاديث النبوية المتعددة والكثيرة عن حب الجار وحب الأخ لأخيه، فهي ليست محبة شخصية بين شخصين، وإنما محبة مجتمعية تنعكس إيجاباً على بناء المجتمعات وتماسكها.
ولذلك بنظرة سريعة على الثورات التي اجتاحت المجتمعات غير المستبدة نجد سرعة نجاح هذه الثورات فيها، كون الاستبداد أقل تجذراً وأضعف عوداً، يقابله تماسك مجتمعي إلى حد كبير، من خلال مؤسسات مجتمع مدني، وعجز الدولة عن التغول على مؤسسات المجتمع، بينما نرى في المجتمعات العربية، وقد تجذر الاستبداد والطغيان على مدى عقود ساعده في ذلك ضعف محبتنا لبعضنا، وبعدنا عن العمل الجماعي المشترك، وتحطيم رموزنا المجتمعية، لكن ما هو أخطر من ذلك كله هو أنه بظهور الربيع العربي رأينا القيادات المجتمعية ورموزها خرجت وفرت من البلاد وتركتها للاستبداد، ولمهب الريح، فظهر بأحسن الحالات شخصيات ضعيفة هزيلة، قد تكون مفرقة لا مجمعة، وربما في أحسن الأحوال تسعى ما وسعها الأمر إلى تدارك الخطر، ولكن لضعف مكانتها الاجتماعية وحداثة سنها وقلة تجربتها تقع في المهالك، في حين ظل الاستبداد وقاداته بخبراتهم الطويلة وبسطوتهم المالية وحبل الخارج الممدود إليهم في الميدان، والأنكى من ذلك كله نرى من بني جلدتنا من يتحدث عن الأخطاء التي يقع فيها من يقاوم الاستبداد، وهو يدرك تماماً أن هذا حصل بسبب نكوصه وهروبه من الميدان، والحل في محبتنا لبعضنا البعض وكرهنا للاستبداد والطغيان، فالأزمة اجتماعية أخلاقية تربوية أًساً وأساساً.
موسكو تعود إلى أفغانستان من البوابة السورية (1-3)

كشفت الوثائق الأميركية الأخيرة عن عودة روسية قوية إلى أفغانستان للانتقام من القصف الأميركي الذي قضى على المئات من قوات الفاغنر الروسية في دير الزور بسوريا بشهر فبراير من عام 2018، ابتلعت موسكو يومها الإهانة...

الشمال المحرّر معاناة لا تنتهي (2-3)

قطاعا التعليم والصحة في الشمال المحرر من القطاعات المهمة التي تستأثر باهتمام الشمال وأهله، لا سيما في ظل الحاجة إليهما، يضاعفهما الحالة الاقتصادية الضعيفة لدى ساكني المنطقة، لقد ظل القطاعان مدعومين من المؤسسات الدولية، لكن...

الشمال المحرر معاناة لا تنتهي (1-3)

أوجه معاناة الشمال السوري المحرر لا تنتهي، فبعد أن كان الخوف والقلق من العدوان العسكري يسيطر على تفكير الأهالي، صار اليوم القلق أكثر ما يكون بشأن معاناة الحياة اليومية الممتدة من المعيشة إلى العودة للبيوت...

مدن الشام فارغة وأهلها يرقبونها من خيامهم

لم تكن لتتخيل عائشة وفاطمة وأحمد للحظة أن يحلّ بهم ما حلّ في أول عيد يمضونه خارج البيت الذي ضمهم لسنوات، فجأة وجدوا أنفسهم في خيام رثّة على الطريق الرئيسي الواصل بين اللاذقية وحلب، ليرقبوا...

المشروع الروسي خارج الزمان والمكان

ما جرى أخيراً في ليبيا من انهيار وهزيمة لم يكن لقوات الانقلابيين والثورة المضادة بزعامة خليفة حفتر، ولا للمشغل الروسي والإماراتي، بقدر ما هو انهيار للأسلحة الروسية، وعلى رأسها منظومة سلاح «بانتسير» المفترض أن تكون...

خرْق السفينة الأسدية

الخلاف الذي برز للسطح أخيراً بين رامي مخلوف وبشار الأسد ليس من طبيعة نظام السلالة الأسدية، التي عرفت بالغموض والتستر على بعضهم بعضاً، ولعل ما حصل في عام 1984 بين حافظ الأسد ورفعت دليل يمكن...

السوريون وثورة الجياع اللبنانية

منذ بوادر الثورة اللبنانية قبل أكثر من عام تقريباً، وحتى الآن، والسوريون ينظرون إلى ما يجري في لبنان، على أنه انعكاس وربما امتداد لما جرى ويجري في سوريا، نتيجة العلاقات المتشابكة بين البلدين، فضلاً عن...

الأسد بين موسكو وطهران (2-2)

تتحكم القوى المتنافسة أو المتصارعة بشكل مباشر على سوريا، وهي تركيا وروسيا وإيران بدوائر معينة، ولكن باعتقادي أن الدائرة السورية الأكبر تتحكم بها الولايات المتحدة الأميركية، وقد تدخل إسرائيل على الخط أحياناً مساعداً أو مكملاً...

دروس من وباء عام 1918

يظل التاريخ هو الحكم بين البشرية، ليس في مجالات السياسة والاقتصاد والإدارة فحسب، وإنما حتى في المجال الطبي حديث الساعة اليوم، والذي استُدعي على عجل خلال هذه الأزمة، فبدأ العلماء ينبشون دفاتره القديمة، يستذكرون تاريخ...

أفغانستان ما بعد الاتفاق الطالباني- الأميركي (2-2)

أفغانستان أمام خيارين، تماماً كما كانت قبل سقوط كابل بأيدي المجاهدين في أبريل 1992، إما حل سياسي تفاوضي يؤدي إلى تسوية، أو حرب تعيد مآسي الحرب الأهلية التي خاضها الإخوة الأعداء في تلك السنوات العجاف،...

الثورة السورية في عالم ما بعد «كورونا» (2-2)

الحالة الصحية الموجودة في مناطق نظام الأسد سيئة، سواء كان من حيث الخدمات أم من حيث هروب الأدمغة الطبية المعروفة التي كانت في سوريا قبل الثورة، وقبل هذا كله التخبّط في القيادة والتحكّم على الأرض،...

الثورة السورية في عالم ما بعد «كورونا» (1-2)

لا سرّ وراء بقاء سلالة «آل الأسد» على مدى نصف قرن في السلطة، كسرّ ولغز احتكارها وتغييبها المعلومة، فلا شيء أخطر على ماضي وحاضر ومستقبل الأنظمة الشمولية الديكتاتورية من المعلومة الحقيقية والواقعية. ومن هنا نستطيع...