حالة جنون..!!
27 فبراير 2014 , 12:00ص
ما الذي يجمع بين «دهب» السيدة المصرية الصغيرة، التي وضعت مولدها الأول وهي مكبلة بالأغلال، وفي يدها قيود حديدية للشرطة المصرية، وتحت حراسة رجال الأمن، وهي على سرير المرض، بتهمة استخدام المولوتوف، ومقاومة السلطات، والانتماء إلى جماعة إرهابية، وبين الممارسات الإعلامية، التي يقوم بها مقدمو البرامج، الذين انتشروا كالجراد في الفضائيات، من حيث الشكل، قد لا يبدو أن هناك ما يجمعهما، ولكن المضمون يقول: إن التشابه واضح، وهو حالة العبثية والجنون واللامعقول، التي تلقي بظلالها على الجميع، وتجتاح كل شيء في مصر، أصابت الجميع، إلا قليلا من العقلاء، والذين ضاعت أصواتهم بين الدور التحريضي الذي يشارك فيه الجميع، سياسيون، ونخب فكرية، إعلاميون، عبروا الخط الفاصل، بين الإعلامي والناشط السياسي، بين الحياد الإيجابي والموضوعية الواجب توافرها في الإعلامي، وبين المحرض، بين العقل، وترويج الخزعبلات، والأكاذيب والتخاريف، مع غياب أي إمكانيات للمحاسبة، وقد انتشرت تلك الحالة بعد 30 يونيو، وأصبحت جزءا من تيار عام.
في حالة «دهب» مست الصورة، بعض القلوب التي تملك بعض من الرحمة، والبشر الذين ما زال لديه بعض العقل، فضغطوا حتى يتم الإفراج عنها، على ذمة القضية، التي ستستمر ملفا مفتوحا، يمكن تحريكه في أي وقت، ولكن ماذا عن آلاف الحالات الأخرى المتنوعة، وفي مجالات مختلفة، وأبطالها شخصيات متباينة، يجمع بينهما ذلك التيار العام السائد.
حالة العبث والجنون، هي التي تجمع بين ما قاله أحد رجال الأزهر الشريف، الذي كان أحد المرشحين، لتولي منصب مفتي الديار المصرية، عندما شبه كلا من المشير السيسي وزير الدفاع، واللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية، بنبي الله موسي وأخيه هارون، وعندما قامت الدنيا ولم تقعد على الرجل، لوصلة النفاق غير المسبوقة، تراجع قائلا: إنه كان يوصف حالة، دون قصد التشبيه الشخصي، وكأن الرجلين السيسي وإبراهيم يواجهان يهود بني إسرائيل، وهو نفس اللامعقول، الذي قاله أحد الشيوخ الشباب، الذين ركبوا موجة ثورة 25 يناير، وتحول إلى نجم تلفزيوني، بعدها وتصدر المشهد بعد 30 يونيه، عندما دعي إلى تطليق الزوجة التي تنتمي إلى الإخوان المسلمين، وقال كيف تأوي في بيتك إرهابية!! وتجاوزت فتوى الشيخ الشاب كل العقل والمنطق، فحاول التراجع عنها أو إعادة إنتاجها، خاصة بعد أن تبرأت منها دار الإفتاء، هي نفس التوجه الذي يسير عليه مفتي الجمهورية السابق، في تصريحاته باعتبار الإخوان من الخوارج، ويستحقون تطبيق حد الحرابة عليهم، داعيا رجال الأمن والجيش لقتلهم أينما وجدوهم، باعتبارهم جند الله، والآخرون هم الشياطين، ووصفهم بأوصاف لا تليق أبداً برجل دين، فما بالك وقد تولى منصب الإفتاء.
هي نفس حالة اللامعقول، الذي تسود تصرفات رجال الأمن، في التعامل مع المعارضين، لدرجة استفزت جماعات حقوق الإنسان في مصر، التي سكت دهرا على كل ما حدث في مصر، من تجاوزات منذ 30 يونيه، على أساس أنه يخص فصيل مختلف في التوجه السياسي على القائمين عليها، ولكن بعضا من ضمير استيقظ، فعرضت نماذج مبكية، أمام جيفري فيلتمان مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، والذي زار مصر مؤخراً، واجتمع مع تسع من جمعيات حقوق الإنسان لمدة ساعتين، وتحدثوا للرجل عن اتهامات تثير السخرية، من قبيل اتهام عدد من الشيوعيين والأقباط بالانتماء إلى الإخوان المسلمين، واحتجازهم على ذمة قضايا ملفقة من الأجهزة الأمنية، قالوا له: إن هناك طفلا مبتور اليد تهمته سرقة دبابة، تحدثوا عن أوامر تجديد حبس من النيابة العامة، غير مكتوبة، وبدون التقديم للمحاكمة، تحدثوا عن استهداف مجموعة من الشباب، فقط لأنهم قالوا «لا» للدستور الجديد، وآخرين تم ضبطهم بوضع صور حمدين صباحي، المرشح الرئاسي ضد المشير السيسي على الجدران، كشفوا عن حفلات ممارسة التعذيب والإهانات ضد المعتقلين، وبعضهم من الأطفال القصر، والذين تكرر اعتقالهم أمام مدارسهم، واحتجازهم في سجون البالغين، أو مؤسسات عقابية مكتظة، قالوا لمساعد الأمين العام، عن أحكام بالسجن وغرامات مادية، وكفالات تصل إلى عامين و20 ألف جنية مصري، مثلما حدث مع طفلة اسمها مارية متولي.
نفس حالة الجنون، هي التي تتسم بها الحملات التحريضية، التي وصلت إلى حد الاحتفاء الإعلامي. أن يقوم أب أو أم بالإبلاغ عن ابنه، هي نفس السلطة، التي تطالب المواطنين الشرفاء معاونة رجال الأمن، الأمر الذي انعكس، في قيام الأهالي، بدور الشرطة والقضاء، والقبض على أشخاص لمجرد مخالفتهم في الرأي، أو تسليمهم للشرطة تحت مزاعم واهية واتهامات كاذبة.
هو نفس العبث الذي يمارسه بعض الإعلاميين، من نوعية إعلامي، من المفترض أنه واع ومثقف وملتزم، ولكنه فقد كل ذلك، عندما راح يتهم الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل، بأنه وراء عمليات التفجير، الذي تشهدها أجزاء متفرقة من مصر، فقط لأن الشيخ حازم، كان يرتدي عمامة، أثناء حضوره إحدى الجلسات، قال عنها الإعلامي: إنها نفس عمامة أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة، ومثلت رسائل إلى أنصاره، وتعليمات للتنفيذ، وكأن الرجل يحتمل اتهامات جديدة، من أحد بعد كل تلك التهم، أو يحتاج إلى تحريض آخر، بعد كل الذي يعانيه، بعد إلقاء القبض عليه في 30 يونيو، هي أيضاً حالة الجنون، التي دفعت أحد مقدمي البرامج، الذي يصف نفسه بأنه «فاضح الخونة والجواسيس والعملاء والماسونيين»، إلى تقديم بلاغ إلى النائب العام، يتهم «أبلة فاهيتا» بالتآمر، وإرسال شفرات، تدعو إلى العنف، في إعلان تجاري لإحدى شركات الاتصالات في مصر، وقال إن هذه الشخصية، تستخدم مصطلحات، تحض على العنف ضد الجيش، وتدعو إلى عمليات تفجير، والمثير للسخرية التي تدعو إلى البكاء أن النيابة العامة المصرية اهتمت بالبلاغ، وحققت فيه مع مسؤولي الشركة، وكانت فضيحة، ومضيعة للوقت، ولكن القضية لم تنته عند ذلك الحد، بل امتدت إلى اتهام صاحب «البرنامج»، من نفس الشخص، بإرسال شفرات عبر برنامج البرنامج، الذي تم منعه، وعاد للظهور من فضائية أخرى، بإرسال رسائل بالشفرة، لاغتيال المشير عبدالفتاح السيسي.
حالة الجنون والعبث، التي يمكن من خلالها، فهم ظاهرة الوثائق المزورة، التي يتم الترويج لها، في الصحف المصرية القومية والخاصة، عن محاضر اجتماعات للتنظيم الدولي للإخوان، عن خطط التآمر على مصر، من دول وجهات لها رأي مختلف، تجاه ما حدث في مصر بعد 30 يونيو. وآخرها صحيفة أشارت إلى وثيقة، تحتوي تكليفات من محمود عزت، أحد قيادات الإخوان المسلمين، ومنه إلى خالد مشعل وإسماعيل هنية، بتحديد شخصين للتخطيط لعمليات إرهابية، تقوم بها عناصر حماس في مصر، دون أن تدري الصحيفة، أو من سرب إليها الوثيقة، أن أحد الشخصين، توفي منذ سنوات، والآخر موجود منذ سنوات طويلة، في سجون إسرائيل، ويبدو أن الكذبة كان ينقصها الصنعة، وتم طبخها بسرعة دون تسوية على نار هادئة. صحيفة أخرى تحدثت عن اكتشاف شبكة تجسس، لصالح أميركا، وإسرائيل، وبريطانيا، وكل ذلك منطقي، ولكن الإضافة هي من أفسدت الكذبة، وحولتها إلى مسخرة، فالتنظيم المزعوم نفسه، يتجسس لصالح الفاتيكان، والتنظيم الدولي للإخوان المسلمين.
وكما قال المتنبي!!
وكم ذا بمصر من المضحكات***ولكنه ضحك كالبكا