«جوانتانامو» مصر!!
26 سبتمبر 2015 , 01:01ص
لا جديد في عمل المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، منذ أن تم تأسيسه في عام 2003، فقد كان يتبع مجلس الشورى، ولكن تعيين أعضائه يتم على أيدي الحكومة، صحيح أنهم مع بداية التجربة، اختاروا له شخصية بوزن الدكتور بطرس غالي الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، ولكنه ظل أحد روافد السلطة، لا يتحرك سوى بإشارة منها، ولا يعمل سوى في إطار قواعد اللعبة التي وضعتها له، وانطبق عليه بالفعل وصف وزارة الخارجية الأميركية في أحد تقاريرها، بأنه «شركة استثمارية» تابعة لمجلس الشورى، تعمل في مجال حقوق الإنسان. الاستثناء الوحيد في تاريخ المجلس -وهذا للتاريخ والإنصاف- كان في المجلس السابق في سبتمبر 2012، عندما تولى أعضاء مجلس الشعب المنتخبون تشكيله الجديد، فجاء متوافقا مع نتائج ثورة شعبية في يناير 2011، كان أعضاء الإخوان فيه أقلية، ووصل العدد إلى أربعة فقط من بين 27 عضوا، أما باقي الأعضاء فكانوا من تيارات سياسية مختلفة، ويكفي أن رئاسته كانت للمستشار حسام الغرياني رئيس مجلس القضاء الأعلى الأسبق، أما نائبه فكان عبدالغفار شكر أحد رموز اليسار المصري.
وعادت ريمة إلى عادتها القديمة بعد 30 يونيو 2013، بعد أن أصدر الرئيس المؤقت عدلي منصور، بعد أحداث 3 يوليو بشهر، وتحديدا في أغسطس، قرارا بإعادة تشكيل المجلس في سرعة ملحوظة، وكأنه أولوية قصوى، تارك مهمة تعيين الأعضاء إلى حازم الببلاوي رئيس الوزراء في ذلك الوقت، فجاء في معظمه من تيار سياسي واحد هم الناصريون المعادون للإسلام السياسي، واقتصر وجودهم على ثلاثة، ناجح إبراهيم أحد قيادات الجماعة الإسلامية سابقا، وهو من رموز المراجعات الفكرية في السجون في تسعينيات القرن الماضي، والثاني مختار نوح وكان عضوا سابقا في الإخوان المسلمين، وخرج مستقيلا ليكون أحد أشد أعداء الجماعة، مع شطط غير مفهوم في الخصومة، أما الأخير فوجوده في المجلس مرتبط بترشيح من نقابة الصحافيين باعتباره رئيس لجنة الحريات، وهو الكاتب الصحافي محمد عبدالقدوس، وهو من فجر أزمة المجلس الأخيرة، والتي فضحت عمل المجلس، وهي الخاصة بزيارة مجموعة منتقاة بعناية، إلى سجن العقرب الذي يطلق عليه «جوانتانامو مصر «، من حجم المخالفات والتعذيب داخله.
ودعونا نتفق على أن أزمة المجلس القومي لحقوق الإنسان منذ نشأته، ليست فقط في تشكيلته، بل في طبيعة المهمة المراد القيام بها، والأهداف المرجوة منه، مع الوضع في الاعتبار أن الهدف الحكومي من المجلس، منذ بدايته حتى الآن، أنه امتداد لها مع بعض الهامش المتاح للمناورة أحيانا، وليس في كل الأوقات، على سبيل المثال، فالمجلس هو من دافع عن ملف حقوق الإنسان المصري أمام لجنة حقوق الإنسان الدولية في جنيف، عند مناقشته تقريرا حول الأوضاع في مصر، رغم وجود وفد حكومي، وكأن المجلس رديفا للحكومة وداعما لها، عندما تصدى لإصدار تقرير تقصي الحقائق حول فض رابعة والنهضة، بعد صدور تقارير دولية بهذا الخصوص، وكان هذا في مايو الماضي عن الفترة من 30 يونيو 2013 إلى آخر ديسمبر 2014، اتهم الإخوان صراحة بأنهم وراء العنف، وسفك الدماء في رابعة، رغم أنه أشار في إحصائياته عن ضحايا العمليات، وذكر أنهم 2600 منهم أقل من النصف بقليل 1250 من الإخوان، و550 من المدنيين الذين سقطوا في أعمال عنف ارتكبتها ميلشيات خاصة بالإخوان، دون تحديد لتلك الأحداث، و700 من رجال الأمن، رغم أن الداخلية تحدثت من قبل عن عدد أقل من ذلك.
لم تتوقف إنجازات المجلس على صعيد دعم الحكومى، على عكس أوضاع حقوق الإنسان في مصر، التي تدهورت بشكل ملحوظ بعد 30 يونيو 2013، وهذا ما تؤكده كل تقارير المنظمات المصرية المستقلة أو الدولية، وهي عديدة ومتاحة، بل زادت الأمور عن حدها، وأصبحت خارج السيطرة حتى بين أعضاء المجلس نفسه، من خلال الزيارة الأولى لوفد مختار بعناية، من بعض أعضائه، إلى السجن الأسوأ في مصر، واسمه «العقرب» شديد الحراسة، لم يهتز المجلس لرفض الداخلية طلباته المستمرة لزيارته، ولم يعبأ بأنه يعامل معامله أهالي المعتقلين، في طلب الزيارة دون أي تمييز، فلا بد أن يتقدم بطلب يتم النظر فيه بالقبول أو الرفض، رغم أن كل التقارير السابقة عن زيارات قام بها أعضاؤه، إلى سجون أخرى، خرجت لتعطي وزارة الداخلية ومصلحة السجون «عشرة على عشرة»، فالرعاية الطبية ممتازة، والمعاملة فوق الوصف، ولا وجود لتعذيب ممنهج على حد تعبير تقارير سابقة للمجلس، رغم أن المجلس نفسه، وفي لحظة صدق مع النفس، تحدث عن ظاهرة التكدس في أماكن الاحتجاز المصرية، وقال إنها وصلت إلى 160 بالمئة، وفي الأقسام إلى أربعة أضعاف، وهذه وحدها مأساة إنسانية لا توصف، والمجلس مثلا لم يكن له أي دور، في الكشف عن ظاهرة جديدة على الحياة السياسية في مصر، اسمها «الاختفاء القسري» بمعنى جهة أمنية ما في الأغلب الأمن الوطني، تقوم باعتقال أفراد من منازلهم أو مقار عملهم، ويتم اقتيادهم إلى مناطق اعتقال مجهولة لمدد طويلة، دون عرضهم على النيابة، والتقارير تتحدث عن 163 حالة منذ أبريل الماضي.
وكانت زيارة سجن العقرب «القشة التي قصمت ظهر البعير»، خاصة مع السمعة السيئة له، لدرجة أنه شهد مقتل أربعة من السجناء، اثنان منهم خلال شهر واحد، وآخرهم عصام دربالة بسبب الإهمال الطبي، وقد أحاط بالزيارة الكثير من اللغط بين أعضائه، خاصة أنها خالفت القواعد المتعارف عليها داخل المجلس، ومنها أخطار جميع الأعضاء المهتمين بملف زيارة السجون، لمعرفة من يرغب في المشاركة، وبعضهم عرف بالزيارة من الإعلام، ومنها السماح بتصوير الزيارة من قبل وزارة الداخلية، والثالثة عقد مؤتمر صحافي خصيصا للإعلان عن نتائج الزيارة، وهو ما لم يحدث من قبل وسابقة في تاريخ المجلس، مما دفع ثلاثة من الأعضاء للانسحاب من الاجتماع الدوري، والغريب أن رئيس المجلس محمد فايق، اعتبر أن الانتقادات الموجهة للمجلس، تأتي من أقصى اليسار إلى جماعة الإخوان المسلمين، في إشارة إلى انتماءات الأعضاء الثلاثة، كما جاء تقرير وفد المجلس الذي زار السجن كارثيا، من ذلك حديث محمد فايق عن أن كثيرا من الشكاوى التي وردت إلى المجلس وذويهم، لم تكن صحيحة، كما أن رئيس الوفد حافظ أبوسعدة قام بمشهد ذكر المصريين بما جاء في فيلم شهير، تحت اسم البريء، عندما ظهر وهو يتذوق الطعام في مطبخ السجن، ينافس مثيله في فنادق الخمس نجوم.
الاستفزاز من التقرير والزيارة، كان شديدا لدرجة دفعت محمد البرداعي إلى كتابة تدوينة له، قال فيها «إن التاريخ يعلمنا أن مجالس حقوق الإنسان «القومية»، لا تستر الأنظمة بل تعري أعضاءها»، والأخطر هو التقرير المضاد الذي أصدرته منظمة هيومن رايتس، وفندت فيه كل ترهلات مضمون التقرير المصري، واعتبرت المجلس مشاركا بالتستر، على جرائم السلطات الحاكمة بحق المعتقلين، وأنه يسعى إلى تجميل صورة حقوق الإنسان في مصر.
القضية أكبر من زيارة سجن العقرب، رغم كل ما أثير حولها، بل الأمر يستدعي أن يقوم المجلس بدوره الحقيقي، وأن يؤكد استقلاله عن السلطة بالضغط لتنفيذ توصياته، تجاه العديد من الأمور، ومنها ما هو خاص بتنفيذ اللائحة الداخلية للسجون، والتي يتم امتهانها من وزارة الداخلية نفسها، والتي تتعلق بمدة الزيارة، وحقوق السجين، والحرص على ساعتين يوميا للتريض، وسرعة الاستجابة للحالات المرضية، ومنها أيضاً عدم إهمال وجهة نظره، في العديد من القوانين، ومنها قانون التظاهر والإرهاب، هل يفعلها المجلس؟ لا أظن!!