الأربعاء 6 ذو القعدة / 16 يونيو 2021
 / 
07:23 م بتوقيت الدوحة

بيوت بلا سقف ولا جدار

منى العنبري

قالت المعلمة لطالباتها: اقترب موعد تخرجكن من المرحلة الثانوية، فلنتحدث قليلاً عن طموحاتكن المستقبلية، وهل ترغبن بمواصلة الدراسة ونيل أعلى الشهادات؟ وما التخصص الذي سيقع اختياركن عليه، ليخدم سوق العمل، أو القاعدة التنموية التي تنطلق منها المخرجات لتغذي المجتمع بما يحتاجه من موارد بشرية بمختلف مستوياتها ودرجات تأهيلها؟ توقعت المعلمة أن جميع الطالبات تلح لديهن فكرة مواصلة الدراسة لتصبح الواحدة منهن أما معلمة أو مهندسة أو طبيبة أو محامية وغيره من مهن تلبي احتياجات سوق العمل، وتأتي متناغمة مع طموحاتهن وأهدافهن، ولكن وجدت المعلمة البعض منهن لا يرغبن بمواصلة التعليم، ويردن الاكتفاء بالشهادة الثانوية، حتى وإن قلل ذلك فرصة الحصول على عمل مناسب، والسبب أنهن يطمحن إلى الشهرة والترويج لمنتجات وعلامات الشركات التجارية، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي مقتديات بمشاهيرها؛ لأنها في نظرهن الوسيلة الأفضل لكسب الأرباح.
 تحدثت إحداهن: لماذا أتعب نفسي كي أدرس ثم أعمل في وظيفة تكبلني بقيودها، وتزهد في عطائها لي، والآن صار الكسب سهلاً بضغطة زر، وإرفاق صورة أو تسجيل فيديو وحصد مشاهدين يأتيني بمكاسب خيالية وأنا في مكاني، وفي بيتي؟
قالت المعلمة: وكيف تقبلين أن تعيشي في بيت بلا سقف ولا جدار؟
أجابت الطالبة: بالعكس سيكون بيتي قصراً، ولدي كل ما يدل على مظاهر العز والثراء، ألم تشاهدي مشاهير (السوشيال ميديا) وهم يسكنون أجمل البيوت، ويركبون اليخوت، وأفخر السيارات، ويلبسون من مختلف وأشهر العلامات التجارية أو الماركات العالمية، حتى تخلى أغلبهم عن وظيفته الحكومية.
المعلمة: ولكن يا ابنتي إن هؤلاء نجوم الصورة و(البروباجندا) الحالية صارت بيوتهم بلا سقف ولا جدار، أي مكشوفة يرى ما بداخلها كل من يتابعهم من أنحاء العالم، تحولوا إلى مجموعة من السلع يعرضون أدق خصوصياتهم، يصورون يوميات أسرتهم، يغنون، يقلدون... لجلب اهتمام متابعيهم، وامتلاك المزيد من المكاسب، والشعور بالقوة والمكانة والنفوذ لكونهم مؤثرين وأصحاب سلطة بين المجتمعات، وهذا يتناقض بشكل كبير مع الرغبة في تعزير المجتمع وتنميته، فأنتِ عندما تسلكين طريق التسويق للسلع والعلامات التجارية لا بد أن تكوني من المؤثرات على قاعدة جماهرية؛ لتجلبي المكاسب، وبالتالي ستضطرين إلى إقحام جمهورك في حياتك الخاصة وحياة أسرتك وأطفالك، والنتيجة تصبح حياتك فريسة عبودية حب المال، والضغوطات النفسية المترتبة على ما ينطق به جمهورك من تعليقات سلبية، فهذا درب يجر من سارت أقدامه عليه إلى العيش في بحر من الإغواء، عندما تحاطين بالمعجبين، ومقابل ذلك تخالفين شرع الله ومبادئ دينك، وقيم مجتمعك المحافظ، وإن كان هذا الطريق مزركشاً بالرفاهية، وكثرة المال يظل في عالم الضياع والابتذال، في ظاهره نعيم وراحة، وباطنه شقاء ومجلبة للحقد والحسد، فما الفائدة المرجوة من ذلك؟
فقالت الطالبة: صحيح يا معلمتي ما الفائدة التي سيحظى بها مجتمعي وأنا أتنقل ما بين أسواق ومتاجر ومطاعم تفرش لي موائدها، إنها حياة فارغة لن تغنيني عن مواصلة دراستي وإكمال تعليمي.
المعلمة: بارك الله فيك، ورفعك بأخلاقك، وسدد خطاك، وأنار دربك بالعلم والمعرفة.

اقرأ ايضا

السياحة الداخلية

12 يناير 2021

ومضة من كتاب (1)

09 يونيو 2021

ومضة من كتاب (2)

16 يونيو 2021