alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 48

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 25 أكتوبر 2026
الخليج في مواجهة استحقاق القوة والسيادة
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 21 أكتوبر 2026
لا تجعلوا خلافاتنا سلاحًا في أيدي خصومنا

عن الحرب والتفكيك والمشاريع الإقليمية

18 أكتوبر 2026 , 12:30ص

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تزداد أهمية قراءة ما يدور داخل مراكز التفكير وصناعة القرار في إسرائيل، ليس فقط لفهم توجهاتها الراهنة، بل لاستشراف ملامح سياساتها المستقبلية. والأهم هو الإصغاء إلى أصوات أولئك الذين شغلوا مواقع متقدمة في هرم السلطة والمؤسسات العسكرية والاستخباراتية، وشاركوا في صياغة القرارات الاستراتيجية، ولا يزالون قريبين من دوائر النفوذ والتأثير. فما يطرحونه اليوم ليس مجرد آراء في سجال انتخابي عابر، بل قد يكشف عن تحولات أعمق في العقيدة الأمنية والهوية السياسية الإسرائيلية، وعن طبيعة الدولة التي يجري تشكيلها، وموقع العرب والمنطقة في حساباتها المقبلة.
في مقال لافت نشره معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، يقدّم اللواء تامير هايمان، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، تشريحاً بالغ الخطورة للتحولات التي تعصف بالعقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر 2023. لكن أهمية المقال لا تكمن فيما يقوله عن مستقبل الحروب الإسرائيلية، بل فيما يكشفه عن طبيعة الدولة التي تتشكل خلف دخان هذه الحروب. ووفق القراءة التي يطرحها هايمان، لسنا أمام مراجعة عسكرية لإخفاق استخباراتي، وإنما أمام تحول أيديولوجي واستراتيجي قد يعيد تعريف إسرائيل نفسها، من دولة تبحث عن الأمن عبر القوة، إلى دولة تجعل الحرب شرطاً دائماً لوجودها، وترى في ضعف الدول العربية وتفككها مصلحة استراتيجية، وفي السلام وهماً سياسياً ينبغي التخلص منه.
الأكثر إثارة أن هذه القراءة لا تصدر عن ناقد خارجي لإسرائيل، وإنما عن شخصية بارزة في مؤسستها الأمنية. فهايمان لا يناقش مجرد انحرافات عابرة في السياسات، بل يحاول الكشف عن عقيدة جديدة لم تُعلن رسمياً، ولم تخضع لمراجعة مؤسسية، لكنها أصبحت، بحسب تقديره، تحكم السلوك الإسرائيلي. 

من الأمن إلى تقديس الحرب
منذ تأسيسها، أدركت إسرائيل أن محدودية جغرافيتها ومواردها البشرية تجعل الحروب الطويلة خطراً على اقتصادها ومجتمعها. ولذلك قامت عقيدتها التقليدية على الردع والإنذار المبكر والحسم العسكري السريع، بما يسمح بإطالة فترات الهدوء بين المواجهات. ولم تكن هذه العقيدة سلمية بطبيعتها، فقد شهد تاريخ إسرائيل حروباً استباقية واحتلالاً وتوسعاً عسكرياً، لكنها انطلقت من إدراك أن الحرب ينبغي أن تظل وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، لا أن تصبح بديلاً دائماً عن السياسة.
أما التحول الذي يناقشه هايمان، فيقلب هذه المعادلة. فالحرب لم تعد شراً اضطرارياً، بل ضرورة استراتيجية مستمرة. والهدوء لم يعد إنجازاً أمنياً، وإنما علامة محتملة على تراكم الأخطار. والسلام لم يعد غاية تستحق السعي إليها، بل استراحة مؤقتة بين مواجهتين. وهكذا تصبح المبادرة الهجومية والضربات الوقائية والانتشار العسكري خارج الحدود أدوات طبيعية لإدارة المنطقة.
تفكيك العرب: من الردع إلى هندسة الفوضى
لعل أخطر ما ورد في قراءة هايمان هو التصور الذي ينكر على معظم الدول العربية طبيعتها الوطنية المستقلة، وينظر إليها باعتبارها تجمعات قبلية وإثنية تفتقر إلى تاريخ جامع وهوية سياسية راسخة. ووفق هذا المنطق، فإن التعامل مع دول عربية ضعيفة ومفككة أكثر ملاءمة للمصالح الإسرائيلية من مواجهة دول قوية ومتماسكة، بل قد يصبح تشجيع هشاشتها جزءاً من الحسابات الأمنية.
والأخطر أن هذا المنطق، إذا تحول إلى سياسة، لا يستهدف جيشاً أو تنظيماً مسلحاً بعينه، وإنما يطول بنية الدولة العربية نفسها. فبدلاً من البحث عن توازنات أمنية بين دول ذات سيادة، تصبح هشاشة المؤسسات وانقسام المجتمعات وتآكل السلطة المركزية عناصر قابلة للتوظيف الاستراتيجي. عندئذ لا يعود السؤال كيف تتعايش إسرائيل مع محيطها، بل كيف يمكن إعادة تشكيل هذا المحيط بما يمنع ظهور قوى إقليمية قادرة على موازنتها.
السلام بوصفه خطأ إستراتيجياً
لا يقل خطورة عن ذلك التحول المتعلق بمكانة السلام. فوفق المفهوم الذي يستخلصه هايمان، أصبحت التسويات مع العرب موضع شك بنيوي، وبات الاعتقاد بإمكان تحقيق سلام مستقر يُصوَّر باعتباره جزءاً من الأوهام التي سبقت السابع من أكتوبر. وبهذا المعنى، لا يعود السلام هدفاً استراتيجياً، وإنما ترتيباً مؤقتاً يخضع باستمرار لموازين القوة.
وهذا يضع مستقبل العلاقات العربية الإسرائيلية أمام إشكالية جوهرية. فما قيمة اتفاقيات السلام والتطبيع إذا كانت العقيدة الأمنية للطرف الأقوى تنطلق من افتراض أن السلام غير قابل للاستمرار؟ وكيف يمكن بناء شراكات اقتصادية وسياسية طويلة المدى مع دولة قد تعتبر الاستقرار الإقليمي عائقاً أمام استمرار تفوقها؟
أما القضية الفلسطينية، فتبدو في هذا التصور أكثر من مجرد ملف سياسي مؤجل. فالتشكيك في أصالة الحركة الوطنية الفلسطينية ورفض إقامة الدولة الفلسطينية يعنيان تحويل الصراع من مشكلة سياسية قابلة للتسوية إلى مواجهة دائمة لا يُعترف فيها أصلاً بحق الطرف الآخر في تقرير مصيره. وهنا يصبح استمرار الاحتلال والاستيطان نتيجة منطقية لعقيدة تنكر إمكان الحل، بدلاً من أن يكونا عقبتين ينبغي تجاوزهما للوصول إليه.

من الدولة اليهودية إلى أولوية الهوية على المواطنة
يتوقف المقال عند تحول لا يقل أهمية يتعلق بتقديم الهوية اليهودية على الديمقراطية. وهذه المسألة تكشف عن أن العقيدة الجديدة لا تعيد تعريف العلاقة مع الخارج فحسب، وإنما تعيد ترتيب العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
فحين تتقدم الهوية الدينية والقومية على المساواة المدنية، يصبح الأمن مرتبطاً بحماية تصور محدد لهوية الدولة، وليس بحماية جميع المواطنين على قدم المساواة. ويتعمق هذا التناقض عندما يتحول الاستيطان إلى مكوّن من مكونات الدفاع، ويصبح المدنيون جزءاً من الانتشار الأمني في الأراضي المحتلة والمناطق الحدودية.
ولا يتعلق الأمر هنا بخلاف نظري حول الهوية، بل بتداعيات مباشرة على حقوق الفلسطينيين، ومكانة المواطنين العرب داخل إسرائيل، ومستقبل الحدود، والعلاقة بالقانون الدولي.

أمريكا وإسرائيل: استقلال القوة أم مأزق العزلة؟
المفارقة الأخرى التي يناقشها تتعلق بتصاعد تصور يدعو إلى الاستقلال عن الولايات المتحدة، انطلاقاً من الاعتقاد بأنها قوة متراجعة، وأن التبعية لها تفرض قيوداً سياسية وقيمية على إسرائيل.
لكن هذا الطموح يصطدم بحقيقة أن التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي ارتبط تاريخياً بعلاقات استراتيجية عميقة مع واشنطن والغرب. ولذلك فإن الرغبة في التحرر من القيود الأمريكية لا تعني امتلاك القدرة على الاستغناء عن المظلة التي وفّرت لإسرائيل جانباً أساسياً من تفوقها.
والأهم أن الخلاف المحتمل لا يتعلق بالمساعدات العسكرية وحدها، بل بالسؤال عن طبيعة إسرائيل التي تريد الولايات المتحدة دعمها، ومدى انسجام التحولات القومية والدينية داخلها مع المصالح والقيم التي تعلن واشنطن الدفاع عنها.

الشرق الأوسط أمام عقيدة بلا حدود
بالنسبة إلى العالم العربي، ودول الخليج تحديداً، فإن أخطر ما تكشفه هذه التحولات هو احتمال الانتقال من مفهوم الأمن القائم على إدارة التوازنات إلى مفهوم يقوم على تغييرها بالقوة. فإذا أصبحت الحرب الوقائية والانتشار العسكري المتقدم وإضعاف الدول المجاورة أدوات مشروعة في الحسابات الاستراتيجية، فإن المنطقة تواجه تحدياً يتجاوز الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى قواعد النظام الإقليمي نفسه.
ومع ذلك، فإن أهمية مقال هايمان تكمن أيضاً في أنه يكشف وجود نقاش إسرائيلي حول هذه التحولات، وليس إجماعاً نهائياً عليها. فهو يطرح المبادئ بوصفها استنتاجات نقدية من السياسات الجارية، ويحذر من آثارها على هوية الدولة ومستقبلها.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المنطقة ليس فقط مقدار القوة التي تمتلكها إسرائيل، بل طبيعة المشروع السياسي الذي ستُستخدم هذه القوة لخدمته. فالقوة تستطيع تغيير الخرائط العسكرية، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج شرعية سياسية أو استقرار تاريخي.
والمفارقة الكبرى أن إسرائيل التي سعت إلى تحقيق الأمن عبر التفوق العسكري قد تجد نفسها أمام معضلة أعمق، حيث تمتلك القدرة على خوض الحروب، لكنها تفقد تدريجياً القدرة على تصور مستقبل لا تكون الحرب شرطاً لاستمراره. وحين تصبح الحرب عقيدة، لا يعود السلام فرصة ضائعة فحسب، بل يتحول إلى تهديد لفلسفة الدولة نفسها.

الخليج في مواجهة استحقاق القوة والسيادة

لم تكن تصريحات توم باراك في منتدى الأمن العالمي بالدوحة مفاجئة، ولم تحمل اكتشافاً استراتيجياً جديداً؛ فإرهاصات التحول الأمريكي كانت واضحة منذ سنوات، وجاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتكشف ما حاولت الخطابات الدبلوماسية طويلاً...

لا تجعلوا خلافاتنا سلاحًا في أيدي خصومنا

حين تصبح الكلمة خطرًا على الأوطان، وحين تتحول المنصات الاعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات بين أبناء البيت الخليجي الواحد، فإننا لا نكون أمام خلاف عابر في الرأي، بل أمام أزمة أعمق تتعلق بوعينا السياسي، ومسؤوليتنا...

واشنطن والعودة إلى اتفاق أوباما مع إيران

ماذا لو انتهت الحرب الأمريكية الإيرانية، بما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، إلى اتفاق يشبه في جوهره الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما عام 2015، قبل أن ينسحب منه دونالد...

الذاكرة في مواجهة العقل النقدي

منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...

النخب العربية والصراع على قيادة العربة

ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...

الحضارة بين سطوة المادة وقلق الروح

عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...

قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة

العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...

حين يعيد الفن صياغة السردية الأوروبية

ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...

قطر في الأمم المتحدة.. نحو أمن إقليمي جديد

جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...

منتدى قطر الاقتصادي: الاقتصاد في زمن الزلازل الجيوسياسية

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...

مستقبل الصحافة لا يُطبع على الورق

هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...

تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...