ويبقى الحال على ما هو عليه!!
25 يوليو 2015 , 05:52ص
في مارس الماضي قام كل من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والسوداني عمر البشير ورئيس الوزراء الإثيوبي هيل مريام ديسالين بالتوقيع على اتفاقية إعلان مبادئ بين الدول الثلاث حول سد النهضة في العاصمة السودانية الخرطوم، يومها تم تصوير مشهد التوقيع وخطابات القادة الثلاثة التي حملت وعودا وعهودا على أنها النهاية السعيدة لأزمة كانت مستحكمة بين العواصم الثلاث وتم حساب ما حدث على أنها تدخل خانة مهمة في ملفات إنجاز الرئيس المصري بعد أن عجز سابقاه عن التعاطي مع الأزمة حسني مبارك بالغياب التام عن إفريقيا التي سمح لقوى أخرى بالتمدد على حساب الوجود التاريخي لمصر وسمح لإثيوبيا بالتخطيط والبحث عن التمويل لمشروعها القومي الذي ينقلها إلى مرحلة مختلفة من النمو الاقتصادي والنفوذ داخل القارة، كما اتهم الرئيس الثاني الدكتور محمد مرسي بتأجيج الصراع مع إثيوبيا من خلال الخلل الذي تم بإذاعة حواره مع رموز سياسية مصرية حول كيفية التعاطي مع الأزمة ولن نتوقف عند العام الذي تولى فيه الرئيس الانتقالي المستشار عدلي منصور فلم يتم تسجيل أي تحرك ذي بال خلال تلك الفترة.
يومها كما جرت العادة في مشروعات ومناسبات عديدة كان المهم هو «اللقطة» التي جمعت قيادات الدول الثلاث والأهم هو دور الإعلام القادر على تسويق ما حدث على أنه إنجاز تاريخي لا يستطيعه سوى رئيس بقدرات الرئيس المصري ولم يتوقف أحد ليسمع ويقرأ الانتقادات من أهل الخبرة التكنوقراط الذين لا يفهمون في السياسة ولا يعبؤون بمجرياتها أو تطوراتها، حذر المختصون من أن الاتفاق مجموعة من المبادئ العامة دون أي التزامات مثل التعاون على أساس التفاهم والمنافع المشتركة وحسن النوايا والمكاسب للجميع ومبادئ القانون الدولي والتنمية المتكاملة ومبدأ الاستخدام المنصف والمناسب للموارد المائية وهي أمور تجدي إذا تعلق الأمر بمقال مثلا أو خطبة تدغدغ مشاعر جماهير متعطشة لأي إنجاز حتى ولو كان وهميا ولكنه يتحول إلى أمر جلل إذا تعلق بقضية حياة أو موت بالنسبة لحاضر ومستقبل شعب أو دولة مثل مصر يمثل لها نهر النيل تاريخيا شريان حياة. وتعاملت مصر الرسمية مع الاتفاقية على أنها خطوة مهمة للأمام وأنها أول وثيقة كما قيل يتم التوقيع عليها من الرؤساء الثلاثة وتجسيد لحسن النوايا وبناء الثقة وضمانة لتنفيذ النتائج التي سيتوصل إليه المكتب الاستشاري الذي سيتم التعاقد معه بالتوافق بين الدول، دون إدراك حقيقي لمخططات وأهداف الطرف الآخر.
وتنوعت الانتقادات من ذوي الاختصاص لمضمون اتفاقية إعلان المبادئ ومن ذلك أنها أعطت إثيوبيا الضوء الأخضر والحق والموافقة الكاملة على أن تستمر في بناء السد دون أي توقف كما أنها لم تعالج أكبر إشكالية تواجه عملية بناء السد وهو حجم التخزين حيث كانت القاهرة وفق دراساتها تتحدث عن ١١ مليار متر مكعب وهو المعدل الذي لن يتسبب في أي ضرر لها مع السودان بينما التخطيط والتنفيذ الإثيوبي يسير باتجاه ٧٤ مليارا خلال ثلاث سنوات فقط رغم أنهم في البداية تحدثوا عن ١٧ مليارا يتم تخزينها في فترة ما بين ٥ و٧ سنوات، والمبدأ الخاص بالتعاون في تقرير حجم الملء وإدارة السد لا يتضمن أي إلزام ولكنه تحدث عن احترام للمخرجات النهائية للدراسات المشتركة الموصى بها في تقرير لجنة الخبراء الدولية التي حدد لها ١٢ شهرا يضاف إليها ثلاثة أشهر أخرى لاختيار المكتب الاستشاري مما يعني أننا أمام ١٥ شهرا يستمر فيها بناء السد دون توقف، وقيل إن مصر طلبت رسميا من إثيوبيا التوقف عن بناء السد في تلك المرحلة ولم ترد أديس أبابا بل تسعى إلى الانتهاء من المرحلة الأولى خلال الشهر القادم أغسطس. علما بأن السد مقرر الانتهاء من بنائه في ٢٠١٧ كما أن مصر وفقا للاتفاق لا حق لها في إصدار أي دراسات خاصة بها تخص التفاصيل الهندسية لبناء السد أو الاعتراض على أي جزء من دراسة المكتب الاستشاري كما أن الاتفاق لم يشر إلى إقرار إثيوبيا بحصة مصر من مياه النيل والتي تقدر بـ٥٥ مليار متر مكعب، وهو ما تسعى إليه مصر منذ سنوات طويلة اعتمادا على اتفاقية 1959 مع السودان والتي لا تعترف بها أي من دول حوض النيل.
كما لم يتم احترام الآلية التنفيذية التي تضمنها إعلان المبادئ وتحدثت عن اتفاقية أخرى تفصيلية تحت إشراف وزراء الخارجية والري في الدول الثلاث تضع الخطوط العريضة للتنفيذ وهو ما لم يتم حتى الآن كما أنه لم يتم الالتزام بالنقطة الخاصة بالمكتب الاستشاري المنفذ لدراسات السد، وكان مقررا لها أوائل هذا الشهر، وقيل إن سبب التأجيل وجود خلاف بين الشركتين اللتين تم اختيارهما لإجراء الدراسات أحدهما هولندية والأخرى فرنسية وكان آخر موعد لوصول العرض المعدل والمشترك من الشركتين ٢٢ يونيو الماضي، كما غاب الوزيران السوداني والإثيوبي عن اجتماع كان مقررا للوزراء الثلاثة وكان موعده أول الشهر الحالي رغم تأجيله أكثر من مرة وآخرها قبل الموعد بعدة أيام فضل الإثيوبي إتمام زيارة كانت معدة سلفا إلى ألمانيا على حضور اجتماع القاهرة كما أن أيا من الدول الثلاث لم تطرح الوثيقة على برلماناتها للتصديق عليها وهي الخطوة التي يبدأ بعدها البحث في آليات تنفيذ الأمور الفنية، وقد وصف أحد المتابعين للملف وهو الدكتور محمد نصر علام وزير الري الأسبق المباحثات الجارية بأنها مجرد تمثيلية وأسلوب لاستهلاك الوقت وتضييعه ويبدو تماماً أن هذا الوضع هو الأمثل لإثيوبيا التي تسعى إلى بناء واحد من أكبر وأهم السدود في العالم وسيكون قادرا على توليد ٦٠٠٠ ميجاواط، بينما سد هوفر في أميركا تصل قدراته إلى ٢٠٨٠ ميجا، وتمثل ثلاث مرات الطاقة المتولدة من السد العالي مما يسمح لها بتصدير الطاقة إلى دول الجوار مثل كينيا والسودان وجنوب السودان وجيبوتي.
أما مصر فسيتراوح العجز المائي ما بين ١١ إلى ١٩ مليار متر مكعب من المياه وانخفاض مستوى بحيرة ناصر وتبوير حوالي ثلث الأراضي الزراعية في مصر.
والغريب أنه بعد أكثر من ثلاثة أشهر من التوقيع وعندما التقى الرؤساء الثلاثة على هامش مشاركتهم في قمة التكتلات الاقتصادية في مدينة شرم الشيخ اتفقوا على تطوير التفاوض ورفعه إلى مستوى الرؤساء وتشكيل لجنة رئاسية عليا للبحث في الموضوعات الخلافية ومواجهة ما قد يثار بين الخبراء والقيادات الوسطية من أزمات خاصة أنه كما قال ديسالين رئيس الوزراء الإثيوبي إن هناك من تلك المستويات من لم يقتنع بروح الاتفاقية، دون أن يحدد تلك الأطراف والغريب أيضاً أنه بعد كل التنازلات المصرية ما زال رئيس الوزراء الإثيوبي يدعو إلى بذل مزيد من الجهود الإعلامية والدبلوماسية والشعبية لتصحيح ما أسماه سوء الفهم المصري لمشروع سد النهضة.
والأمل معقود على الاجتماع الذي شهدته الخرطوم منذ ساعات وضم الوزراء الثلاثة وممثلين عن المكتبين الاستشاريين، وذلك لإنهاء الخلافات حول بعض القضايا الفنية بعد تأخر ملحوظ عن الجدول الزمني المتفق عليه، الوضع جد خطير والأمور على حالها ومصر مشغولة بصراعات الداخل ومواجهة طواحين الهواء والحديث عن المؤامرات الكونية على القيادة المصرية دون إدراك حقيقي لحجم الكارثة المترتبة على استمرار بناء السد دون تفاهمات حقيقية بعيدا عن الإنجازات بالإعلام والاهتمام بالشكل دون معالجة لب الأزمة.