


عدد المقالات 103
لم أتوقع أبداً أن أسمع ردا كهذا: نحن أيضاً مصريون. رد الأستاذ الجامعي وزوجته شبيهة الملامح بي، حتى إن ابنتها أضافت بأننا نبدو كتوأم. لم يكن غريباً أن يكونا مصريين. فأبناء بلدي ينتشرون في كل المعمورة. لكن الغريب هو ما تلا ذلك حين سألتهما متى انتقلا إلى مقدونيا الدولة الأوروبية التي تقع وسط دول أوروبا الشرقية؟ أجاب الزوج ببساطة الاعتياد: قبل ثلاثة آلاف عام. انعقد لساني أنا وصديقتي المصرية. وانهال علينا الصمت. ثم رفض فضولي الإذعان. وعدت أسأل عشرات الأسئلة. لكنه وأثناء شرحه الطويل وحين هل علينا اليوم التالي كان قلبي قد صدق تماماً أن زوجته هي شقيقتي التوأم، وأن الرجل قد يكون واحداً من أبناء عمومتي. ملامح الزوجين ممزوجة بطين النيل ولفحة الشمس وأعينهما يسكنها الحنان والأرق. ويكشفان عن الطيبة المختبئة بسذاجة خلف قناع شفاف من المهنية يسقط بعد الدقائق الثلاثة الأولى. حين جاء الأبناء عدت إلى الصمت ثانية أراقب الزوجين المصريين وهما يدللان أطفالهما من بئر حنان عميق ربما يصل أوله إلى قلب الأهرامات. زارا الزوجين مصر مرة واحدة. لكن علم مصر مفرود في كل أركان منزلهما. يتابعان والمصريون الآخرون أخبار الميدان، ويرفضون الإعلان الدستوري. يعلم أطفالهما الثلاثة عن تاريخهم الفرعوني أكثر كثيراً من أي دارس مصري. قبل أن أصدقهما عمدت إلى توظيف الشغب وطرح سؤال تلو الآخر لعلي أكشف ثغرة تنير ادعاء يصعب إثباته. لكني فوجئت أني أمام قامة علمية غائرة في دراسة علم الإنسان، وأن الرجل أستاذ نافذ بالجامعة درس بعدد سنوات عمر تاريخه الفرعوني، وانهمك على كشف امتدادات خيوطه وألف الكتب التي انتشرت في أوروبا وصارت مرجعاً. د.»روبن زينوم» دعانا أمس لمشاركة الجالية المصرية في الاحتفال بمرور اثنين وعشرين عاماً على إنشاء اتحاد للمصريين بالبلقان. الاتحاد جاء بادرة من والده الذي بذل جهوداً هائلة لجمع شمل المصريين بالبلقان. وعقب وفاته أكمل ابنه المسيرة. فاتحاً ذراعية للمصريين كافة في كل دول البلقان. يؤكد د.روبن أن المصريين الفراعنة في دول البلقان يعدون بآلاف. لكن أعداد إحصائية دقيقة بهم لم تنجز بعد، وهي إحدى طموحات الاتحاد. في الاحتفال رأيت غرفة بها جمع من أهل مصر. لم يكن بهم ملمح واحد غير مصري إلا اللغة المقدونية التي يتكلم بها الجميع يفتخرون بصورة إيزيس التي تتوج العملة الورقية المقدونية من فئة العشرة دينار. ويثقون أن الجيولوجيين سوف يكتشفون المزيد من الآثار الفرعونية في مقدونيا التي وجدت بها آثار مصرية قبل عدة أعوام. كان الإسكندر الأكبر هو الصلة الأولى بين مصر الفرعونية وبين مقدونيا الدولة المزدهرة آنذاك. ومقدونيا اليوم التي تعيش في كواليس ذاكرتنا نحن أبناء الشرق، تقع في شبه جزيرة البلقان، تحيطها اليونان وبلغاريا وصربيا وكوسوفو وألبانيا، تحاول أن تعود إلى خريطة العالم كل أمجاد إسكندرها الكبير. تولى الإسكندر الحكم سنة (356 ق.م)، وهو يعد من أعظم عباقرة الحرب في التاريخ القديم، فهو زعيم الجيش الذي لم يهزم أبداً. وكان أول فاتح عرفه التاريخ يغزو بلاد الإغريق وآسيا الصغرى وبلاد فارس ووصل إلى غرب الهند وبلاد بابل ومصر. في شتاء (332-331 ق.م) بنى الإسكندر مدينة الإسكندرية بالقرب من الفرع الغربي لنهر النيل. واختار لها النمط اليوناني. ووضع الإسكندر حكاماً مصريين على مصر تحت إمرة ضباط مقدونيين، وبعدها أكمل مسيرته العسكرية، وتوجه إلى زيارة كاهن معبد الإله أمون في واحة سيوة. وعندما وصل إلى الواحة واستشار كبير الكهنة وسأله عن مستقبل حملته لكن الإسكندر لم يبح بما قال الكاهن حتى وفاته. يتبادل المصريون بالبلقان التحية بالأحضان كما نفعل نحن وأغلبهم لم يزر مصر. لكن منازلهم وقلوبهم ودماءهم تسكن مصر. يضحك «وحيد» الشاب المصري البلقاني النشط بالاتحاد الذي رد على زميلتي «سالي» حين سألته كيف عرفت أنك مصري؟ فأجاب ببساطة: قلبي أكد لي. وللحديث بقية.
إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...
سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...
في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...
«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...
المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...
طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...
أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...
أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...
كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...
في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...
الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...
أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...