alsharq

راشد المهندي - زميل غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية

عدد المقالات 7

د. نافجة صباح البوعفرة الكواري - أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية- جامعة قطر 25 مايو 2026
القوة الناعمة بين منطق الوساطة وحسابات الهيمنة
مريم ياسين الحمادي 23 مايو 2026
الحقوق الفكرية للعلماء المسلمين

الغايات والوسائل والطرائق: كيف نقرأ الإستراتيجية؟

25 مايو 2026 , 10:11م

في السياسة، كما في الحرب، لا يكفي أن نسأل: ماذا حدث؟ بل يجب أن نسأل: لماذا حدث؟ وبأي أدوات؟ ولأي غاية؟ كثير من التحليل السياسي يتوقف عند الحدث الظاهر: صاروخ أُطلق، منشأة استُهدفت، تصريح صدر، أو تهديد تكرر. لكن الإستراتيجية لا تُفهم من الحدث وحده، بل من العلاقة بين الغاية والوسيلة والطريقة. وهنا تظهر أهمية إحدى أبسط وأقوى أدوات التحليل الإستراتيجي: الغايات، والوسائل، والطرائق. هذه الأداة، التي تُعرف في الأدبيات الإستراتيجية الإنجليزية بـ Ends, Ways, Means. فالغاية هي الهدف السياسي أو الإستراتيجي الذي يسعى الفاعل إلى تحقيقه. والطرائق هي الأساليب التي يعتمدها للوصول إلى هذه الغاية. أما الوسائل فهي الموارد والأدوات التي يمتلكها: عسكرية، مالية، سياسية، إعلامية، أو تقنية. بمعنى آخر، عندما نحلل سلوك دولة ما، لا ينبغي أن نكتفي بما تعلنه عن نفسها. فالدول، خصوصاً في أوقات الصراع، لا تقول دائماً ما تفعل، ولا تفعل دائماً ما تقول. التصريحات مهمة، لكنها ليست كافية. الأهم هو أن نربط بين ما تملكه الدولة من أدوات، وما تفعله فعلياً، وما يمكن أن يكون هدفها النهائي. لنأخذ مثالاً من السلوك الإيراني تجاه دول الخليج. في الخطاب الإيراني، كثيراً ما تُقدَّم بعض الهجمات أو التهديدات باعتبارها موجهة ضد الوجود الأمريكي في المنطقة، أو باعتبارها جزءاً من مواجهة أوسع مع إسرائيل أو الولايات المتحدة. لكن إذا استخدمنا أداة الغايات والوسائل والطرائق، سنجد أن الصورة أكثر تعقيداً. إيران، من حيث الوسائل، لا تملك قدرة عسكرية تقليدية تمكّنها من خوض مواجهة مباشرة ومتكافئة مع الولايات المتحدة. كما أن قدرتها على إلحاق ضرر إستراتيجي حاسم بإسرائيل محدودة ومكلفة ومحفوفة بالمخاطر. لذلك تلجأ إلى أدوات أخرى: الصواريخ، الطائرات المسيّرة، الوكلاء، التهديد البحري، الحرب النفسية، واستهداف البنية الاقتصادية أو محيطها الأمني. هنا تظهر الطرائق. الطريقة الإيرانية لا تقوم بالضرورة على ضرب القوة العسكرية الأمريكية مباشرة، بل على ضرب البيئة التي تجعل الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي ممكنين: منشآت الطاقة، الموانئ، الناقلات، الممرات البحرية، وثقة الأسواق في أمن الإمدادات. فالتهديد لا يكون فقط ضد قاعدة عسكرية، بل ضد منظومة كاملة تقوم عليها حركة التجارة والطاقة والاستثمار. أما الغايات، فهي متعددة. من الخطأ اختزالها في غاية واحدة فقط. نعم، هناك محاولة واضحة لاستخدام الضغط على الاقتصاد العالمي كورقة إستراتيجية، خصوصاً عبر التهديد غير المباشر لأمن الطاقة وسلاسل الإمداد. لكن هذه ليست الغاية الوحيدة. هناك أيضاً غاية أعمق تتصل بمحاولة فرض الهيمنة الإقليمية، وإضعاف دول الخليج، ورفع تكلفة استقلال قرارها السياسي والأمني. وهنا تصبح الأرقام مهمة. فإذا كانت غالبية الهجمات الإيرانية أو المرتبطة بإيران في المنطقة موجهة نحو دول الخليج، وإذا كانت النسبة تقترب من 85 % بحسب قراءة بعض البيانات، فإن ذلك يفتح سؤالاً تحليلياً مهماً: هل كانت هذه الهجمات فعلاً مجرد رسائل إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، أم أن دول الخليج نفسها كانت ساحة الاستهداف الأساسية؟ هنا تساعدنا أداة الغايات والوسائل والطرائق على تجاوز الخطاب المعلن إلى قراءة السلوك الفعلي. فلو أخذنا التصريحات كما هي، سنقول إن إيران تستهدف المصالح الأمريكية. لكن لو نظرنا إلى نمط الأفعال، سنرى أن دول الخليج تقع في قلب الضغط الإيراني. والسبب واضح: الخليج ليس مجرد جغرافيا مجاورة، بل هو مركز ثقل اقتصادي عالمي، ومصدر رئيسي للطاقة، وممر حيوي للتجارة، وشريك أساسي في استقرار الأسواق. لذلك فإن استهداف الخليج، أو تهديد أمنه، لا يبقى شأناً إقليمياً محدوداً، بل يتحول سريعاً إلى تهديد للاقتصاد العالمي. بهذا المعنى، العدوان الإيراني على دول الخليج ليس مجرد فعل عسكري منفصل وهي بالفعل أداة إستراتيجية مركبة. غايته الأولى هي الضغط على دول الخليج ومحاولة فرض ميزان قوة إقليمي يميل لصالح طهران. وغايته الثانية هي إرسال رسالة للعالم بأن أمن الاقتصاد العالمي لا يمكن فصله عن حسابات إيران ومطالبها. وغايته الثالثة هي تعويض ضعف القدرة على المواجهة المباشرة مع القوى الكبرى عبر استهداف نقاط الضعف في النظام الإقليمي والدولي. هذه الأداة تساعدنا أيضاً على عدم الانخداع باللغة السياسية. فالدول قد تستخدم شعارات كبرى، لكنها تتحرك وفق حسابات قدرة وكلفة ومخاطر. ومن لا يستطيع مواجهة القوة العسكرية مباشرة، قد يهاجم الثقة. ومن لا يستطيع كسر التحالفات عسكرياً، قد يحاول إنهاكها اقتصادياً وأمنياً. ومن لا يستطيع فرض الهيمنة عبر التفوق التقليدي، قد يحاول فرضها عبر الفوضى والتهديد المستمر. لذلك، فإن قراءة الإستراتيجية تحتاج إلى ما هو أبعد من متابعة الأخبار. نحتاج إلى أدوات تحليلية تجعلنا نسأل: ما الغاية؟ ما الوسائل المتاحة؟ وما الطريقة المستخدمة؟ وعندما نجيب عن هذه الأسئلة، نكتشف أن كثيراً مما يبدو عشوائياً أو انفعالياً هو في الحقيقة جزء من منطق إستراتيجي، حتى لو كان منطقاً خطيراً ومدمراً. وفي الأسابيع القادمة، يمكن أن نتطرق لأدوات تحليلية أخرى لفهم سلوك الدول والجماعات، لأن السياسة لا تُقرأ فقط من التصريحات، بل من البنية العميقة للأفعال. أما البداية، فهي أن نتذكر دائماً أن الإستراتيجية ليست ما تقوله الدولة عن نفسها، بل ما تكشفه العلاقة بين غاياتها ووسائلها وطرائقها.

تمجيد الفاشلين في الوعي العربي

هناك خلل عميق في جزء من الوعي السياسي العربي يتمثل في القدرة المستمرة على تمجيد الفشل، وتحويل الهزيمة إلى بطولة، والكوارث إلى صمود، وبقاء الأنظمة فوق أنقاض شعوبها إلى «انتصار تاريخي». هذا الخلل لا يتعلق...

خشايارشا وإيران الحديثة: قراءة للثقاقة الإستراتيجية العابرة للأجيال

يروي جون لويس غاديس في كتابه On Grand Strategy قصة خشايارشا، ملك فارس الذي عبر الدردنيل بجيش لا يُحصى ليغزو اليونان قبل 2500 سنة. لم يكن الرجل ضعيفاً، بل واثقاً من قوة جيشه إلى حدّ...

حين لا يأتي الدعم.. قراءة هادئة في فجوة التوقعات الخليجية

في الحرب الأخيرة، كان كثير من أبناء الخليج ينتظرون شيئا لم يأت. لم يكن انتظارا ساذجا، بل بدا في حينه بديهيا: أن العمق العربي سيتحرك سياسيا، أو اقتصاديا، أو حتى رمزيا بما يتجاوز البيانات المكتوبة...

فلسطين وحل الدولتين: نهاية التوظيف

في النقاش حول مستقبل القضية الفلسطينية، يُطرح حل الدولتين غالباً كخيار أخلاقي وبراغماتي قابل للتنفيذ. لكن الأهم اليوم هو فهمه كتحول إستراتيجي في بنية الإقليم، لا مجرد تسوية سياسية. فقيام دولة فلسطينية مستقلة ضمن إطار...

هَسْبَرة الحرس الثوري

في هذه الحرب، أثبتت دول الخليج قدرتها على الدفاع عن أراضيها وشعبها، إذ تصدت لغالبية الهجمات الايرانية الغاشمة وحافظت على استقرار الحياة اليومية وسلامة المواطنين والمقيمين. غير أن ساحة أخرى لا تقل أهمية ما تزال...

كيف تُزعزع إسرائيل وإيران استقرار الشرق الأوسط؟

في يونيو 2025، أطلقت طهران وابلاً من الصواريخ نحو قطر، أُسقط معظمها بفضل منظومات الدفاع الجوي المتكاملة. ثم جاء العدوان الإسرائيلي الأشد وقاحةً: أول هجوم عسكري إسرائيلي مباشر على عاصمة خليجية، حين استهدفت طائرات حربية...