alsharq

راشد المهندي - زميل غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية

عدد المقالات 9

الخليج ووسط آسيا: جمعنا التاريخ والدين وفرَّقنا الاستعمار والصراع الإمبريالي

08 يونيو 2026 , 10:28م

شاركتُ مؤخراً في حوار ترمذ، وهو فعالية سنوية تُعقد في طشقند، وتهدف إلى بحث آفاق التعاون الاقتصادي والثقافي والاتصال بين وسط وجنوب آسيا. وفي نسخة هذا العام برز توجه واضح لإضافة مشاركين من الدول العربية، وبالأخص من دول الخليج، إدراكاً لأهمية هذه الدول في الرؤى المستقبلية لجمهوريات وسط آسيا. وقد سُمّي الحوار باسم مدينة ترمذ الواقعة على الحدود الأفغانية الأوزبكية، وهي المدينة المرتبطة في الذاكرة الإسلامية بالإمام الترمذي، بما يحمله الاسم من دلالة حضارية تتجاوز الجغرافيا والسياسة. والحقيقة أن العلاقة بين وسط آسيا وشبه الجزيرة العربية ليست طارئة ولا مستحدثة، فقد بدأ التداخل التاريخي مع الفتوحات الإسلامية، ثم استمر عبر قرون طويلة كامتداد ثقافي وتجاري ومعرفي، لا بالضرورة في إطار دولة واحدة، بل في فضاء حضاري واسع جمع العلماء والتجار والرحالة والدين والأسواق. قبل توسع الإمبراطورية الروسية، كانت المسافة بين بخارى وسمرقند وترمذ من جهة، والحجاز والخليج من جهة أخرى، أقصر مما تبدو عليه في خرائط اليوم السياسية. لكن الاستعمار والصراع الإمبريالي أعادا رسم الخريطة، لا فقط بحدود جديدة، بل بدوائر معلوماتية ونفسية مختلفة. أصبح الخليج ينظر إلى العالم غالباً من خلال الدوائر العربية والغربية، بينما بقيت جمهوريات وسط آسيا، بحكم التاريخ القريب والجوار والنفوذ اللغوي والإعلامي، أقرب إلى الدائرة الروسية. ولهذا لا تكفي الدبلوماسية الرسمية وحدها لإعادة بناء العلاقة؛ فالمطلوب هو وصل الدوائر البشرية والثقافية والإعلامية بين المنطقتين. اليوم تقف دول الخليج ودول وسط آسيا أمام فرصة إستراتيجية كبيرة، فوسط آسيا يمكن أن تكون إحدى السلال الغذائية المستقبلية للخليج، بما تنتجه من قمح وفواكه وخضراوات عالية الجودة، وبما تمتلكه من أراضٍ وموارد بشرية وخبرات زراعية. في المقابل، تمتلك دول الخليج الطاقة، والأسمدة الكيميائية، ورأس المال الاستثماري، والأسواق، والخبرة في بناء البنية التحتية والخدمات اللوجستية. كما يمكن لوسط آسيا أن تكون مصدراً مهماً للعمالة الماهرة والمنضبطة، في وقت تبحث فيه اقتصادات الخليج عن تنويع قاعدتها البشرية والإنتاجية. غير أن التحدي الأكبر يبقى لوجستياً وجيوسياسياً، فإيران تمتد جغرافياً بين الخليج ووسط آسيا، وهذا كان يمكن أن يكون جسراً طبيعياً، لكنه يتحول في ظل السياسات الإيرانية الحالية والوضع السياسي الإيراني إلى عقدة إستراتيجية. لذلك يجب ألا تُبنى العلاقة الخليجية مع وسط آسيا على طريق واحد أو رهان واحد. المطلوب البحث عن بدائل متعددة: الاستثمار في قدرات الشحن الجوي، وتطوير الممرات البرية، ودعم مشاريع الاتصال القائمة، وعلى رأسها مشروع سكة حديد أوزبكستان–أفغانستان–باكستان، بما يسمح بوصول البضائع إلى موانئ مثل كراتشي أو جوادير ومنها إلى الخليج. وهناك تحدٍ ثالث لا يقل أهمية: فجوة المعرفة المتبادلة، لا يعرف الخليجيون كثيراً عن مجتمعات وسط آسيا، ولا يعرف كثير من أبناء وسط آسيا ما يكفي عن التحولات الاقتصادية والثقافية في الخليج. لذلك يجب أن تنتقل العلاقة من مستوى الزيارات الرسمية إلى مستوى بناء الروابط الإنسانية: برامج ثقافية، تبادل طلابي، مراكز بحثية مشتركة، منتديات شبابية، تعاون إعلامي، وترجمة متبادلة للأفكار والكتب والدراسات. فالعلاقات التي تصمد ليست تلك التي تُكتب في البيانات فقط، بل التي تُبنى بين الناس، في الجامعات والأسواق والمراكز الثقافية وغرف التجارة. إن ما يجمع الخليج ووسط آسيا أكبر مما فرّقه التاريخ الحديث. جمعنا الدين، والتجارة، والذاكرة، وطرق العلم، وفرّقنا الاستعمار، والإمبراطوريات، والخرائط الجديدة. واللحظة الراهنة قد لا تتكرر بسهولة؛ فوسط آسيا تبحث عن تنويع شراكاتها، والخليج يبحث عن عمق آسيوي جديد يتجاوز الطاقة والاستثمار التقليدي. وإذا كان الماضي قد وصل بين المنطقتين دون خطط كبرى أو مؤسسات حديثة، فإن الحاضر يفرض علينا أن نعيد وصل ما انقطع، ولكن هذه المرة بوعي إستراتيجي، ومصالح واضحة، ومشاريع قابلة للتنفيذ. إن لم نستغل هذه الفرصة الآن، فقد نجد بعد سنوات أن غيرنا سبقنا إلى بناء الجسور التي كان يفترض أن نبنيها نحن.

التحالفات الذكية في زمن الفوضى

لا تقوم الاستراتيجيات الدفاعية للدول الصغيرة والمتوسطة على القوة العسكرية وحدها. فالدولة التي تريد حماية أمنها وسيادتها في بيئة إقليمية مضطربة تحتاج إلى مزيج واسع من الأدوات: قدرة عسكرية تقليدية، ارتباط عميق بالاقتصاد العالمي، قوة...

الغايات والوسائل والطرائق: كيف نقرأ الإستراتيجية؟

في السياسة، كما في الحرب، لا يكفي أن نسأل: ماذا حدث؟ بل يجب أن نسأل: لماذا حدث؟ وبأي أدوات؟ ولأي غاية؟ كثير من التحليل السياسي يتوقف عند الحدث الظاهر: صاروخ أُطلق، منشأة استُهدفت، تصريح صدر،...

تمجيد الفاشلين في الوعي العربي

هناك خلل عميق في جزء من الوعي السياسي العربي يتمثل في القدرة المستمرة على تمجيد الفشل، وتحويل الهزيمة إلى بطولة، والكوارث إلى صمود، وبقاء الأنظمة فوق أنقاض شعوبها إلى «انتصار تاريخي». هذا الخلل لا يتعلق...

خشايارشا وإيران الحديثة: قراءة للثقاقة الإستراتيجية العابرة للأجيال

يروي جون لويس غاديس في كتابه On Grand Strategy قصة خشايارشا، ملك فارس الذي عبر الدردنيل بجيش لا يُحصى ليغزو اليونان قبل 2500 سنة. لم يكن الرجل ضعيفاً، بل واثقاً من قوة جيشه إلى حدّ...

حين لا يأتي الدعم.. قراءة هادئة في فجوة التوقعات الخليجية

في الحرب الأخيرة، كان كثير من أبناء الخليج ينتظرون شيئا لم يأت. لم يكن انتظارا ساذجا، بل بدا في حينه بديهيا: أن العمق العربي سيتحرك سياسيا، أو اقتصاديا، أو حتى رمزيا بما يتجاوز البيانات المكتوبة...

فلسطين وحل الدولتين: نهاية التوظيف

في النقاش حول مستقبل القضية الفلسطينية، يُطرح حل الدولتين غالباً كخيار أخلاقي وبراغماتي قابل للتنفيذ. لكن الأهم اليوم هو فهمه كتحول إستراتيجي في بنية الإقليم، لا مجرد تسوية سياسية. فقيام دولة فلسطينية مستقلة ضمن إطار...

هَسْبَرة الحرس الثوري

في هذه الحرب، أثبتت دول الخليج قدرتها على الدفاع عن أراضيها وشعبها، إذ تصدت لغالبية الهجمات الايرانية الغاشمة وحافظت على استقرار الحياة اليومية وسلامة المواطنين والمقيمين. غير أن ساحة أخرى لا تقل أهمية ما تزال...

كيف تُزعزع إسرائيل وإيران استقرار الشرق الأوسط؟

في يونيو 2025، أطلقت طهران وابلاً من الصواريخ نحو قطر، أُسقط معظمها بفضل منظومات الدفاع الجوي المتكاملة. ثم جاء العدوان الإسرائيلي الأشد وقاحةً: أول هجوم عسكري إسرائيلي مباشر على عاصمة خليجية، حين استهدفت طائرات حربية...