alsharq

راشد المهندي - زميل غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية

عدد المقالات 6

تمجيد الفاشلين في الوعي العربي

18 مايو 2026 , 11:41م

هناك خلل عميق في جزء من الوعي السياسي العربي يتمثل في القدرة المستمرة على تمجيد الفشل، وتحويل الهزيمة إلى بطولة، والكوارث إلى صمود، وبقاء الأنظمة فوق أنقاض شعوبها إلى «انتصار تاريخي». هذا الخلل لا يتعلق بحدث سياسي واحد، بل أصبح نمطاً متكرراً في فهم القوة والقيادة والمقاومة والدولة. في هذا الوعي، لا يُطرح السؤال الأهم: هل أصبحت الدولة أفضل؟ هل أصبح الإنسان أكثر أمناً؟ هل أصبح المجتمع أكثر ازدهاراً؟ هل حافظت القيادة على مقدرات البلد؟ بل يُختزل كل شيء في سؤال فقير وخطير: هل بقي النظام؟ فإذا بقي النظام، ولو فوق الخراب، قيل إنه انتصر. وإذا نجا الزعيم، ولو تراجعت الدولة، قيل إنه صمد. وإذا دفع الشعب ثمن مغامرة القيادة، قيل إنها «تضحيات». وهنا يظهر الخلط بين الاستراتيجية وخطة الطوارئ. فالاستراتيجية ليست مجرد النجاة من السقوط، بل نقل الدولة من حالة إلى حالة أفضل: أمنياً، واقتصادياً، وسياسياً، واجتماعياً. أما خطة الطوارئ فهي قدرة النظام على تقليل الخسائر المباشرة، أو منع الانهيار الكامل بعد وقوع الكارثة. لذلك، عندما يقال إن نظاماً ما «صمد»، يجب أن نسأل: هل صمدت الدولة أم صمد النظام؟ وهل نجا المجتمع أم نجا جهاز السلطة؟ هذا الخلط ظهر بوضوح في بعض القراءات العربية لما حدث في إيران. فهناك من نظر إلى بقاء النظام الإيراني، أو استمرار قدرته على الخطاب والتحدي، باعتباره دليلاً على نجاح استراتيجي. لكن السؤال الحقيقي مختلف: هل خرجت إيران أقوى؟ هل أصبحت أكثر أمناً؟ هل حافظت على مؤسساتها وقدراتها العسكرية والصناعية؟ هل أصبح الإنسان الإيراني في وضع أفضل؟ الإجابة الواضحة: لا. ولا يمكن فصل هذا الفشل عن السياسات الإيرانية تجاه المنطقة خلال العقود الماضية. فمنذ الثورة، تبنت طهران مشروعاً يقوم على تصدير الثورة، والتدخل في شؤون الدول، وبناء شبكات ميليشياوية عابرة للحدود، واستخدام العواصم العربية كساحات نفوذ ومواجهة. لذلك، فإن ما حدث لإيران من استنزاف واختراقات وفشل عسكري ليس حادثاً منفصلاً عن سياستها الإقليمية، بل نتيجة لمسار طويل من تحويل الدولة الإيرانية إلى مشروع مواجهة دائم مع محيطها والعالم. حين تبني دولة أمنها على تهديد أمن الآخرين، فإنها لا تصنع عمقاً استراتيجياً حقيقياً، بل تصنع شبكة مخاطر تعود في النهاية إلى الداخل. عندما تتعرض دولة لاختراقات عميقة، وتُستنزف بنيتها العسكرية والصناعية، وتدخل في أزمة داخلية وخارجية، فإن هذا لا يسمى نجاحاً استراتيجياً. قد يكون النظام نجح في إدارة خطة طوارئ لحماية نفسه، لكنه فشل في حماية الدولة. والفرق كبير بين حماية النظام وحماية الوطن. في الحالة الإيرانية، كما في حالات عربية كثيرة قبلها، لم تكن الأولوية للإنسان، ولا للمجتمع، ولا للاقتصاد، بل لبقاء السلطة وشبكاتها الأمنية والعسكرية. ومع ذلك، نجد في بعض الوعي العربي خارج دول الخليج ميلاً إلى تمجيد إيران بوصفها «صامدة»، لا لأنها نقلت شعبها إلى حالة أفضل، بل لأنها لم تسقط بالكامل. وهذا يكشف خللاً عميقاً في تعريف القوة. فالقوة ليست أن تجر شعبك إلى المواجهة ثم تطلب منه التصفيق لأن النظام لم يمت. القوة أن تحمي الإنسان، وتصون الدولة، وتمنع الكارثة، وتبني مستقبلاً أفضل. وهذه الظاهرة ليست جديدة. رأيناها مع صدام حسين، الذي أدخل العراق في حروب وحصار وانهيار، ومع ذلك ظل يُقدَّم عند البعض كرمز للصلابة. ورأيناها مع معمر القذافي، الذي أضعف مؤسسات ليبيا وحوّل الدولة إلى امتداد لشخصه، ثم تُرك المجتمع بلا دولة متماسكة بعد سقوطه. ورأيناها مع بشار الأسد، حيث دُمّرت سوريا، وهُجّر الملايين، وتآكلت السيادة، ومع ذلك سُمّي ذلك «صموداً». في كل هذه الحالات، جرى تحويل الفشل إلى بطولة، والخراب إلى دليل على الثبات. القاسم المشترك بين هذه النماذج ليس الشجاعة، بل تحويل الدولة إلى درع للنظام. الإنسان يصبح وقوداً، والاقتصاد يصبح أداة، والمؤسسات تصبح ملحقاً بالسلطة، والمجتمع يصبح مادة دعائية. ثم يأتي جزء من الوعي العربي ليمنح هذا كله أسماء جميلة: صمود، مقاومة، كرامة، تحدٍّ. بينما الحقيقة أبسط وأقسى: هذه قيادات فاشلة أدخلت مجتمعاتها في الوهن والدمار. قد يكون جزء من هذا الوعي مرتبطاً بصدمات تاريخية عميقة: الاستعمار، الهزائم العسكرية، الإذلال السياسي، فقدان السيادة، والتدخل الخارجي. وكما أشار فرانز فانون في «معذبو الأرض»، فإن الاستعمار لا يترك وراءه حدوداً سياسية جديدة فقط، بل يترك أيضاً جروحاً نفسية واجتماعية في وعي الشعوب. هذه الجروح قد تجعل بعض المجتمعات تبحث عن رموز انتقامية أكثر من بحثها عن قيادات بنّاءة. من هنا، قد يصبح الزعيم الذي يرفع صوته في وجه الخارج بطلاً، حتى لو كان في الداخل يضعف المؤسسات ويقمع المجتمع ويقود الدولة إلى الهاوية. يصبح الصوت العالي بديلاً عن الإنجاز، وتصبح العداوة المعلنة بديلاً عن بناء الدولة، ويصبح الفشل مقبولاً إذا قُدّم بلغة المواجهة والمقاومة. المطلوب اليوم هو إعادة تعريف النجاح السياسي في الوعي العربي. النجاح ليس أن يبقى الحاكم، بل أن تبقى الدولة. النجاح ليس أن يصرخ النظام، بل أن يأمن المواطن. النجاح ليس أن تدخل حرباً ثم تعلن أنك لم تُهزم، بل أن تمنع الحرب، أو تديرها بأقل كلفة، أو تخرج منها ودولتك أقوى لا أضعف. فالأمم لا تنهض وهي تصفق لمن أضعفها. ولا تنتقل إلى حالة أفضل وهي تعيد تسمية الهزائم انتصارات. تمجيد الفاشلين ليس خطأً في التحليل السياسي فقط؛ إنه مرض في الوعي. وشفاء هذا المرض يبدأ من سؤال بسيط: هل جعل هذا الخيار حياة الناس أفضل، أم جعلهم وقوداً لفشل جديد؟

خشايارشا وإيران الحديثة: قراءة للثقاقة الإستراتيجية العابرة للأجيال

يروي جون لويس غاديس في كتابه On Grand Strategy قصة خشايارشا، ملك فارس الذي عبر الدردنيل بجيش لا يُحصى ليغزو اليونان قبل 2500 سنة. لم يكن الرجل ضعيفاً، بل واثقاً من قوة جيشه إلى حدّ...

حين لا يأتي الدعم.. قراءة هادئة في فجوة التوقعات الخليجية

في الحرب الأخيرة، كان كثير من أبناء الخليج ينتظرون شيئا لم يأت. لم يكن انتظارا ساذجا، بل بدا في حينه بديهيا: أن العمق العربي سيتحرك سياسيا، أو اقتصاديا، أو حتى رمزيا بما يتجاوز البيانات المكتوبة...

فلسطين وحل الدولتين: نهاية التوظيف

في النقاش حول مستقبل القضية الفلسطينية، يُطرح حل الدولتين غالباً كخيار أخلاقي وبراغماتي قابل للتنفيذ. لكن الأهم اليوم هو فهمه كتحول إستراتيجي في بنية الإقليم، لا مجرد تسوية سياسية. فقيام دولة فلسطينية مستقلة ضمن إطار...

هَسْبَرة الحرس الثوري

في هذه الحرب، أثبتت دول الخليج قدرتها على الدفاع عن أراضيها وشعبها، إذ تصدت لغالبية الهجمات الايرانية الغاشمة وحافظت على استقرار الحياة اليومية وسلامة المواطنين والمقيمين. غير أن ساحة أخرى لا تقل أهمية ما تزال...

كيف تُزعزع إسرائيل وإيران استقرار الشرق الأوسط؟

في يونيو 2025، أطلقت طهران وابلاً من الصواريخ نحو قطر، أُسقط معظمها بفضل منظومات الدفاع الجوي المتكاملة. ثم جاء العدوان الإسرائيلي الأشد وقاحةً: أول هجوم عسكري إسرائيلي مباشر على عاصمة خليجية، حين استهدفت طائرات حربية...