


عدد المقالات 81
يحيا العالم العربي أزمات متتابعة، إسقاط أنظمة، وصعود جماعات مسلحة، وحروب وصراعا طائفيا، وإلى غير ذلك من الأزمات الثقيلة. تعب المراقب العربي من ازدياد هذه الأزمات واستطالتها، ويبدو الأمر وكأن «جيفة» الاستبداد التي تم تحريكها عن مكانها في عام الثورات العربية 2011، أثارت، ولا تزال، روائح كريهة لا تنتهي، لأوضاع مختلة أسسها الاستبداد وثبت أوضاعها. تعبت الناس وهي تراقب، وهي محتاجة إلى أصحاب الحلول، مّمن ينظّرون ويخبرون الأمور. تتعاظم الحاجة إلى المثقفين، ممن يساهمون في تنوير الناس حول الأحداث وأسبابها، ويساهمون في تحسين شروط مجتمع المعرفة الذي يحياه الناس اليوم. لكن ماذا لو كان المثقفون نفسهم في أوضاع متأزمة؟ أولى العلل التي يحياها المثقف اليوم هي أنه مثقف مرتبط بالوضع القائم، فهو موظف وأكاديمي يحرص على أكل لقمة عيشه، ويتجنب النقد الذي قد يثير عليه أشخاصا ومؤسسات وأنظمة لها تأثير قد يطال حياته. تستطيع اليوم ملاحظة هذا الكم الهائل من الدارسين والمتخصصين الذين تمتلء بهم جامعاتنا، والذين تخرجوا في هذه الجامعات من أصحاب الدراسات العليا، والتخصصات الإنسانية، ولا تجد لهم أثرا أو دورا في الإنتاج المباشر لمجتمعاتهم والتفاعل معها. تم اختزال دورهم في عملية إنتاج لطلاب مثلهم يبحثون عن الشهادة والوظيفة فقط. أواخر الثمانينيات، كتب المفكر اليساري الأميركي راسل جاكوبي، كتابه «آخر المثقفين: الثقافة الأميركية في عصر الأكاديميا»، وكان موضوعه الحديث عن تضاؤل وجود المثقف العام، والمفكر الناقد الحر، والذي يحتاجه الشأن العام دوما للقتال في قضاياه، وبروز دور المثقف الأكاديمي. يعلق نادر كاظم على الأخير بالقول «نموذج هذا المثقف الخصوصي يتمثل بأستاذ جامعي متخصص منغلق على نفسه وتخصصه، ولا يستهويه التعاطي مع العالم خارج حدود قاعة التدريس... وغرضه الأساسي من الكتابة هو الترقي الأكاديمي لا التغيير الاجتماعي أو السياسي». علة أخرى تكمن في اندماج المثقف مع الصراع القائم كلاحق له، وليس كصانع لأوجه الصراع التي تستحق. الصراعات السائدة في العالم العربي تم تأسيسها على بنية جاهلة، وأوضاع استبداد، استبدت بالمعرفة قبل أي شيء آخر. لذا ومنذ سنوات ما زلنا نرى نفس السؤال: لم لا ينتقد المثقف الشيعي الجماعات الشيعية، ولم لا ينتقد الإسلامي الجماعات الجهادية! لست في محل اجتهاد وعظي، لأخبر بما «يفترض» و «ينبغي»، لكن من الجدير ملاحظة أن الأوضاع الثقافية القائمة، ومنها مسائل الطائفية والتشدد، هي أحوال مستقرة للوضع القائم وتمثل في ذاتها مشكلة، ولا بد للمثقف من إطار ناقد وواع يحكم أفكاره، ولا يجعلها تنتج من ذات المسار. إن تزايد الصراعات واشتعالها بشكل متجدد في دولنا العربية يعود إلى طبيعة التعوّد الاجتماعي القائم، الذي أسسه الاستبداد، وهو طبع يعمل على إعادة إنتاج ذات المشاكل، عبر ذات العقلية. في كتابه «في البدء كان الصراع»، يذكر خلدون النقيب أن العقلية التآمرية لدى العرب تصور «استهداف العرب، كأمة وجماعة دينية، على أنه صراع حياة أو موت، أي صراع من أجل البقاء. وبذلك تخلط هذه الطريقة في التفكير بين التنافس «الطبيعي»، والصراع الاعتيادي بين الحضارات والجماعات الإثنية، وبين الصراع الذي يكون مجموعه صفراً. فليس كل أنواع الصراع صراعات إبادة، حيث إن ما يكسبه خصم، هو بالضبط ما خسره الخصم الآخر». الثقف يعني الظفر في اللغة. وفي صراع اليوم، صراع الأفكار والآراء الحادة، والطبائع والنفوس المشدودة، يكون الظفر بالرأي الأنسب والأصلح هو جوهر المعرفة. فحياة الأفراد والمجتمعات تحتاج إلى التيسير والتحفيز والتحريك. المثقف، كما يرى الجابري، هو في جوهره ناقد اجتماعي، ويتجلى عمله الأكيد في «المساهمة في تجاوز العوائق التي تقف أمام بلوغ نظام اجتماعي أفضل، نظام أكثر إنسانية وعقلانية». قد يوصف هذا المثقف بأنه خيالي لا يعيش واقع الناس، وبأنه متمرد، وهذا من الطبيعي والمتوقع، فالمثقف يواجه سلطة المسؤول، وسلطة المجتمع، وسلطة انسحابه إلى التطبيع مع ما هو قائم. • Azizf303@gmail.com
قبل أيام تم بث الحلقة الأخيرة من برنامج «في العمق» على قناة الجزيرة، بعد إطلالة البرنامج الأسبوعية منذ العام 2009، وعلى مدى سبع سنوات. حين قدمت إلى العمل في البرنامج قبل سنوات، كان الأمر صعبا،...
أجدادنا في السابق كان الكثير منهم مبادرين في تدبر وكسب قوتهم، في أمر مشابه لمن يسمون اليوم بالأنتروبنورز، أو رواد المشاريع والمعتمدين بشكل جدي على ذواتهم. تدبر المعاش والرزق كان مهمة يومية جادة. وبعد تشكل...
لأول مرة يُسقط الكونجرس الأميركي فيتو لأوباما، وذلك في تصويت مجلس الكونجرس الأميركي حول قانون «العدالة مع رعاة الإرهاب» المسمّى جاستا JASTA. تمرير هذا القانون بلا شك سيعمل على زعزعة علاقة متينة بين البلدين استمرت...
السلوفيني سلافوي جيجك يعتبر تقريبا أهم فيلسوف يساري على قيد الحياة. حظي جيجك القادم من شرق أوروبا بشهرة متصاعدة نظير نقديته العالية التي تضرب في المقام الأول في الأوضاع القائمة في الغرب. وجرأة كتابات جيجك...
الشبكات الاجتماعية حقول متنوعة، ساعدت الناس على الانطلاق، ونشر الرأي والمعلومة، ودعمت ظهور الأفكار وحرية التعبير عنها. لكن يبقى بعد كل هذا المدح الذي تم سبكه لأجل الشبكات الاجتماعية، أن نتدارك الأمر قليلا، ونعرف أن...
بعد مقتل استراتيجي تنظيم الدولة والمتحدث باسمها، أبي محمد العدناني، الأسبوع الماضي، يستمر مسلسل خسارات تنظيم الدولة، فبجانب خسارة الأراضي والمقاتلين، وقطع خطوط الإمداد عليه، قُتل أكثر من عشرة قياديين بارزين للتنظيم في مجلس الشورى...
ذاكرة البشر محدودة وقصيرة، وإن كانت هذه الذاكرة مشغولة بالكراهية فماذا سيبقى منها لصنع حاضر أفضل؟ حضور الكراهية الدائم في الذهن يعني إعادة إنتاج الواقع وفق تصور هذه الذاكرة، وهذا يصعب الأمر خصوصا على المجتمعات...
مفهوم النظام الأبوي (البطرياركي) في علم الاجتماع، يقصد به المجتمع السلطوي، ذلك المجتمع الذي ينبني على الخضوع لمن هو في الأعلى دوما. أتت التسمية من تشبيه هذه العقلية بسيطرة الأب في العائلة، حيث يكون الأب...
الفرق بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، إن أردنا التبسيط، هو في التفريق بين المجتمع الذي اخترته، والمجتمع الذي كان معك منذ ولادتك ولم يكن لك خيار فيه. القبيلة والطائفة مثلا محسوبة على المجتمع الأهلي، لأنها...
تصدير الديمقراطية سلعة أميركية، والانقلاب عليها أيضا سلعة أميركية بامتياز. في النصف الثاني من القرن العشرين، كان الملف الأميركي واضحاً في دعم الانقلابات حول العالم، ويعدد ويليام بلوم في كتابه «قتل الأمل»، ما يقارب أربعين...
في العادة، لا يذهب الناس عميقا في نقاشاتهم الجماعية أو الثنائية، لأنهم يخشون النقد ويتجنبونه. حضور النقد قد يأخذ الحديث إلى منحى آخر، وإلى هجوم متبادل وصراع. وفي عالم الإنترنت اليوم، كثرت الأحاديث وصراعات الرأي...
لا تكمن ميزة الديمقراطية في أنها فقط قد تحقق للمرء ما يريد، بل أيضاً أنها تعوّد المرء على قبول ما لا يريد. في عام 2008 حين قدم أوباما للسلطة في الولايات المتحدة، أذكر أن طالبا...