


عدد المقالات 283
بعد أكثر من ربيعين مرا على «الربيع العربي» تتقدم تلك البلاد مترنحة نحو مستقبل ينظر إليه قسم من الناس على أنه النصف الفارغ من الكأس. فيما يوجد أيضاً من يرى فيه النصف الملآن. لكن الجميع يقرون بصعوبة الأوضاع الاقتصادية التي طحنت الطبقة المتوسطة على وجه الخصوص وبدأت تجذب إلى القاع طبقة كانت إلى وقت قريب تعتقد أنها بمنأى عن الصعوبات المعيشية. ومهما اختلف الناس في تقييم نتائج «الربيع العربي» فإنهم يتفقون على أن الحياة اليومية باتت متعسرة أكثر مما مضى. وهو ما يستوجب حلولا اقتصادية إبداعية من الذين تصدروا سدة الحكم عن معرفة مسبقة أو عن جهل بالتبعات السياسية لذلك. لكننا إلى حد الآن. ما زلنا نرى ونشهد الحكومات المستجدة تتبع نفس أنماط التنمية التي كانت تأنس لها أنظمة الحكم البائدة تقريبا. بل إننا كثيرا ما رأينا مشاريع تنموية وضع حجر أساسها السابقون وقص أشرطة تدشينها اللاحقون... مما قد يحدو بالبعض للتساؤل عن الإضافة التي أتت بها هذه الحكومات. عدا الحرية والديمقراطية التي لا تزال بدورها في ميزان الزمن. لكن دعنا نسلم جدلا بأن الحكومات الجديدة نجحت في تغيير «البنية الفوقية» لمجتمعاتها عن طريق حقن الحياة العامة بمفاهيم وممارسات سياسية جديدة. بعضها مستوحى من الأيديولوجيا وبعضها مستنسخ من دول العالم المتقدم.. إلا أن ذلك لم يطعم الناس خبزا، ولم يعط الجمهور أكثر من لذة عابرة تأتي وتمضي بعد متابعة حماسية لمناظرة تلفزيونية. أو بعد ضحك حتى الاستلقاء على القفا من كاريكاتير يستهدف رؤوس الدولة التي كانت في حكم المقدس قبل الآن. أستذكر هنا بالضرورة نظرية المفكر الشيوعي الشهير «كارل ماركس» التي تعطي الأولوية التامة للبنية التحتية (علاقات الإنتاج) على البنية الفوقية (الفكر والأيديولوجيا). وهي نظرية اقتصادية تقنية صرفة يمكن لها أن تستقيم في المجتمعات الرأسمالية. بصرف النظر عن أن صاحبها قد اخترعها في ذلك الزمان لإنجاح المشروع الشيوعي. إلا أن الملاحظ بوضوح أن حكومات «الربيع العربي» –برغم اجتهادها– لم تنجح بعد في تحريك علاقات الإنتاج (البنية التحتية) وتوجيهها نحو الرفاه الذي كانت تأمله تلك المجتمعات من وراء انتفاضاتها على الحكام السابقين.. وفي المقابل يظهر بوضوح أيضاً أن الحكومات الجديدة –وهي إسلامية التوجه في معظمها- بدت وكأنها تحاول إعطاء الأولوية إلى الفكر والأيديولوجيا (البنية الفوقية)، مستأنسة في ذلك بنظرية «الماركسية بعد ماركس» لصاحبيها «بيار ومونيك فافر» الذي يسرد أمثلة عن تأثير معاكس يمكن أن تلعبه (البنية الفوقية) على (البنية التحتية).. وأيضاً نظرية الفيلسوف الفرنسي «ريجيس دوبري» الذي أوضح في كتابه «نقد العقل السياسي» أن تأثير (البنية الفوقية) قد يكون فاعلا على (البنية التحتية) أحيانا، مستدلا على ذلك بعودة بعض المجتمعات إلى الأصوليات الدينية المختلفة. ومن بينها الثورة الإيرانية والصهيونية وسواهما. قد يشطح بنا الخيال وتذهب الفرضيات بعيدا لدى محاولة استشراف النمط الاقتصادي الذي اختارته الحكومات المستجدة في بلاد «الربيع العربي»، إن كانت اختارت فعلا. لكن الأجدى بها سيكون استنباط النمط الذي يلائم مجتمعاتها وهو تحريك علاقات الإنتاج وتنشيطها بأساليب مبدعة لا تزال في متناول يدها. وليس أقلها عقد صلح سريع مع مئات رجال الأعمال الذين تلاحقهم شبهات الفساد –عن حق وعن باطل– بإبرام اتفاقات علنية معهم لإنجاز مشاريع تنموية عاجلة في المناطق المهمشة. حتى وإن بدت ربحيتها غير جاذبة في البدايات. وذلك مقابل قلب صفحة التوجس المتبادل. وفتح أخرى تعجل بمصالحات وطنية شاملة في إطار من العدالة والشفافية، ودرءا لكل شبهات قد تلحق بعض رموز الحكم الجديد تحت عنوان إعادة إنتاج الفساد!
كنت أقول في هذا الموقع قبل بضعة شهور إن الخمسينيين وحتى الأربعينيين يغبطون الرئيس التونسي التسعيني على حيويته الفكرية والجسدية -نسبياً- وهو يتحدى عامه الثالث والتسعين، لكنني لا أعلم على وجه الدقة إن كانوا يغبطونه...
بعد الخميس جاء يوم الجمعة، وبعد 17 يناير أطلّ يوم 18 يناير، ولم تتوقف الأرض عن الدوران في تونس، بسبب الإضراب العام في قطاع الوظيفة العمومية، بل استمرت الحياة عادية، رغم نجاح الإضراب الذي قاده...
لم تكن لوحة الفنان الإيطالي «ليوناردو دا فينشي» التي سمّاها «العشاء الأخير» أقل إثارة للجدل في تونس من «العشاء الأخير» الذي جمع مساء الثلاثاء الماضي الشيخ راشد الغنوشي بـ «الشيخ» الباجي قايد السبسي، بعد جفاء...
كعادتهم السنوية «المقدّسة»، ينتظر فريق من التونسيين قدوم شهر يناير بفائض من الشوق، وينتظر فريق آخر انجلاءه بفارغ الصبر، فشهر يناير في هذه البلاد غير ما هو متعارف عليه في بلاد العالم الأخرى، حيث يهرب...
رغم أنها دانت لرئيس الحكومة يوسف الشاهد أو كادت، لا يزال المشهد موارباً في تونس، ويستعصي على فهم أكثر المراقبين التصاقاً بتفاصيله. كان منتظراً من يوسف الشاهد في إطلالته مساء الجمعة، بعد طول صمت، أن...
في لمح البصر، عادت حركة «النهضة» التونسية للمربع الأول، وهي التي كابدت من أجل تحسين صورتها على مدى السنوات الثماني الماضية. فقد كان يكفي أن يظهر رئيسها وزعيمها التاريخي منذ أربعين سنة، راشد الغنوشي، ظهوراً...
كثيرون هم من يحسدون الرئيس التسعيني الباجي قايد السبسي على حيويته الذهنية، بل يراه البعض «أسطورة ديناصورية» لم يَجُد بها الزمن إلا لماماً. وقد قال يوم الخميس الماضي إنه «آخر الكبار» ممن مد الله في...
عدا الضجيج اليومي الذي يذكّر بما يصدر عن سرك مفتوح في تونس، هناك حدث جلل لم يجانب الصواب من وصفه بالحدث «التاريخي»، بل لعله التطور السياسي الأبرز على الساحة العربية والإسلامية منذ ارتدادات زلزال سقوط...
تهتز الساحة السياسية التونسية بشدة على مشارف سنة انتخابية ساخنة ومحددة لمن سيمسك بصولجان السلطة لعدة سنوات قادمة.. من ذلك انصهار الحزب «الحاكم» نظرياً (نداء تونس) مع الحزب الرابع في نتائج انتخابات 2014 (الاتحاد الوطني...
كان التونسيون في غاية الحاجة إلى كلمات الرئيس الفرنسي في قمة الفرنكوفونية بأرمينيا، وهو يعلي في نبرة صوته بـ «أن تونس فخر لنا»، قبل أن يكيل مزيداً من المديح لرئيسها «الشجاع» الباجي قايد السبسي، وإلى...
خلال ساعات من الآن، سنرى إن كانت السكاكين المشحوذة على مدار الأيام الماضية قد ارتدّت عن رقبة يوسف، أم أن إخوته سيجهزون عليه ليعودوا إلى أبيهم جذلين. في تونس، بلغ التشويق أشده بشأن رئيس الحكومة...
من المفترض أن يتحدد خلال الأسبوع المقبل مصير يوسف الشاهد، وهل سيواصل مهامه كرئيس للحكومة التونسية حتى 2019 موعد الاستحقاق الانتخابي الرئاسي والتشريعي، أم أنه سيكون كفاية عليه بقاؤه في منصبه ذاك سنة و9 أشهر،...