التحرك الكارثي.!!
24 يوليو 2014 , 02:20م
اعتبرت في مقال سابق لي، مع بدء العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، أن مجرد الصمت المصري على تلك الأعمال ضد الإنسانية، هو مشاركة مفضوحة في العدوان والتآمر على الشعب الفلسطيني، ومع استمرار العمليات، وتزامنا مع تحركات سياسية من دول وجهات عديدة، زادت الأدلة والبراهين على أن هناك توجها مصريا جديدا، يحكم موقفه من الصراع العربي الإسرائيلي. فقد تخلت القاهرة عن دورها التاريخي في ذلك الصراع، وعن دعمها للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والتي كانت سمة أساسية لكل الأنظمة في مصر مع اختلاف توجهاتها. فكل الشواهد أن مصر أصبحت أكثر انحيازا، وللأسف إلى المعسكر الآخر، المعادي لتطلعات وحقوق الشعب الفلسطيني، كما أن التوجه الجديد يكرس نوعية جديدة من العلاقات مع الشأن الفلسطيني، الذي كان يحافظ على مسافة معقولة من كل التنظيمات الفلسطينية، رغم الخلاف مع حماس، والتبني التاريخي لحركة فتح، ما سمح لها أن تكون الوسيط المقبول في كل اتفاقيات المصالحة بين الفصائل.
ولعل تتابع الأحداث يكشف عن العديد من الشبهات التي تحوم حول الموقف المصري، من العدوان الإسرائيلي الأخير، على الشعب الفلسطيني في غزة، وفي المقدمة الإهمال الشديد والبطء المتعمد في التعامل مع الأزمة، منذ اللحظة الأولى، ويبدو الأمر خاضعا لفكرة سادت في دوائر صنع القرار في مصر من أن عملية الجرف الصامد، ستكون نزهة للجيش الإسرائيلي، خاصة أنها جاءت وفقا لتلك الرؤية، في ظل ظروف صعبة لحركة حماس، واعتقاد واسع بأنها تعيش أسوأ حالاتها منذ نشأتها، وكان التصور المصري أنها أيام ويستطيع الجيش الإسرائيلي القضاء على القدرات المحدودة للحركة، والعجيب أن مصر الدولة لم تتحرك باتجاه فتح المعبر -على سبيل المثال- بشكل محدود جداً، وبعد أيام من العدوان الإسرائيلي سوي بطلب من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، وكأنها في حاجة إلى من يذكرها بواجبها الإنساني تجاه شعب مسلم وجار، وفتح المعبر لساعات، وتم إغلاقه يوم الجمعة -ويا لا المأساة- باعتباره إجازة في مصر، كما أن مصر الدبلوماسية لم تتحرك سوى «لإبراء الذمة» وليس بحثا عن حل.
وكان التحرك المصري كارثيا بكل المقاييس، فقبل اجتماع الوزراء مباشرة، تم تسريب بنود ما قيل إنها مبادرة مصرية، لم يتم التشاور كما جرت العادة مع دول عربية فاعلة، وكأن الهدف من ذلك التوقيت هو البحث عن مظلة، وإطار عربي داعم لها.
وهناك روايتين لآليات التوصل إلى تلك المبادرة، وأسباب التحرك المصري الكارثي:
الأولى، من السلطة الفلسطينية وعلى لسان الرئيس محمود عباس، ذكرها أثناء زيارته القاهرة نهاية الأسبوع الماضي، في لقائه مع عدد من ممثلي النخبة المصرية، وكنت أحد حضور اللقاء، عندما كشف عن أنه هو من اتصل بالرئيس عبدالفتاح السيسي وطلب منه التحرك، وقال لنا بالحرف الواحد: «طلبت منه أن يبادر بإيجاد حل»، إذن لم تكن المبادرة رغبة، أو نابعة من شعور مصري بالمسؤولية التاريخية بل بطلب من السلطة.
أما عن الرواية الثانية، فهي إسرائيلية، وتم تسريبها عبر الإعلام، الذي يتم استخدامه كإحدى أدوات السياسة الخارجية الإسرائيلية، وقد قدم معلومات متكاملة حول زيارة غير معلنة، قام بها مدير المخابرات المصرية محمد مختار التهامي إلى تل أبيب في الأيام الأولى للعدوان، كما كشف عن اتصال بين نتنياهو والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي. المعلومة الوحيدة التي خرجت من القاهرة عن وجود مبعوث أمني إسرائيلي رفيع المستوى زار مصر، في نهاية الأسبوع الماضي، ما يجعلنا أمام احتمالين كلاهما مر.
الأول: هو أن المبادرة المصرية هي بالأساس رؤية إسرائيلية، ويدعم هذا الاحتمال الموافقة السريعة عليها من الطرف الإسرائيلي، كما لو كانت من بنات أفكاره، أو على الأقل تحقق متطلباته وتنحاز إليه، وهذا ما قلته للرئيس محمود عباس، عندما تحدث عن أن قبول إسرائيل السريع بالمبادرة أحرج الجميع.
والثاني: أن مصر قررت أن تنسق مع أحد طرفي النزاع دون الآخر، ويدعم ذلك ما تمت الإشارة إليه من حماس وبقية الفصائل الفلسطينية، من أنها علمت بالمبادرة من الإعلام، ولم يتم التنسيق معها قبل الإعلان عنها.
وأياً كانت الأبعاد التي تبدو للوهلة الأولى شكلية، رغم أنها تدخل في صميم القضية، فقد كانت المبادرة كارثية بكل المقاييس، وحظيت بانتقادات واسعة، وملاحظات عديدة، ولم تلب المتطلبات الفلسطينية، أو تقدم شيئا يقابل حجم التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني في غزة منذ بداية العدوان، ومنها أنه تعامل مع القاتل والجلاد، وفي الجانب الآخر الضحية، كما لو كانوا سواء، عندما تحدث عن وقف العمليات العدائية من الطرفين، وجمع بذلك بين العدوان الإسرائيلي والدفاع المشروع عن النفس، كما أنه اعتبر أن عملية وقف إطلاق النار، هو إنجاز وهدف في حد ذاته، دون حديث عن استحقاقات ما بعد ذلك، وعندما تحدث عن فتح المعابر، وهو أحد وليس كل المطالب الفلسطينية المشروعة، ربطها بتوافر الظروف الأمنية، وأتاح الفرصة له والجانب الإسرائيلي إغلاق المعابر بحجة عدم توافر تلك الظروف، كما أن المبادرة مثلت تراجعا كبيرا عن ما تم إنجازه في اتفاق التهدئة عام 2012، رغم عدم التزام إسرائيل بتعهداتها أيضاً في ذلك الاتفاق.
ولعل رفض فصائل المقاومة المبادرة المصرية أربك السيناريو الموضوع بالمساهمة بتوفير أجواء خروج آمن وسهل للطرف الإسرائيلي الذي تورط في عملية عسكرية، يدرك قبل غيره أنه لن يخرج بانتصار فيها، كما أن الأداء القتالي الرفيع والكشف عن قدرات جديدة للمقاومة، أسهم في مزيد من ذلك الارتباك، للأطراف الثلاثة، تل أبيب، والقاهرة، والسلطة الوطنية الفلسطينية، ما دفع القاهرة إلى التعامل مع تمرير المبادرة كما لو كانت معركة، لا بد من الانتصار فيها، وبدأت اتصالات واسعة للترويج لها، وسعت الدبلوماسية المصرية إلى خلق ساحة معركة جديدة بالحديث عن محاولة إجهاضها من كل من قطر وتركيا، بالاتفاق مع حماس، رغم أن محمود عباس كان واضحا في لقائه مع رموز النخبة المصرية قبل جولته التي نقلته إلى تركيا والبحرين وقطر، ونقل عن الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، قوله في الاتصال الذي تم بينهما، أن «الدور الأساسي في أي تحرك هو لمصر»، والإشارة إلى أنه ليس هناك مبادرة قطرية أو تركية، ولكن نقل لمطالب الطرف الفلسطيني، وتبنٍّ له.
ولم تكن حماس بعيدة عن مرمى «المدفعية الدبلوماسية المصرية» بتحميلها مسؤولية استمرار العمليات، ونزيف الدم الفلسطيني، كما لو كان الشهداء الفلسطينيون يتساقطون بفعل أسلحة حماس وليس آلة الحرب الإسرائيلية، وهذا ما يظهر من تصريحات وزارة الخارجية، يضاف إلى ذلك الرد المصري العنيف على ما تم الإعلان عنه من تحفظ حماس على دعوة خالد مشعل لزيارة القاهرة إذا كانت المباحثات ستتم على قاعدة المبادرة المصرية فقط، ونفت القاهرة تقديم الدعوة من الأصل، رغم أن الدعوة تم توجيهها عبر وسيط، وهو الأمين العام للجامعة العربية الدكتور نبيل العربي.
وبعد، كم كنا نتمنى لو يكن هناك دور مصري من الأصل بدلا من أن تتحول القاهرة، إلى «سلم «يستخدمه نتنياهو في النزول من على «شجرة العدوان»، الذي لم ولن يحقق أهدافه.