الحصاد المُر..!!
24 أبريل 2014 , 12:00ص
عدة أسابيع، وإذا سارت الأمور كما هو مخطط لها، فسيكون لمصر رئيس جديد، هو الثاني في أقل من عامين، بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية، والأهم أنها ستضع نهاية للمرحلة الانتقالية التي تم الإعلان عنها في 3 يوليو الماضي، وقيل يومها إنها ستستمر 9 أشهر، ولن نجادل في مدى التزام الأطراف التي أعلنت عن خارطة المستقبل، والتي حكمت تحركات تلك الفترة بما ألزمت به نفسها، فالمحصلة تبدو محدودة، ومعظم البنود قيلت للاستهلاك المحلي ومخاطبة العالم الخارجي، ومحاولة استمالته للقبول بالتغيير الذي حدث في مصر، وإبعاد فكرة أنه انقلاب، واعتباره ثورة شعب دعمها الجيش المصري، ولم يتم تنفيذ الكثير، ولعل الشواهد تؤكد أن التقييم النهائي لتلك الفترة يبدو حصادا مُرا، ونتوقف عند بعض تلك الشواهد:
أولاً: إنها الفترة الأكثر دموية في تاريخ مصر، حيث تمت استباحة الدم المصري، وعندما نتحدث هنا عن الضحايا، فلا نفرق بين الذين سقطوا أثناء التظاهرات، والاحتجاجات والاعتصام، وبين رجال الأمن أو القوات المسلحة، فكلهم مصريون، دماؤهم محرمة، والجميع ضحايا لصراع سياسي، قد لا يكون لهم «ناقة ولا جمل» فيه، فهم بين من يمارس حقه في المعارضة والتظاهر السلمي وهو ما تكفله المواثيق والمعاهدات الدولية، والثاني يؤدي واجبه، ومعظمهم من جنود الأمن المركزي الذي يعاني من فترة تجنيد إجباري، ويتمنى أن يرى اليوم الذي يعود إلى أرضه التي يزرعها. كما أن الأرقام تؤكد أن التاريخ المصري لم يشهد تلك الأعداد من القتلى، البعض يتحدث عن أكثر من ثلاثة آلاف، والمصابين والأرقام تتحدث عن أكثر من 26 ألفا، والمعتقلين والمتداول أنهم ما بين 15 و25 ألفا، بالإضافة إلى تقديم ألفين منهم فقط للمحاكمة.
رغم مرور مصر بظروف حروب خاضتها ضد إسرائيل في 1967 وحرب 1973، كما سبق لها أن مرت بأزمات سياسية، وصراعات حزبية، ومنها الصدام بين نظام عبدالناصر والإخوان المسلمين في عامي 1954 و1965، كما سبق للرئيس السادات أن قام باعتقالات واسعة شملت كل ألوان الطيف السياسي في مصر في سبتمبر عام 1981، كما أن مصر دخلت في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، في مواجهات استمرت سنوات مع الإرهاب، وكان هناك ضحايا وقتلى من الطرفين، دون أن تكون أرقام الضحايا كما هي عليه في تلك الفترة الممتدة من 3 يوليو الماضي. والغريب أن اثنين من الرؤساء السابقين يحاكمان بتهمة قتل المتظاهرين أثناء ثورة يناير 2011 بالنسبة للرئيس مبارك، والمتظاهرين عند الاتحادية في ديسمبر من عام 2012 بالنسبة للرئيس محمد مرسي، دون أن يتم توجيه الاتهام لأحد، في تلك الأعداد غير المسبوقة من القتلى خلال المرحلة الانتقالية.
ثانياً: تجميع السلطات التنفيذية والتشريعية في يد الرئيس المؤقت دون وجود أي معارضة لذلك، ولعلنا نتذكر جميعا أن جبهة الإنقاذ بدأت في الظهور والعمل ككتلة موحدة للمعارضة منذ قيام الدكتور محمد مرسي بإصدار الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012، واتهم الرجل يومها بممارسة أبشع أنواع الديكتاتورية والجمع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وتحصين قراراته، بل إن البعض ما زال يردد تلك المقولات رغم أن الدكتور محمد مرسي تراجع وتخلى عنه، يومها خرجت المظاهرات والاعتصامات، ولم يتوقف أحد ليسأل نفسه: وماذا عن حقيقة ما يجري منذ 3 يوليو وحتى الآن؟ أصدر الرئيس المعين عدلي منصور غير المنتخب من الجماهير، إعلانا دستوريا أسوأ أو على الأقل مماثلا لما أصدره الدكتور محمد مرسي دون أن يعترض أحد، ولما ظهرت بعض الانتقادات على استحياء، حسم المتحدث العسكري للقوات المسلحة الجدل، دون أن نعرف ما علاقته بالقضية! مؤكداً أنه لن يتم تعديل حرف واحد من الإعلان، فسكت الجميع. مارسَ رئيس الجمهورية المؤقت والمعين رئاسة السلطتين التنفيذية والتشريعية، دون أن يظهر انتقاد. أصدر الرئيس المعين العديد من القوانين، وبعضها ذات طابع حيوي وغاية في الأهمية، دون أن ينطق أحد أو تعترض أي جهة، ومنها القانون الخاص بمباشرة الحقوق السياسية، وانتخابات رئاسة الجمهورية! وكأن على رؤوسهم الطير. يقوم بتعديل قانون الإجراءات الجنائية ويصدر قانونا للتظاهر، وفي الطريق آخر للإرهاب، دون أن نسمع أي معارضة، وسبحان مغير الأحوال، لم يعد هناك أشاوس، كما اختفى المناضلون من على الساحة، وهم من كانوا يَعدون للدكتور محمد مرسي أنفاسه.
ثالثا: صحيح أن مصر لم تشهد أبدا أجواء لحرية الإعلام على مدى تاريخها، ولكن مسألة التضييق على الحريات كانت بنسب متفاوتة، وفقا للظروف السياسية التي تمر بها البلاد، ولكن حصاد المرحلة الانتقالية جسّد فكرة أنها أكثر المراحل انتهاكا لحرية الإعلام وتداول المعلومات، فرغم أن خريطة المستقبل تضمنت بندا عن ذلك، ولكن قبل أن يجف المداد الذي كتب به، تم إغلاق كل الفضائيات الدينية، التي كانت مؤيدة لحكومة الدكتور محمد مرسي، دون أمل في أن تعود، وتم إغلاق صحيفة حزب الحرية والعدالة لأسباب واهية، دون أن نسمع كلمة واحدة من الذين اعتادوا تصديع رؤوسنا حول الحريات العامة والإعلام، وتم استهداف الصحافيين وسقط بعضهم شهداء دون أي اهتمام من نقابتهم، فهم من المعارضين، رغم أنهم «أقاموا الدنيا ولم يقعدوها» عند استشهاد الحسيني أبو ضيف المصور في صحيفة الفجر الخاصة، بينما سقط أمثال أبو ضيف الكثير دون كلمة من باب «سد الذرائع» من نقابة الصحافيين، أو منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني.
رابعا: صحيح أن الكل يدرك تماماً حجم المشاكل الاقتصادية التي تمر بها مصر، والتي وصلت إلى أن يصفها نظام مبارك الذي يحكمها طوال 30 عاما بأنها «خرابة»، رغم معدلات التنمية المرتفعة التي كانت تصل إلى %7، لكن الأمر هنا مرتبط بطبقة رجال الأعمال التي استفادت من تلك المعدلات التي لم يكن لها أي تأثير على قطاعات عريضة من الشعب المصري. وصحيح أيضاً أن الكل يدرك أن أي نظام سيحكم مصر ستنتقل له تركة مثقلة بالأعباء وميراث ثقيل متراكم منذ عشرات السنين، ورغم ذلك فلم يصبر المصريون على تجربة الدكتور محمد مرسي واتهموه بالفشل، رغم بقائه عاما في السلطة وسط صراعات سياسية، الكثير منها مفروض ومخطط لإعاقة الرجل، وتمت عملية لخلط الأوراق في محاولة لاستثمار تلك الأزمات سياسيا وتزداد الأمور سوءا، دون أن يتم التركيز عليها من الإعلام كما حدث، ومن ذلك أزمة انقطاع الكهرباء، والتي قيل إن أحد أسبابها تصدير وتهريب السولار إلى غزة، وما زالت الأزمة مستمرة دون أي اهتمام إعلامي، بل هناك دعوة للجماهير للتحمل وترشيد الاستهلاك، وهناك نية لارتفاع أسعار الطاقة ورفع الدعم عنها دون أن يتم تحميل المسؤولية للنظام الحالي الذي فشل بشكل ذريع.
وبعد هذه الحصيلة والحصاد المر لتلك المرحلة الانتقالية التي قاربت على الانتهاء، فهل هناك من يفهم أو يتعظ؟ سنترك الحكم للتاريخ!!