alsharq

ياسر الزعاترة

عدد المقالات 611

«القرصان».. التاريخ بروح الرواية ونكهة السياسة

23 نوفمبر 2011 , 12:00ص

في واحدة من أجمل الروايات التاريخية، يعيد الكاتب القطري عبدالعزيز آل محمود كتابة حقبة من تاريخ منطقة الخليج على نحو روائي وإبداعي متميز. ففي روايته الأولى التي سمّاها (القرصان)، وصدرت حديثا عن مؤسسة «بلومزبري» –مؤسسة قطر للنشر- يفتح آل محمود صفحة بالغة الأهمية والتعقيد من صفحات التاريخ في منطقة، ستغدو من أهم منابع الثروة في العالم (النفط والغاز)، بعد أن كانت لها أهميتها الكبيرة أيضا في سياق خطوط التجارة الخاصة بالإمبراطورية البريطانية، والتي تربط الهند التي يحكمها الإنجليز (حيث شركة الهند الشرقية) وبين موانئ العالم في آسيا وإفريقيا وصولا إلى أوروبا. وفي حين يقدم لنا الكاتب تأريخا رائعا لتلك الحقبة معجونا بنكهة السياسة وتحالفاتها وتعقيداتها وتناقضاتها، الأمر الذي يمنح القارئ فكرة بالغة الأهمية عما جرى، وعن الكثير من قضايا التاريخ والجغرافيا والسياسة والاستعمار وسياسته التقليدية في نهب الأطراف لصالح المركز، فإنه لا يفعل ذلك على نحو يجعل من الرواية كتابا في التاريخ، بل يقدمه بحلة روائية مبدعة تشد القارئ وتدفعه دفعا نحو التهام الرواية كما لو كانت وجبة رائعة، أو كما لو كانت قصة رومانسية أو بوليسية يتابع فصولها وصولا إلى التعرف على خاتمتها. لا شك أنها معالجة التاريخ القديم بروحية روائية من دون تزوير في وقائعه العامة وبعض التفصيلية أحيانا ليست أمرا سهلا بحال، فكيف حين تفعل ذلك على نحو يشد القارئ ويمتعه في آن؟! في هذه الرواية يبدو عبدالعزيز آل محمود كما لو كان يكتب فيلما روائيا أو مسلسلا دراميا. ولست أبالغ إذا قلت إن الرواية تستحق أن تكون مسلسلا دراميا سيشد المشاهدين إذا أحسن إخراجه، ولو كتبت من زاوية نظر غربية لتحولت من دون شك إلى فيلم بإنتاج ضخم. نقول ذلك لأننا إزاء رواية تستكمل شروطها الدرامية كاملة، فيما لا يبخل الكاتب علينا بوصف حساس ومرهف لسائر التفاصيل الجغرافية والطبيعية والبشرية، وصولا إلى المشاعر الإنسانية في تحولاتها المختلفة، ولكل شخوص الرواية من إنجليز وعرب وهنود وجنسيات أخرى. في خيطها الدرامي لتتبع وقائع التاريخ في هذه المنطقة الحساسة من العالم مع مطلع القرن التاسع عشر، تبدأ الرواية من تحرك السفينة «إيدين» من ميناء «بلايموث» الإنجليزي في مهمة سرية وحساسة بقيادة القبطان «لوخ» سنعرف فيما بعد أنها مخصصة لملاحقة القرصان الشهير «أرحمة بن جابر» الذي يتحرك في منطقة الخليج مهددا خطوط التجارة الخاصة بالإمبراطورية البريطانية، أقله من وجهة نظر استعمارية، فيما تركز الجهود البريطانية في جانب آخر منها على محاصرة المد الوهابي في الجزيرة العربية، وذلك عبر محاولة استدراج إبراهيم باشا للتحالف معهم بعد إغرائه بهدية ثمينة هي سيف ذهبي مرصع بالجواهر يرسله له الحاكم البريطاني في بومبي، ولتحدث المفاجأة بوقوع السيف في قبضة (ابن جابر) بعد مهاجمته للسفينة البريطانية التي تحمله في عرض البحر. بعد ذلك تبدأ المشاهد تتحرك تباعا من بومبي في الهند إلى عُمان إلى البحرين إلى الإحساء والدمام في السعودية مرورا بميناء «أبو شهر» الإيراني وعدد من حواضر الخليج مثل قطر ورأس الخيمة وخورفكان، لتتواصل اللعبة التي تكشف لنا مخططات الإمبراطورية البريطانية للسيطرة على هذه المنطقة عبر حروب مع قبائلها وتحالفات مع بعض رموزها وضرب بعضهم ببعض، وصولا إلى إخضاع الجميع وإقناعهم باستخراج النفط الذي تزخر به أرضهم ومياههم. مع حكاية القرصان «أرحمة بن جابر»، ومطاردته من قبل البريطانيين ومطاردته لهم، هو الخارج أصلا على أبناء عمومته (آل خليفة في البحرين) بسبب احتقارهم له، ومن خلال التحالف مع صديقه «ابن عفيصان» المتحالف بدوره مع الوهابيين والمهيمن عمليا على البحرين رغم وجود آل خليفة فيها، ومن خلال شبكة العلاقات التي يقيمها البريطانيون مع سائر الفرقاء. من خلال ذلك كله نقرأ صفحات بالغة الأهمية من التاريخ في حلة مدججة برصد تحولات الحس الإنساني، مع الكثير من تحليل الألاعيب السياسية، بما في ذلك فلسفة العلاقات الدولية وعلاقات الشعوب بعضها ببعض، وكل ذلك في خط درامي لا يترك القارئ يذهب بعيدا قبل أن يصل إلى نهاية الرواية. من المؤكد أننا إزاء تاريخ حساس ومجهول الصفحات بالنسبة للقطاع الأكبر من الناس، بمن فيهم أبناء تلك المنطقة. نقول ذلك حتى لا يعتقد البعض أننا نقلل من أهمية البعد التاريخي في الرواية، لكننا نؤكد أننا إزاء عمل لا يتعلق بالتاريخ فقط، وإنما بسائر الأبعاد الإنسانية التي تتخلل العملية التاريخية بخاصة في المراحل المهمة، وفي العلاقات المعقدة بين الاستعمار وشعوب المناطق المستهدفة بالنهب والتقسيم ونوايا إدامة السيطرة. بقراءتنا للرواية نتأكد أننا إزاء عمل رائع لا بد أنه استهلك من الكاتب جهودا مضنية من البحث في عشرات الكتب والمخطوطات ليخرج لنا بهذا العمل الإبداعي الذي ينقلنا إلى أجواء تلك الحقبة كما لو أننا نشاهد فيلما سينمائيا كلف مئات الملايين صرفت على بناء المعالم التاريخية وتصميم الملابس وسائر الديكورات التي تعكس أجواء تلك الحقبة. ذكرتني رواية آل محمود برواية يوسف زيدان (عزازيل) التي نالت جائزة البوكر العربية 2009، وبالطبع من زاوية تشابههما في الجمع بين الروائي والتاريخي. وأعتقد أن (القرصان) تستحق أن تنال ذات الجائزة، بل إننا لا نبالغ إذا قلنا إنها بطبعتها الإنجليزية (بعد ترجمتها المتوقعة) تبدو جديرة بنيل جائزة «البوكر» البريطانية.

عن كتاب «قراءة استراتيجية في السيرة النبوية»

هناك إشكالية كبرى واجهت وما زالت تواجه القراءة الإسلامية التقليدية للسيرة النبوية في أبعادها السياسية والعسكرية أو الاستراتيجية، وتتمثل في حصر الأمر في الأبعاد الإيمانية وحدها دون غيرها، وجعل التقدم والتراجع، والنصر والهزيمة، محصوراً فيها؛...

ما هو أسوأ من مخطط الضمّ

ها نحن نتفق مع صائب عريقات، مع أننا كثيراً ما نتفق معه حين يتحوّل إلى محلل سياسي، رغم أن له دوراً آخر يعرفه جيداً، وإن كانت المصيبة الأكبر في قيادته العليا التي ترفض المقاومة، وهي...

فقراء العرب بعد «كورونا» والأسئلة الصعبة

أرقام مثيرة تلك التي أوردتها دراسة نشرت مؤخراً للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا)، بشأن الفقر في المنطقة العربية، والتباين الطبقي فيها. قالت الدراسة إن مجموع الثروة التي يملكها أغنى 31 مليارديراً في المنطقة؛ يعادل...

ترمب في شهور الهذيان.. ماذا سيفعل؟

منذ ما قبل فوزه بانتخابات الرئاسة، يمثّل ترمب حالة عجيبة في ميدان السياسة، فهو كائن لا يعرف الكثير عن السياسة وشؤونها وتركيبها وتعقيدها، وهو ما دفعه إلى التورّط في خطابات ومسارات جرّت عليه سخرية إعلامية...

عن «كورونا» الذي حشرنا في خيار لا بديل عنه

الأربعاء الماضي؛ قال الدكتور مايك رايان، المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ بمنظمة الصحة العالمية، إن فيروس كورونا المستجد (كوفيد - 19)، «قد لا ينتهي أبداً»، و»قد ينضم إلى مزيج من الفيروسات التي تقتل الناس في جميع...

بين ساسة التطبيع وصبيانه.. والصهينة أحياناً

بين حين وآخر، تخرج أنباء من هنا وهناك تتحدث عن لقاءات تطبيعية عربية من العيار الثقيل، ثم يتم تداولها لأيام، قبل أن يُصار إلى نفيها (أحياناً)، والتأكيد على المواقف التقليدية من قضية الشعب الفلسطيني. هناك...

مشروع التصفية الذي لم يوقفه «كورونا»

في حين تنشغل القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية بقضية «كورونا» على نحو أكثر تشدّداً من الدول الأخرى (عقدة الدولة قبل تحرير الأرض هي أصل المصائب!)؛ فإن سؤال القضية الأساسية للشعب الفلسطيني يتأخر قليلاً، لولا أن...

أيهما يتفوّق: «كورونا» المرض أم «كورونا» الاقتصاد؟

الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو، يقيل وزير الصحة؛ وذلك بعد خلافات بينهما حول جدل «الاقتصاد أم الأرواح». حدث ذلك رغم ما حظي به الوزير من شعبية واسعة في البلاد، بسبب مكافحة تفشّي وباء فيروس كورونا. ترمب...

عن أسئلة «كورونا» وفتاواه

منذ أسابيع و»كورونا» هو شاغل الدنيا ومالئ الناس، ولا يتقدّم عليه أي شيء، وتبعاً لذلك تداعياته المحتملة على كل دولة على حدة، وعلى الوضع الدولي بشكل عام. وإذا كانت أسئلة المواجهة بشكل عام، ومن ثَمّ...

عن الرأسمالي الجشع والمواطن الفقير في زمن «كورونا»

ماطل ترمب كثيراً في اتخاذ أي إجراء في مواجهة «كورونا» من شأنه أن يعطّل حركة الاقتصاد، ولولا ضغوط الدولة العميقة لواصل المماطلة، لكنه اضطر إلى التغيير تحت وطأة التصاعد المذهل في أعداد المصابين والوفيات، ووافق...

«كورونا» والدول الشمولية.. ماذا فعلت الصين؟

في تحقيق لها بشأن العالم ما بعد «كورونا»، وأخذت من خلاله آراء مجموعة من الخبراء، خلصت مجلة «فورين بوليسي» الشهيرة إلى أن العالم سيكون بعد الجائحة: «أقل انفتاحاً، وأقل حرية، وأكثر فقراً». هي بشارة سوء...

عن «فتح» من جديد.. أين الآخرون؟

نواصل الحديث عن حركة «فتح» أكثر من «حماس» التي اختلفنا معها حين خاضت انتخابات السلطة 2006، وكذلك إثر الحسم العسكري في القطاع رغم مبرراته المعروفة، والسبب أن الضفة الغربية هي عقدة المنشار في مشهد القضية...