شبهات حول الفض!!
23 أغسطس 2014 , 02:30ص
عام كامل مر على الذكرى الأولى للحدث الأبرز والغير المسبوق في تاريخ مصر الحديثة، ونقصد به مذبحة رابعة العدوية، ونحن لا نبالغ عندما نطلق عليها تلك الصفات، فلم يسبق أن شهدت مصر مثل تلك الاعتصامات والاحتجاجات السلمية، بتلك الأعداد، طوال تلك الفترة، ولم يسبق لمصر أن شهدت مثل هذه الجريمة البشعة، التي سقط في إثرها الآلاف من الشهداء والجرحى، وتم إيداع أعداد مهولة في السجون، نتيجة خلاف سياسي، حول قضية دعم الشرعية، وعدم الاعتراف بأحداث 3 يوليو، واعتقال وعزل رئيس شرعي منتخب بشكل ديمقراطي وعبر إرادة شعبية، شهد لها العالم، رغم أن مصر لم تخل أبداً من خلافات سياسية مشابهة، وفي أزمنة مختلفة، منها المواجهات بين عبدالناصر والإخوان المسلمين، في 1954 و1965، وفي عهد السادات في سبتمبر 1981، قبل شهر من اغتياله، وحتى أيام مبارك التي راوحت الأمور مكانها، ما بين مد وجزر في العلاقة بين السلطة وجماعة الإخوان المسلمين.
ولقد كان النظام في ذلك الوقت، يعول على الزمن في إنهاء هادئ للوضع هناك، ولكن خاب ظنهم، عندما تجمعت مئات الآلاف، من كل الأعمار، والانتماءات السياسية، منددين بالانقلاب العسكري، ومطالبين بعودة الرئيس الشرعي محمد مرسي، وكانت الأجهزة الحكومية تنتظر كل يوم أن يفقد الكثيرون حماسهم، ويتخلوا عن مواقفهم، خاصة مع ظروف الطقس الصعبة، وارتفاع درجة الحرارة إلى معدلات عالية في شهري يوليو وأغسطس، واللذين توافقا مع شهر رمضان بكل طقوسه، وصعوبة إتمام الصيام في الشوارع والميادين، مع عدم استبعاد المواجهات مع المتظاهرين، الذين سقط منهم العشرات أثناء تلك الفترة، أمام الحرس الجمهوري، وعند المنصة في منطقة قريبة من مكان الاعتصام الأكبر. وكانت المفاجأة المذهلة للنظام أن الأعداد في تزايد ومن جماعات سياسية، هي أبعد ما تكون عن الإخوان ومن أنصارهم، بل إن بعضهم بحكم قلة الخبرة السياسية، أو بفعل الحملات المنظمة من الدولة العميقة، ضد نظام الدكتور محمد مرسي، تورط وشارك في مظاهرات 30 يونيو، ولكن أذهله مسار الإحداث، والتي كرست استعادة المؤسسة العسكرية لنفوذها، وتأثيرها التاريخي منذ 1952.
كما ظهرت القدرة التنظيمية للمشرفين على الاعتصام، من خلال توفير مستلزمات المعيشة لكل تلك الأعداد، وتحولت مواعيد الإفطار والسحور إلى موائد جماعية، شارك فيها الكل كل على قدر استطاعته، وتحول الاعتصام إلى أماكن للعبادة، وأداء صلاة التراويح والقيام، ودروس دينية، وخطب سياسية، ووصل الأمر إلى خلق مناسبات ترفيهية للمعتصمين، وبعض المعتصمات قمن بإعداد بسكويت، وكعك عيد الفطر من العام الماضي، ولعل الملاحظة الجديرة بالانتباه، ذلك الانضباط في التحركات، وحماية المنشآت العامة والخاصة، فالميدان تحيط به منطقة سكنية كبيرة وممتدة، لم يصدر من أحدها شكوى في حق معتصم، وهناك منشآت ذات أهمية خاصة، للقوات المسلحة ولوزارة الداخلية، ومنها مبنى المقر العام لوزارة الدفاع في شارع الطيران، ومبنى أحد المصانع الحربية التابعة للهيئة العربية للتصنيع، ومبنى المخابرات العسكرية المتاخم للميدان في شارع النصر، ومبنى الإدارة العامة للمرور، التابعة لوزارة الداخلية، ومستشفى تابع للقوات الجوية، كل تلك المقرات الحكومية ظلت في أمان كامل، دون أن تكون هناك ولو محاولة واحدة، ولو على سبيل الخطأ، لمجرد المساس بها، أو عرقلة عملها، أو اعتراض العاملين بها، ومع ذلك كله تعرض المعتصمون إلى حرب نفسية غير مسبوقة، عبر إلقاء منشورات تحذيرية من الطائرات، المرة الوحيدة كانت أمام نادي الحرس الجمهوري، والذي تم احتجاز الدكتور محمد مرسي فيه خلال الفترة الأولى، رغم ذلك فإن الآلاف يحاكمون منذ ذلك التاريخ، بالتورط في أحداث عنف ملتبسة ومجهولة المصدر، تمت في العديد من المدن والمناطق، في أعقاب فض رابعة أو أثنائها، رغم قدرة المعتصمين على استهداف، أو التأثير على عمل تلك المنشآت الحيوية.
وقد تعرض الاعتصام والمعتصمون في رابعة العدوية إلى حملات تشويه ممنهجة، تم الإعداد لها وبعناية شديدة، من أجهزة مختلفة لها باع كبير في ذلك المجال، في إطار الإساءة والنيل من ذلك الحدث، ونتوقف عند بعض النماذج، التي ثبت أنها مجرد أكاذيب، لا أساس لها من الصحة، ومنها:
- ما تم تداوله إعلاميا وبصورة واضحة عن وجود ترسانة من الأسلحة داخل الميدان، وصلت حملة الأكاذيب إلى الادعاء بنصب مدافع مضادة للطائرات على أسطح بعض العمارات، دون أن يتوقف أحد ليسأل أين هي؟ ولماذا لم يتم رصدها، والطائرات المروحية تحلق بشكل منتظم فوق الاعتصام ليل نهار، ووصل الأمر إلى الحديث عن وصول أسلحة كيماوية مهربة من سوريا إلى الميدان، دون أن يسأل أحد كيف دخلت مصر أساسا؟ ومن سمح لها بذلك؟ وأين الأجهزة الأمنية المسؤولة التي سمحت بوجود تلك الأسلحة ووصولها، ولماذا لم يتم استخدامها مثلا من قبل المعتصمين أثناء عمليات الفض للدفاع عن أنفسهم، وهي الكذبة التي لم يؤيدها أي من التقارير التي ظهرت على فض رابعة، حتى من المجلس القومي لحقوق الإنسان، وكذلك وزارة الداخلية، التي تحدثت عن أعداد مضحكة من الأسلحة تم ضبطها، بعد فض الاعتصام، لا تتوازى مع حملة الأكاذيب.
- ولعل الكذبة الكبرى، كانت حول جهاد النكاح، وهي محاولة خبيثة للإساءة إلى كل المشاركين في الاعتصام من الشرفاء، سيدات ورجال، والإشارة إلى توفير أماكن للجماع بين النساء -اللاتي وهبن أنفسهن- وبين الرجال، ووصل الفجور ببعض الإعلاميين إلى تحديد عناوين وهمية في المنطقة المحيطة بالاعتصام، رغم أن الكل يعرف تماما أن أسرا كاملة بكل أفرادها: الزوج والزوجة والأولاد شاركوا وعلى مدى أيام الاعتصام كاملة، ناهيك عن أن ذلك الحشد وطوال تلك المدة، التي استمر فيها الاعتصام، لم يشهد على الإطلاق ولم يتصور أحد ذلك أي مخالفات ذات طابع أخلاقي، مثلما عليه الحال في تجمعات أخرى في ميادين كالتحرير على سبيل المثال، وماتت الكذبة بعد الفض، ولم تذكرها أي جهة رسمية أو غير رسمية.
- وفي إطار عمليات الكذب والتضليل حول رابعة، تم الترويج لفكرة مشاركة جنسيات عربية أخرى غير مصرية في الاعتصام، مثل السوريين والفلسطينيين والسودانيين، مقابل تلقي أموال نظير ذلك، في إطار حملة استهداف تلك الجنسيات، وبعضهم مثل السوريين، كان يبحث في مصر عن ملجأ آمن، هربا من بطش نظام بشار الأسد، ويلتزم بكل القوانين والقواعد الخاصة بالإقامة في مصر، كما أن الإشارة إلى وجود الفلسطينيين مرتبط بمخطط شيطنتهم بصفة عامة، واستهداف حماس وقطاع غزة بصفة خاصة، ولم يتوقف أحد ليقدم اعتذارا رسميا عن تلك الأكاذيب، فلم يكن هناك أي جنسية أخرى بين الشهداء، الذين سقطوا في الفض، وكلهم بلا استثناء من المصريين، وكذلك من المصابين، وليس هناك بين تلك الآلاف، التي تواجه اتهامات ملفقة من غير المصريين، سوى أعداد محدودة جدا، لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، من مزدوجي الجنسية.
وقد تعددت الأكاذيب، ولكن الهدف واحد، هو محاولة التشويه والإساءة، إلى أحد أهم الاحتجاجات والاعتصامات السلمية في التاريخ المصري، والتي انتهت بشكل دموي غير مسبوق، وتلك قصة أخرى.
usama.agag@yahoo.com •