ثم ماذا بعد..؟!
23 يناير 2014 , 12:00ص
وكأن مصر تعيد "اختراع العجلة من جديد"، أو كأنها المرة الأولى التي يتم فيها إجراء استفتاء في التاريخ المصري. رغم أنها بالعشرات، أو أنها ولدت من جديد على الدستور، التي تم إقراره مؤخراً، رغم أنه لم يمض على الدستور السابق، سوى أقل من عام، كما أن الواقع المصري يشير إلى عدد لا بأس به من الدساتير، وعشرات التعديلات التي أدخلت عليه، في حقب زمنية مختلفة، وفي رئاسات متعددة، من عبدالناصر وحتى الآن. ولعل النتائج الأخيرة التي كشف عنها الاستفتاء الأخير، وطريقة إخراج المنتج النهائي حول الدستور المصري، تشير إلى مجموعة من الحقائق، والملامح التي يمكن التوقف عندها:
أولا: هناك مبالغة واضحة، تصل إلى درجة التزوير في الأرقام، التي صدرت عن عدد المشاركين، والتي وصلت إلى أكثر من %38، بمشاركة 20 مليون ناخب، مقارنة بـ17 مليونا في الاستفتاء على الدستور السابق. ورغم ذلك، فالعدد قليل على حملات الحشد التي شاركت فيها كل أجهزة الدولة المصرية، سواء المحليات، أو الأحزاب، والنخب السياسية، ناهيك عن الإعلام الرسمي والخاص. والذي ربط بين الموافقة على الدستور، ودعوة الفريق أول عبدالفتاح السيسي إلى الترشح لمنصب الرئاسة. وتحقيق النهضة، والقدرة على الاستقرار، والاستفتاء على خريطة المستقبل، كما أن هناك مبالغة شديدة، في نسبة الذين صوتوا بنعم للدستور، والتي وصلت حسب الأرقام الرسمية، إلى 20 مليون مقابل 382 ألف رفضوا الدستور، بنسبة أكثر من %98، وهي تعيد إلى الأذهان نماذج استفتاءات العصر الشمولي في الستينات، وفي حقبة الرئيس السادات، وزمن حسني مبارك.
ولعل المبالغة ونسبة الموافقة على مشروع الدستور تصبح مفضوحة، إذا تم مقارنتها بكل الاستفتاءات والانتخابات، التي جرت خلال الثلاث سنوات السابقة، هي عمر الثورة، وإذا كان الخلاف سمة أساسية، في انتخابات البرلمان بغرفتيه. أو الانتخابات الرئاسية، فلعل الاستفتاء الذي جرى في مارس 2011، يصبح مؤشرا صحيحا لما نقول، فلم يكن هناك تلك الحالة من الانقسام الشديد، بين طوائف المجتمع، أو الفصائل السياسية. خاصة مع النشوة والفرحة التي سادت الشارع السياسي، بنجاح الثورة وإنهاء حكم مبارك. ومع ذلك فلم تتجاوز نسبة الموافقة %70 من المصوتين. أما ارتفاع النسبة إلى %98، فهي مغالطة ممجوجة، خاصة أن التوقعات التي ظهرت، في قياسات الرأي العام، وعلى لسان كبار المسؤولين، تراوحت ما بين 70 إلى %75، ولكنها الرغبة في التأكيد علي الإجماع الجماهيري، ولو كان مصطنعا لخريطة المستقبل أو ترشيح الفريق أول عبدالفتاح السيسي.
ثانيا: هناك لغز كبير كشف عنه الاستفتاء، هو موقف حزب النور، والتيار السلفي عموما، وهو وجود فجوة ضخمة وواسعة، بين قيادات الحزب والتيار، وبين القواعد الجماهيرية، صحيح أن القيادات جزء مهم في تحالف خريطة المستقبل، وداعم رئيسي للتغيير بعد 30 يونيو، وقام بدور مهم في هذا المجال، ولكن المفاجأة عدم قدرته على حشد القواعد الحزبية من السلفيين، وإعدادها ليست بالقليلة، فقد جاء ثانيا في انتخابات مجلس الشعب المنحل، والشورى وحصل على حوالي 9 ملايين صوت، وكان رقما مهما في الانتخابات الرئاسية، ولكنه لم يستطع الاستمرار في دفع جماهيره للمشاركة، ويبدو أنها غير راضية عن أداء القيادات من ناحية، وحجم تنازلاتها الضخم في مشروع الدستور الأخير. واللافت للنظر أنه تخلى عن كل المواد التي سعى إلى وضعها في دستور 2012، ومنها المادة 219 المفسرة للشريعة الإسلامية، ومرجعية الأزهر، وقد وافقت لجنة المئة على تلك المواد، في إطار حرصها على استمرار التيار السلفي في أعمال اللجنة، وتنازل الحزب ببساطة، عن كل تلك المواد نتيجة الضغوط التي مورست عليه من التيارات العلمانية والليبرالية، المسيطرة على تشكيلة لجنة الخمسين، وقد حاول الحزب الدفاع عن نفسه، بعد مأتم الكشف عن محدودية المشاركين منه في الاستفتاء، وقالت قيادته: إنها وزعت ما يقارب الـ705 ألف نسخة من الدستور، وعقدت 500 ندوة و120 مؤتمرا، بالإضافة إلى الحملات الأخرى، ولكن كل تلك التبريرات، لم تقدم إجابة شافية عن سبب إحجام قواعد الحزب عن المشاركة، ولعل تلك الظاهرة ستكون البداية في السعي إلى إنهاء وجود الحزب نفسه في إطار تجريم ومنع كل الأحزاب القائمة على أساس ديني. بعد أن تم استنفاد الغرض منه خلال الفترة الماضية.
ثالثا: عزوف الشباب عن المشاركة، ولم يعد الأمر من قبيل الدعاية المضادة، للنظام الانتقالي في مصر، بل أصبح حقيقة، بعد أن تم الكشف عن تدني تصويت الشباب بنسبة تقل عن %18، ونوقش الأمر في مجلس الوزراء، وقدم تفسيرا لذلك أن عودة وجوه نظام مبارك إلى صدارة المشهد السياسي أصابت قطاع الشباب بالإحباط، وكأن أمرا لم يحدث في مصر، أو تغييرا قد تم بها أو ثورة قد قامت، ونقل عن الفريق أول عبدالفتاح السيسي تأكيده في ذات الاجتماع بأنه لا عودة إلى الوراء، أو الوجوه القديمة، كما تمت مناقشة الأزمة في اجتماع مع عدد من الوزراء المنتمين إلى تيارات سياسية، ومنهم كمال أبوعيطة وزير القوى العاملة، ووزير التضامن أحمد البرعي، ومنير فخري عبدالنور مع عدد من ممثلي الحركات الشبابية والثورية. والتي تم فيه البحث عن مخرج لذلك المأزق، وقيل إن هناك أسباب متعددة لذلك العزوف، ومنها الهجوم الذي ترعاه السلطة الحاكمة في مصر على ثورة وثوار 25 يناير، وسجن عدد من رموزهم، ومنهم قيادات حركة 6 أبريل، أحمد ماهر، ومحمد عادل ، وأحمد دومة. وحملات التشويه المنظمة التي تتم من أجهزة إعلام خاصة ورسمية لها علاقات بالأجهزة الأمنية لقيادات شبابية، وآخرها فضحية تسريب المكالمات الخاصة بهم، والطريف أن الجهات المسؤولة حاولت تبرير ذلك بانشغال الشباب في أداء الامتحانات، وهي حجة تثير الشفقة والسخرية معا، خاصة أن حشود الشباب لم تخف على أحد في يونيو الماضي، وهو موسم الامتحانات آخر العام.
رابعا: أن الاستفتاء كشف عن عدم قدرة جماعات المصالح، وأعضاء الحزب الوطني المنحل على الحشد الجماهيري، رغم أنها كانت المناسبة الأساسية لتدشين عودتهم الميمونة إلى المشهد السياسي بالإضافة إلى ملايين الجنيهات، التي تم صرفها على الدعاية الانتخابية من جهة، ومحاولة الحشد الفاشلة، وأظهر الاستفتاء تواضع كل التيارات السياسية والأحزاب، وعدم قدرتها علي استعادة المشهد المزعوم بمشاركة 30 مليون مصري، في تظاهرات يونيو الماضي، مما وضع علامة استفهام جديدة حول حقيقة تلك الأرقام.
وبعد، انتهى مولد الاستفتاء، وأصبح لمصر دستور، وضعته القوى العلمانية والليبرالية واليسارية، وتحول إلى واقع، فهل سيساهم في حل مشاكل مصر؟ ورغم إدراك الكل بأن النقاش حول الدستور، والاهتمام بنصوصه، خاص بالنخب السياسية، دون أي اهتمام من رجل الشارع العادي المهموم بلقمة العيش ومستقبله وشعوره بالأمن والاستقرار، وقد ساهمت الحملات الإعلامية المحمومة في ترويج مجموعة من الأوهام الكاذبة، بأن كل مشاكل مصر سيتم حلها فقط بعد مشاركة الجماهير، وتمرير الدستور، والكل في انتظار النتائج!!