


عدد المقالات 103
في أحد الأحياء الفقيرة بالقاهرة. وقفت «أم سيد» في مطبخها تعد طعام الغذاء لأسرتها الكبيرة. وصلتها أصوات عالية غير واضحة ثم طلقات رصاص. لكنها ورغم ذلك لم تسمع صرخات ولا التقطت صوت أقدام تتدافع هربا. دقائق وسمعت صوتا جهوريا له هيبة يؤكد احترام المظاهرات وتقدير كافة أشكال المعارضة السلمية. ومرة أخرى تعود لتسمع صوت الطلقات. ألقت طرحتها السوداء على رأسها وهرولت لتعرف ما يجري خارج الحارة. في المساحة الواسعة التي تشكل ملتقى لعدد من الحارات وتصنع ميدانا صغيرا. ليس فيه من ملامح الميادين التي نعرفها شيء. وجدت أم سيد جموعا كثيرة من أبناء الحي وخارجه. يقفون مشدودين الرأس لأعلى. حين التفتت وجدت قطعة قماش بيضاء كبيرة غطت واجه محل «سعيد» السباك وعليها تظهر صور لقطات لقنابل غازية تلقى على متظاهرين. وخمسة جنود ينهالون ضربا على شاب أعزل ملقى على الأرض أخذ يقاوم، ثم انهار ساكنا. واستمر العسكر يضربون. ثم ظهر رئيس الوزراء الجديد القديم «الجنزوري» يعد بثقة وبلاغة بعدم التعرض بالفعل -يقصد الضرب أو القتل – أو بالقول -يقصد إلقاء الشتائم أو تلفيق التهم– للمتظاهرين. تنتقل الكاميرا لصورة الفتاة التي انهال عليها العسكر ضربا وجروها على الأرض حتى تعرى جسدها. ثم لقطات أخرى لفتاة حاولت الدفاع عنها فإذا بها فريسة لضرب عشوائي مجنون من عشرات العسكر أصابتهم مقاومتها ودفاعها عن زميلتها بالجنون. صفقت أم سيد وجاراتها اللاتي اكتشفت حضورهن بين الجموع الغفيرة وبكين وهتفن وصرخن وغضبن. سألت «أم سيد» أحد الشباب وكان هو من شكر الحضور وأغلق جهاز العرض: «هما ليه يا ابني بيضربوا فيهم كده. معندهومش رحمة. إيه؟ معندهومش عيال»، وقف أحمد يشرح لها كيف تحمي السلطة وجودها وكيف تلقي وراء ظهرها المبادئ والرحمة والعدل في مقابل البقاء وإحكام السيطرة. وكيف أن هناك مصريين مستعدين لمواجهة كل ما شاهَدتَه. سقطت دموع أم سيد. ولم تجد كلمات سوى «ربنا يحميكم يا ابني. ربنا يحفظكم». اختفت قليلا وعادت وبيدها كيس أبيض به «منيه». صنعته لإفطار أبنائها قبل خروجهم للمدرسة. جلبت كل ما أعدته ووزعته على الشباب والشابات. كانت دموعها تنهال بلا توقف وتبتسم معتذرة عن قدراتها المتواضعة. كانت الشاشة والعرض والفكرة لشباب مصري ابتكر وسيلة جديدة لفضح ممارسات العسكر وأكاذيبه. قرروا المواجهة بأسلوب عبقري. فكل من صور بكاميرته وجهازه المحمول لقطات تكشف كذب العسكر يمكنه أن يشارك. جمع الشباب آلاف الساعات من لقطات الكذب. نظموها وضبطوها فنيا وأشاروا إلى التاريخ. ثم جابوا شوارع مصر وحاراتها يعرضون ما جمعوا. يتحاورون ويسمعون وينقلون للجمهور ما التقطته عدسات وهواتف آخرين في محافظات أخرى. نجحت حركة «عسكر كاذبون» في كشف كذب المجلس العسكري. وفي تحريك الشارع المصري. وما هي إلا أسابيع قليلة إلا والتقطتها مجموعات أخرى وأخذوا يبثون اللقطات في كل مكان. شباب وشابات حركة «عسكر كاذبون» هم من نشطاء ميدان التحرير والميادين المشابهة في كل مصر صنعوا إعلاما بديلا لذلك الإعلام المباع للسلطة منذ زمن مبارك والسادات. إنهم أيضاً نشطاء الفيس بوك وتوتير. لكنهم فطنوا إلى أن متصفحي الفيس بوك هم فقط المتعلمون والقادرون على فهم طلاسم التكنولوجيا. أما الآخرون وأؤلئك الذين لم يتصالحوا مع التعقيدات التقنية فإنهم مبعدون من الاطلاع على حقائق أخرى غير تلك التي تبث عبر إعلام مناوئ للسلطة في أغلبه. لم تكن حركة «كاذبون» هي النتاج الوحيد للحرية التي اقتنصها المصريون عنوة عبر الثورة. بل هناك مئات المبادرات المدهشة التي تفرض عليك التساؤل أين كان هذا الإبداع مختبئا في ظل النظام السابق؟ فهناك حركة «مونولوجات التحرير»، وهي مشروع مستقل يهدف إلى إذكاء روح الميدان وتثبيته في الأرض المصرية. إلى الحفاظ على طاقة التحرير ونبلها. من خلال عرض مونولوجات بسيطة وعميقة في آن واحد تستعرض قصصا بسيطة معبرة حدثت في الميدان. عن شاب تبرع بسيارته لينقل المتظاهرين الراغبين في العودة إلى منازلهم. وآخر يقدم كافة أنواع شواحن الهواتف النقالة ليشحن المتظاهرون هواتفهم ويبقون على صلة بأسرهم وأصدقائهم وبالإعلام. وضابط شرطة شريف تحدى الأوامر المجحفة وانضم إلى الميدان واعيا بالثمن الذي سيدفعه. آخرون اجتهدوا لدعم حرية التعبير عبر خمس دقائق مع الميكروفون «لو عندك كلام عاوز توصله للناس افتح الميكروفون وقول. اتكلم. عبر عن اللي جواك محدش محدش هيقولك اسكت محدش هيشيل الميكروفون».. هذا ما تكفله لك فكرة «ميكروفون مفتوح» الذي يتبناه مشروع المريخ من أجل حرية التعبير عن النفس بين المصريين. ينظم هذا الحدث بشكل شهري في منطقة أو محافظة مختلفة في مصر، بحيث يخرج أي شخص يتحدث ويفتح الميكروفون ويقول ما يشاء أمام الجمهور في 5 دقائق. تقول مريم القوسي مؤسسة «مشروع المريخ» إنهم مجموعة من الشباب هدفهم تحسين البلد وتطويرها للأفضل، بحيث نضع أرضا صالحة لجعل المجتمع ينمو بطريقة طبيعية في المجتمع. وفي نفس السياق ولد مشروع «شوارعنا» الذي جاء ليدشن حق المواطنين في الشوارع بعدما كانت فراغا ممنوعا وكان عَقدْ أي فاعلية في الشارع يتبعها تحقيق في ظل قانون طوارئ يمنع تجمهر أكثر من ثلاثة أشخاص. لم يزل القانون فاعلا. لكن لم يعد المصري يهتم. وتصر مجموعة شوارعنا على استثمار الشارع وإتاحته للفنانين وللتفاعل الإبداعي بين الفنان وبين المواطنين. تجوب المجموعة أيضاً شوارع مصر الغنية والفقيرة مدنها ونجوعها. إنها نماذج لآلاف المبادرات ونماذج لتطوير أشكال المقاومة. فلن تُحجب كلمة بعد الآن أو يُمنع صوت. وها هم الشباب والشابات يبتكرون كل يوم جديدا. بدؤوا بالمدونات ثم تخطوا حتى تكنولوجيا العولمة. خالقين فضاءات جديدة أهدتها ثورة مصر لمصر ولكل من يتطلع للحرية.
إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...
سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...
في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...
«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...
المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...
طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...
أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...
أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...
كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...
في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...
الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...
أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...