


عدد المقالات 307
إنه شهر الصوم المبارك، شهر التأمل والتصبر والتجاهيد، لا هدنة في سوريا، ولا هدنة في مصر أو العراق أو لبنان أو فلسطين أو السودان أو ليبيا. حالات الصراع مستعرة وليست مفتوحة على آمال بانفراجات آتية أو قريبة. أمة تعيد اكتشاف شعوبها، موتورة بما تراه وتعيشه، موجوعة بالانقسامات التي ظنتها وئدت منذ زمن فإذا بها تطفو على السطح وتستدعي الحكماء المفقودين والمفتقدين لترويضها وإخراجها من مستنقعات القتال إلى مآل الثراء التمازجي، «الوطني» إذا جاز التعبير رغم كم المآسي الذي يكاد يجعل من كل ما هو «وطني» أقرب إلى اللعنة التاريخية. في كلٍ من هذه الدول -سوريا على حدة- لم تعد الخشية العامة أقل من «الحرب الأهلية». إنها جارية، قادمة، واقعة فعلاً، أو آتية لا محالة. للمرة الثانية خلال أقل من أسبوع تحذّر تقارير الأمم المتحدة من حرب كهذه في العراق. أما في مصر فثمة حاجة ملحة وعاجلة إلى حوار، إلى مصارحة ومصالحة، لأن مناخ الحرب الأهلية موجود وإن كانت حصيلتها الدموية لا تزال محدودة. وفي لبنان بلغ الاحتقان أقصاه، إلى حدّ أن اللبنانيين أنفسهم يعجبون مما أُبقي لهم من هدوء نسبي يعيشونه رغم التوترات المحيطة بهم، لكنهم يتذكرون أن بلدهم سبق أن مر بحرب أهلية دامت خمسة عشر عاماً ولم يخرجوا من تداعياتها بعد. تلك هي الحال أيضاً في السودان رغم أن حروبه لا تتوقف إلا لتبدأ من جديد، ورغم أن تقسيمه كان مؤلماً لكن المريض لم يعلم شيئاً مما ألم به كما أن نظامه واصل التسلط والتخبّط كما لو أن انفصالاً لم يحصل أو كأنه يتطلع إلى مزيد من الانفصالات شرط أن يبقى. وفي ليبيا يبدو الوضع الانقسامي وكأنه يكافئ معمر القذافي في مدفنه المجهول على قدرته الخارقة على «توحيد» الليبيين -ولو رغماً عنهم- لأنهم بعد عامين على سقوط حكمه لم يتوصلوا بعد إلى إخراج «أمراء الحرب» من الشارع ليتسنى لـ «الثوار» أن يشرعوا في بناء «دولة لكل أبنائها» وأن يشترعوا قوانين مواطنة تساوي بين الجميع. ثمة حال انفصالية أخرى تكاد تنسى، إما لكثرة تجهيلها أو للإحجام عن الأعراف بها. إنها الحال الفلسطينية التي «ساعدت» نفسها بمقدار ما ساعدها العدو الإسرائيلي على أن تصبح انقساماً تكرسه الجغرافية أكثر مما تعمده السياسة أو إخضاع «الوطن» السليب للاعتبارات الأيديولوجية البائسة. كانت القضية الفلسطينية تحظى -ولعلها لا تزال ولو بزخم أقل- بإجماع العرب والمسلمين على اعتبارها عنواناً لمعاناتهم الوجدانية والوجودية وحتى لخصامهم وعدائهم التاريخي مع العالم الغربي. ومنذ حصل الانقسام قبل ستة أعوام تبعته أيضاً انقسامات خارجية، ولدى التدقيق سنجدها هي نفسها الانقسامات الحاصلة حالياً في النظر إلى ما يجري في مصر وتونس وغيرهما، حتى مع فارق الظروف والمعطيات. وكأن وقوع المحظور، وغير المسموح به ولا المتصور، بانقسام الفلسطينيين شعباً وأرضاً (ضفة وقطاعاً)، جعل الانقسامات الأخرى في سياق متوقع وواقعي و... «طبيعي». يتبيّن الآن أن هذه الانقسامات كانت موجودة دائماً، وأسهم القمع والترهيب في استبطانها وكتمها من دون أن يعالجاها أو يقترحا سبيلاً ثالثاً «وطنياً»، مرّة أخرى، للمساهمة في طيها. والمثال الأكثر دلالة هو ما تظهره سوريا على نحو يومي. لا شك أن ثقافةً ما، قومية لا طائفية ومتضامنة اجتماعياً، جمعت بين السوريين، ولم يكن النظام صانع لحمتها بل إن نهجه الفئوي -العائلي- الطائفي المتنكر بـ «القومية» وشعاراتها والمكشوف بسياساته ممارساته الأمنية الهمجية انتهى إلى الإساءة لروح الشعب وحقائقه التسامحية المتوارثة. فعلى مستوى الشعب نفسه كانت سوريا فعلاً قلب العروبة النابض، وعلى مستوى النظام كانت بالأحرى آلة لتشويه العروبة وتسفيهها وتسهيل تحكّم الخارج بها. فهو نظام لم يكن يهجس إلا ببقائه، وكان مستعداً لتقديم كل التنازلات للخارج من أجل حماية السلطة التي أقامها، وعندما أزفت لحظة التنازل للداخل، أي للشعب، اختار أن يجعل البلد أرضاً محروقة أو مدمرة. أكثر المدن المنتجة والمعبّرة عن تاريخية سوريا هي الأكثر تعرضاً للوحشية، فبعض أقدم السكان الذين توارثوا بيوتهم على مر التاريخ اضطرتهم حجافل «الشبيحة» لهجرتها، فقط لأنهم قالوا: لا للمستبد. ورغم تشريده ثلث الشعب، وتسببه بمأساة إنسانية فاقت مأساة روانداً (بحسب الأمم المتحدة)، لا يزال هذا النظام جاهزاً لتقديم أكبر التنازلات للخارج كي يبقيه في الحكم. بمقدار ما كانت عبارة «الربيع العربي» الأكثر تداولاً خلال العامين المنصرمين، بمقدار ما أصبحت «خيبة الربيع العربي» الأكثر ترداداً في الشهور الأخيرة. عندما ثارت الشعوب أظهرت توقها لتجاوز انقساماتها. كان المصريون يصفون حالهم وهم خارجون من «ميدان التحرير» عام 2011 بتعابير عفوية (كأننا تطهّرنا من كل خلافاتنا ورواسبنا... كنا موحّدين كما لم نكن يوماً... رسمنا الطريق وليس مسموحاً لأحد بأن يحيد عنه). ومثلهم قال التونسيون والليبيون واليمنيون غير أن الرياح سيّرت السفن في اتجاهات شتى مستدعية ثورات أخرى. لم يدل ذلك إلى أن الشعوب أخطأت حينما ثارت، بل إلى أن العقود الطويلة من التغييب والتجهيل السياسيين أنتجت نخباً غير مؤهلة لقبول الآخر والاعتراف به، وغير جاهزة لإعمال العدالة الانتقالية، وبالتالي عاجزة عن إدارة الانقسامات، أي عن إدارة المصالحات، وهو الأخطر، بدليل الصعوبة البالغة في كتابة الدساتير والحؤول دون تأسيسها لدكتاتوريات جديدة، وفي الدساتير لا ينفع التحايل والمغالبة، فهي المجال الأنسب للتعامل مع الانقسامات ووضع أسس للمصالحات.
لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...
في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...
هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...
فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...
لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...
ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...
وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...
لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...
مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...
السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...
ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...
لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...