مصر بين دستورين!
21 ديسمبر 2013 , 12:00ص
في النهاية سيتم الاستفتاء على الدستور المصري الجديد للعام 2013 نتيجة حملات الدعاية التي تقوم بها أجهزة لها مصالح تحققت في المشروع والدعوة إلى الحشد الذي ستتولاها الحكومة وبمشاركة الرئيس المؤقت عدلي منصور، وتمني الفريق أول عبدالفتاح السيسي على الشعب في النزول، وبجهد أجهزة الأمن التي ستعيد سيرتها القديمة في التزوير وسط صمت المنتفعين من النخب الفاسدة، والتيارات السياسية حتى الثورية منها التي فقدت القدرة على التمييز بين الخلاف المرحلي مع سلطة منتخبة تستطيع تغييرها بنفس أدوات الديمقراطية، وقوة غاشمة لن تقبل بالتنازل أبداً عن مصالحها المستقرة منذ ثورة يوليو 1952، وتهددت لبعض الوقت أثناء حكم أول رئيس منتخب انتخاباً حراً وعبر صناديق الانتخابات. والغريب أن هناك من حدد نسبة الموافقة في الاستفتاء حتى قبل الدعوة إليه أو الانتهاء من المشروع ذاته، وتحدث عن %75 ، في محاولة للترويج لفكرة تتسم بالسذاجة عن ارتفاعها عن الدستور السابق، وكأننا في منافسة لأحد مباريات كرة القدم. ولكن يبقى السؤال المطروح يبحث عن إجابة، هل هذا ما إرادته جبهة الإنقاذ أو المعارضة في زمن الرئيس السابق التي انسحب ممثلوها من الجلسات الأخيرة أثناء الدستور السابق، اعتراضاً على بعض المواد وجاءت خريطة المستقبل في 3 يوليو تتحدث عن لجنة للبحث في المواد المختلف عليها، وبعدها الإعلان الدستوري ليشير إلى لجنة العشرة من القانونيين التي ستعد تلك التعديلات التي سيتم مناقشتها من خلال لجنة الخمسين المعينة فكانت أول مخالفة صريحة لتلك الخريطة أننا أمام دستور جديد دون أن يعارض أحد، وعندما ثار جدل حول مهمة اللجنة بين أعضائها، هل هي لجنة تعديلات؟ أم وضع قانون جديد تم تسوية الموضوع بسرعة وتجاوزه دون أن يعرف أحد آليات تلك التسوية.
ولعل المقارنة بين الآليات المتبعة في وضع الدستورين تكشف وتفضح التزوير الواضح، وصحة الاتهامات الظالمة للمشروع القديم التي تم ارتكاب ما هو أشد منها في لجنة الخمسين، ولعل طريقة تشكيل كل منهما تمثل دليلا واضحاً على ذلك، الأولى تم اختيارها عبر الانتخابات على مرحلتين من الشعب مباشرة ومن نوابه في المرحلة الثانية، وأعيد تشكيلها عندما اعترضت المحكمة الدستورية، بينما الثانية تم تشكيلها بالتعيين من قبل سلطة غير شرعية هي رئيس الجمهورية الذي جاء هو الآخر بنفس الطريقة. أما في المضمون فقد اعتمدت لجنة عمرو موسى على السرية التامة لمناقشات الأعضاء والتي استمرت حوالي شهرين، واكتفت بمؤتمر صحافي للمتحدث الرسمي لها محمد سلماوي يومياً ليقول فيه ما يريد دون أن تعرف الجماهير حقيقة ما يحدث في الغرف المغلقة، بينما لجنة المستشار حسام الغرياني فكانت كل جلساتها على الهواء مباشرة واستغرق عملها منذ 12 يونيه 2012 إلى 19 نوفمبر من نفس العام، بمجموع 60 ألف ساعة، مما يعني أن كل مادة استغرقت 300 ساعة، بعد أن وصل عدد المواد إلى 236 مادة، بينما في دستور لجنة الخمسين، أقرت 247 مادة في شهري عمل ونستطيع الآن أن ندرك ما المشروع الذي تم "سلقه". كما عقدت لجنة الغرياني مؤتمرات حاشدة في المحافظات واستطلعت آراء الملايين وتلقت مقترحات وصلت إلى 30 ألف مقترح، والتقت الجاليات المصرية بالخارج، بينما اكتفت لجنة عمرو موسى بلقاءات عقدها هو شخصياً مع بعض الهيئات العامة والنقابات ووصل الأمر إلى عقد لقاءات مع الوزراء، وكأن الأمر يتعلق بصياغة بيان للحكومة وليس دستوراً للبلاد.
واستمر عوار الدستور الجديد الذي كان الهدف منه تحقيق مصالح بعض الجهات، واستبعد النص الخاص بالعزل السياسي والذي يتعلق بقيادات في نظام مبارك التي أفسدت الحياة السياسية في مصر، كما تم استبعاد النص الخاص بمكافحة الفساد وتحقيق علمانية الدولة المصرية اتساقا مع غلبة التيار الليبرالي في تشكيلتها مع تغييب ممثلي التيار الإسلامي سوى من ممثلي المؤسسة الرسمية، الأزهر والمفتي، وبعض المنشقين عن تيار الإخوان المسلمين، وعضو لحزب النور، وهم جميعاً ينتسبون إلى تيار دعم الانقلاب، وكان من الطبيعي أن نشهد معارك استمرت حتى بعد تسليم الدستور حول كلمة الدولة المدنية التي جاءت في ديباجة الدستور، كما طالب ممثلو الكنائس الثلاثة مدعومين بممثلي التيار العلماني، والتي تحولت إلى حكومة مدنية في النص الأخير، دون استشارة أحد، وغياب الأعضاء. وقد هدد ممثلو الكنيسة بالتصويت ضد الدستور ولكن التحالف بين مجموعات 3 يوليو، الذي كرس الانقلاب، سرعان ما تدخل، وبلع المعترضون كلامهم، وسمعنا أحدهم يقول ليس من "أجل برغوث سنقوم بحرق اللحاف"، مما يؤشر إلى الأسلوب الذي يتسم بغياب الشفافية في عمل اللجنة، كما تم حذف المادة الخاصة بمرجعية الأزهر في تفسير الشريعة الإسلامية، كما كانت في الدستور السابق. والإشارة إلى تفسير حكم المحكمة الدستورية العليا رغم أن التيار الليبرالي كان يستخدم الأزهر كحائط صد في زمن الدكتور محمد مرسي. ويضاف إلى ذلك النص على المساواة بين الرجل والمرأة بما يخالف الشريعة الإسلامية، ويفتح الباب أمام تغيير قواعد الميراث التي نص عليها القرآن الكريم. كما أن المادة 64 الخاصة بالحرية المطلقة لحرية المعتقدات دون أي اعتبار لهوية الدولة يفتح الباب واسعاً أمام تيارات الإلحاد والوثنيين. والغريب أن واضعي الدستور الجديد جرموا إهانة العلم المصري، وهم محقون في ذلك ولكنهم حذفوا المادة الخاصة بتجريم الإساءة والتعرض للأنبياء والرسل، ومن الأمور اللافتة وضع مادة لمكافحة الإرهاب دون أن يكون هناك تعريف واضح له، كما تحدثت أيضاً عما أسمته تجفيف منابع الإرهاب وهو أمر يمكن أن يفيد في بيان حكومة، وليس دستور يعتبر أبا القوانين.
ولعل المواد الخاصة بالقوات المسلحة وتحصين وزير الدفاع والسماح بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، ستظل تلاحق بالعار كل من شارك في وضع هذا الدستور ومن دافع عنه، رغم ادعاء البعض أنهم ليبراليون، كما جاء في المادة 234، والتي نصت على "يكون تعيين وزير الدفاع، بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتسري أحكام هذه المادة لدورتين رئاسيتين كاملتين، اعتباراً من تاريخ العمل بالدستور". وهي المرة الأولى التي يتم النص عليها في الدستور المصري، وأي من دساتير العالم التي تجعل من وزير الدفاع منصباً أعلى من رئيس الجمهورية الذي يمكن أن يتم انتخابه مرة واحدة ولكن الوزير يظل في منصبه دون أن يتم الإشارة إلى سلطة رئيس الجمهورية في عزل الوزير؟ ويفتح المجال أمام صدام وارد إذا أراد الرئيس تغيير وزير الدفاع ورفض المجلس الأعلى، أو قام رئيس الجمهورية بتغيير وزارة، فعليه وفقاً للدستور الإبقاء على الوزير الحالي بغض النظر عن وجود توافق بينهما، كما أقر الدستور الجديد وتوسع في محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية في تناقض واضح مع حق الفرد في محاكمته أمام قاضيه الطبيعي، رغم أن إلغاء تلك المحاكمات كانت أحد مطالب ثورة 25 يناير.
وبعد، كم من الجرائم ترتكب في مصر باسم الديمقراطية، والدستور، والقانون؟!