مصر.. الاتجاه شرقاً..!
21 نوفمبر 2013 , 12:00ص
بعيدا عن التهويل أو التهوين، يجب النظر إلى ما حدث في الأسبوع الماضي على الساحة المصرية، والزيارة التي قام بها وزيرا الدفاع والخارجية الروسيان للقاهرة، في إطارها الصحيح دون التوقف كثيرا، عن محاولة تجبيرها لصالح النظام السياسي بعد 30 يونيه، والحديث عن أنه فتح أو تحول استراتيجي، سيكون له تأثيره على مجمل الأوضاع في مصر والمنطقة، وهو ما يتم ترويجه على المستوى السياسي والإعلامي. فذلك يمكن قبوله في زمن الحرب الباردة التي انتهت والقطبية الثنائية التي ماتت، وسياسة المحاور التي لم تعد موجودة. كما أن الاعتماد على أن الصيغة التي تم التعامل بها مع الزيارة، والمسماة 2 زائد 2 ليست جديدة، صحيح أنها لا تتم، سوى مع دول مثل فرنسا وألمانيا والصين وأميركا. ولكن الصحيح أيضاً، وهو ما كشفه أحمد أبوالغيط وزير الخارجية الأسبق، أن تلك الاجتماعات تأتي في إطار اتفاق تعاون استراتيجي بين البلدين، تم التوافق حوله عام 2009، ولم يتم تفعيله.
ومن ناحية أخرى، وللإنصاف فقط، تؤكد الوقائع أن فكرة وجود علاقات متميزة مع روسيا بعد أن استعادت عافيتها ومكانتها ودورها على المستوى الدولي، كان ضمن أجندة نظام مبارك، وحتى فترة الدكتور محمد مرسي، الذي حرص على زيارة كل مجموعة الدول الأسرع نموا بما فيها روسيا. وتوصل إلى عدة اتفاقيات للتعاون الاقتصادي، وزيادة التبادل التجاري. كما أن الرئيس المخلوع حسني مبارك سبق أن زار موسكو ثلاث مرات، في أعوام 1997 و2001 و2006. كما زار فلاديمير بوتن القاهرة في أبريل عام 2005. وتم عقد اتفاق لإنشاء منطقة صناعية روسية في برج العرب بالقرب من الإسكندرية كما عقدت اتفاقية عام 2008 للتعاون في مجال استخدام الطاقة الذرية سلميا. ناهيك عن مستوى العلاقات التاريخية بين البلدين، طوال الفترة من عام 1955 حتى عام 1974، طوال عهد عبدالناصر وسنوات محدودة من حكم السادات، التي تميزت بالتأزم، والذي وصل إلى درجة القطيعة.
ما سبق يؤكد أن هناك استمرارا للعلاقات بين البلدين طوال أكثر من نصف قرن، وهذا التطور الحاصل الآن فرضه وجود تشابه كبير بين النظامين في القاهرة وموسكو نتيجة الملامح التي تجمع مسيرة الرجلين، بوتن والفريق أول عبدالفتاح السيسي، الأول رجل المخابرات الروسية الذي دخل عالم السياسة من هذا الباب، ويحاول أن يعيد أمجاد الإمبراطورية الروسية القديمة، وأصبح صاحب نظرية تتضمن تنازل المواطنين عن بعض حرياتهم العامة، مقابل توفير مستوى معقول للمعيشة، كما أن الثاني هو رجل المخابرات الحربية المصرية الطامح إلى لعب دور سياسي في المرحلة القادمة عبر السعي إلى تولي منصب الرئاسة والذي يطمع في استعادة النموذج الناصري المشابه، كما أن هناك ملمحا آخر يجمع النظامين، الأول في مصر خلق حالة من العداء مع التيار الإسلامي، في مجمله خاصة بعد 30 يونيه، واعتمد استراتيجية مكافحة الإرهاب، والثاني يعيش نفس الحالة، صحيح أنه قضى مرحليا على المعارضة المسلحة ذات الصبغة الإسلامية في الشيشان، ولكنها انتقلت إلى مناطق أخرى، ومنها القوقاز في داغستان والأنجوش.
ولعل الحديث عن مثل هذا التحول الاستراتيجي، الذي يتم الترويج له، في أوساط اتخاذ القرار في مصر أو الإعلام ناتج عن أنها توافقت مع وجود أزمة ظاهرة للعيان في العلاقات بين القاهرة وواشنطن، وصلت إلى درجة غير مسبوقة، وكان من نتيجتها قطع جزء من المساعدات الاقتصادية لمصر، ووقف تزويد الجيش ببعض صفقات السلاح، وفقا لتوقيتات مسبقة ومتفق عليها، ومنها طائرات أف-16 ووجود خلاف حول رؤية التغيير الحاصل في مصر بعد 30 يونيه، وما زالت أوساط مهمة في دوائر القرار الأميركي، ماعدا وزارة الخارجية، تتعامل معه على أنه انقلاب عسكري، أطاح بحكومة مدنية، بينما الموقف الروسي كان مناقضا للأميركي، الذي لم يخف ارتياحه للتغيير في مصر، ومؤيدا لتدخل الجيش في العملية السياسية، ورغم ذلك فهناك أسباب موضوعية تتعلق بالطرفين المصري والروسي قد تحد من سرعة تطور العلاقات المشتركة، نتوقف عن بعضها:
أولا: التريث، والذي يصل إلى درجة البطء، أحد سمات الدبلوماسية الروسية، وستجد نفسها مطالبة بضرورة الالتزام بتلك السياسة في التعامل مع الوضع في مصر، باعتباره حالة انتقالية لم تستقر بعد. وأغلب الظن أن خطوات مثل زيارة بوتن، لن تتم سوى بعد إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، ووضوح الرؤية حول المسار السياسي المصري، رغم تقديم دعوة الزيارة في الاتصال الذي تم بينه وبين الرئيس المؤقت عدلي منصور.
ثانيا: أن إحدى المصاعب التي قد تواجه رغبة مصر في إبرام صفقة أسلحة مع روسيا وهو ما تم الترويج له، ليس فقط اعتماد الجيش المصري لسنوات طويلة على التسليح الغربي، خاصة من الولايات المتحدة، ولكن رغبة الروس في الدفع الفوري لقيمة الصفقة لاعتبارات تتعلق بالاقتصاد الروسي، والمنطق يقول إن هناك صعوبة لدى مصر بوضعها الاقتصادي الحالي أن تتعامل بهذه الكيفية، وتوفر ما بين 2 إلى 4 مليارات قيمة الصفقة، التي تضم طائرات ميج 29، ونظم دفاع جوي وصواريخ مضادة للدبابات، وأنظمة دفاع متوسطة المدى، وأغلب الظن أن أيا من دول الخليج، الداعمة للنظام المصري، ليست في وارد دفع تكاليف الصفقة، خاصة أن كل المؤشرات تتحدث عن أن تلك المساعدات لن تستمر طويلا.
ثالثا: هناك صعوبة أمام أي نظام مصري، مهما كانت درجة شعبيته، يمكن أن يوافق على حزمة التسهيلات، التي تطلبها روسيا، وتصل إلى إقامة قاعدة عسكرية في أحد المواني على البحر الأحمر أو المتوسط، وهو ما تم نفيه بالفعل من المتحدث الرسمي للقوات المسلحة. ولعل ما عزز من تلك التسريبات، إنهاء العمل بأفضلية المرور للسفن الأميركية في قناة السويس، والزيارات التي تم الإعلان عنها لقطع بحرية روسية إلى ميناء الإسكندرية. بالإضافة إلى أن روسيا قد تجد صعوبة في استمرار القاعدة البحرية لها في طرطوس في سوريا، إذا تطورت الأمور.
رابعا: لعل البديل المتاح أمام الطرفين للتعاون المشترك ولا يثير حساسية أو معارضة مع أميركا، وهي جزء أصيل في اللعبة بالمنطقة، هو بدء تعاون أمني، وقد تم الاتفاق عليه أثناء زيارة مدير الاستخبارات الروسية، التي سبقت مباحثات الوزيرين، يضاف إلى ذلك السماح بعودة السياح الروس إلى مصر، وقد تناقصت أعدادهم بفعل الأوضاع هناك، والعدد السابق وصل إلى أقل من 3 ملايين سائح، وزيادة حجم التبادل التجاري، بالإضافة إلى زيادة التعاون التجاري والاقتصادي والاستثمارات المختلفة.
وفي النهاية، يجب الإقرار بأن التقارب المصري الروسي خطوة في الاتجاه الصحيح، فقط إذا كان يؤسس لسياسة خارجية منفتحة، على كل القوى الصاعدة كاليابان والصين وحتى الاتحاد الأوروبي. دون أن يتم استخدام مصر، إحدى أوراق اللعب بين روسيا وأميركا، أو أن تكون موسكو ورقة ضغط لعودة العلاقات مع واشنطن إلى سابق عهدها، ونحن في الانتظار!