alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 47

سحر ناصر 19 أكتوبر 2026
حرب عالمية دون إعلان
د. نافجة صباح البوعفرة الكواري - أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية- جامعة قطر 19 أكتوبر 2026
إدارة التحالف جزء من المعركة
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 18 أكتوبر 2026
عن الحرب والتفكيك والمشاريع الإقليمية
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 21 أكتوبر 2026
لا تجعلوا خلافاتنا سلاحًا في أيدي خصومنا

لا تجعلوا خلافاتنا سلاحًا في أيدي خصومنا

21 أكتوبر 2026 , 12:30ص

حين تصبح الكلمة خطرًا على الأوطان، وحين تتحول المنصات الاعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات بين أبناء البيت الخليجي الواحد، فإننا لا نكون أمام خلاف عابر في الرأي، بل أمام أزمة أعمق تتعلق بوعينا السياسي، ومسؤوليتنا الأخلاقية، وقدرتنا على إدراك ما يحيط بنا من أخطار. والأكثر إيلامًا أن يحدث ذلك في لحظة تاريخية لا تحتمل المنطقة فيها مزيدًا من الانقسام، ولا تملك دول الخليج ترف استنزاف بعضها بعضًا في معارك كلامية لا ينتصر فيها أحد، بينما تتسع دائرة المستفيدين من استمرارها.
ما نشهده أحيانًا على منصات التواصل الاجتماعي تجاوز حدود الجدل المشروع إلى مستويات مخجلة من الشتائم والشماتة والتطاول على الرموز، بل وصل لدى بعض الحسابات إلى التعرض للأعراض والحياة الخاصة. أي دفاع عن الوطن هذا الذي يحتاج إلى الفحش حتى يثبت صدقه؟ وأي اعتزاز بالهوية الوطنية يستمد قوته من إهانة هوية شقيقة؟ إن الانحدار في اللغة لا يكشف صلابة الموقف، وإنما عجز صاحبه عن تقديم حجة تستحق الاحترام. فالوطن أكبر من أن يُختزل في غضب مغرّد، وكرامة الناس ليست مادة للمزايدة السياسية.
الأخطر أن هذه الممارسات تجري في توقيت بالغ الحساسية، فالحروب والاعتداءات التي تشهدها المنطقة، واحتمالات تجدد المواجهات مستقبلًا، تذكرنا بأن أمن الخليج مترابط، وأن آثار الاضطراب لا تقف عند حدود دولة بعينها. تتأثر الملاحة والطاقة والاستثمارات وحركة الناس والثقة بالاستقرار الإقليمي عندما تتسع دائرة التهديد. وليس منطقيًا أن ننشغل بتبادل الإهانات بينما تتراكم أمامنا أسئلة الأمن والسيادة والاقتصاد ومستقبل الأجيال. فحين يشتعل البيت المشترك، لا تكون الحكمة في التنافس على تحديد الغرفة التي بدأ منها الدخان.

من الدفاع عن الوطن إلى إساءة إليه
إن بعض الذين ينخرطون في هذه المعارك يفعلون ذلك تحت شعار الدفاع عن الوطن، لكنهم لا ينتبهون إلى أن الوسائل التي يستخدمونها قد تلحق بصورة أوطانهم ضررًا أكبر مما يتصورون. فالوطن لا يحتاج إلى من يدافع عنه بالبذاءة، ولا تزداد مكانة الدولة حين يتحول بعض أبنائها إلى خصوم للذوق والأخلاق، ولا تكتسب المواقف السياسية قوة إضافية حين تُغلّف بالإهانات والتجريح.
ولعل أكثر ما يثير القلق هو الطريقة التي تُصنع بها الخصومات الرقمية. ينشر حساب إساءة، فيسارع آخر إلى اقتناصها وإعلانها دليلًا على موقف شعب كامل، ثم يبحث الطرف المقابل عن تغريدة أشد قسوة ليرد بها. تتحول المنصة إلى أرشيف انتقائي للإهانات، ويصبح السؤال الوحيد: ماذا قال أحدهم عنا؟ لا يسأل أحد عن حقيقة الحساب أو سياق العبارة أو مدى تمثيلها لأصحابها. وهكذا تنتقل الإساءة من هامش محدود إلى جمهور واسع، ويشارك الغاضبون في نشر ما يقولون إنهم يريدون إدانته.
والواقع ليس كل حساب يحمل علم دولة خليجية يعبر عن الخليج، وليس كل من يرفع علم السعودية سعوديًا، ولا كل من يضع صورة رمز إماراتي إماراتيًا، وينطبق الأمر على قطر، والكويت، والبحرين، وعُمان. فالهوية الرقمية قابلة للانتحال، والموقع الجغرافي الظاهر ليس إثباتًا قاطعًا، خصوصًا مع استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة ووسائل إخفاء الاتصال. وقد تُستغل هذه الثغرات في حملات منسقة لتضخيم التوترات. لكن الوعي بهذه الاحتمالات لا يبرر اتهام كل ناقد بأنه حساب مزيف؛ المطلوب التحقق، لا استبدال سوء الظن بسوء ظن آخر.
لقد أصبحت بيئة المعلومات ساحة للتنافس السياسي، ويمكن لأطراف مختلفة أن تستثمر المال والتقنيات والحسابات المنظمة في التأثير على النقاش العام. غير أن نجاح أي حملة تحريض لا يعتمد على الجهة التي تطلقها وحدها، بل على استعداد الجمهور لتصديقها وإعادة إنتاج رسائلها. هنا تكمن مسؤوليتنا المباشرة، ألا نتحول، بحسن نية أو بسوء تقدير، إلى مضاعفات مجانية لخطاب يخدم تفكيك الثقة الخليجية. فليس كل ما يستفزنا يستحق الرد، وليس كل ما ينتشر جديرًا بأن نمنحه شرعية التداول.

مسؤولية المثقف وحدود الاختلاف
وللكتّاب والإعلاميين مسؤولية مضاعفة، لأنهم لا يعكسون المزاج العام فحسب، بل يسهمون في تشكيله. الكاتب الذي يقتطع عبارة من سياقها ليؤجج الخصومة يتخلى عن وظيفته النقدية، والمثقف الذي يساير الغضب طلبًا للتصفيق يفقد استقلاله. ليست الشجاعة في كتابة ما يرضي جمهورًا مستنفرًا؛ الشجاعة أن تحافظ على معيار واحد للكرامة الإنسانية، حتى عندما يطالبك جمهورك باستثناء خصومه منه. والفرق كبير بين قلم يشرح أسباب التوتر وقلم يضيف إليه وقودًا جديدًا.
لقد عرف الخليج عبر تاريخه حركة مستمرة للعائلات والتجارة والعمل والتعلم، وتشكلت بين مجتمعاته صلات قربى ومصاهرة وذاكرة ثقافية مشتركة. وهذه الروابط لا تلغي خصوصية كل دولة، لكنها تذكرنا بأن العلاقات بين الشعوب أوسع من جدول الخلافات السياسية. ومن الخطأ إعادة تفسير التاريخ كله انطلاقًا من أزمة راهنة، أو تحويل المنافسة المشروعة إلى رواية عدائية تتوارثها الأجيال. فالقرارات الدبلوماسية قد تتغير سريعًا، بينما تبقى الصور النمطية والجروح الاجتماعية بعد زوال أسبابها.
وفي دول الخليج قيادات ومؤسسات قادرة على إدارة خلافاتها عبر الحوار والوساطة والقنوات الدبلوماسية، وليس مطلوبًا من أصحاب المنصات أن ينتحلوا دور المفاوضين أو يفرضوا على الدول مواقف بعينها. المطلوب أن يتركوا أبواب التفاهم مفتوحة، وأن يدركوا أن تسوية الخلاف تصبح أصعب عندما يتحول الرأي العام إلى رهينة للشتائم المتبادلة. قد تتفق الحكومات بعد قطيعة، لكن المجتمعات تحتاج وقتًا أطول للتخلص من المرارة التي زرعها التحريض. لذلك فإن ضبط اللغة ليس تجميلًا للمشهد، بل استثمار في إمكان المصالحة.
ولا أدعو هنا إلى إسكات النقد أو مطالبة الناس بتجاهل الوقائع المؤلمة. فالسكوت عن الخطأ لا يصنع تضامنًا، كما أن المجاملة الدائمة لا تؤسس ثقة حقيقية. المطلوب نقاش يستند إلى الوقائع، ويميز بين المسؤولية الفردية والجماعية، ويحاسب السياسات بأدلتها لا بالانطباعات. وإذا ظهرت إساءة، فالأجدى الإبلاغ عنها أو تفنيدها دون تعميمها، بدل تحويلها إلى مناسبة لتبادل العقوبات المعنوية بين الشعوب. هكذا نحمي حرية التعبير من أن تصبح غطاءً للإيذاء.

التماسك الخليجي في مواجهة الاستقطاب
ثمة جانب آخر مهم يتعلق بطبيعة المنصات. فالخوارزميات تميل إلى مكافأة المحتوى الذي يثير التفاعل، والغضب أسرع انتشارًا من التفسير الهادئ، والإهانة أكثر قدرة على استدعاء الردود من التحليل المتزن. لذلك يجد بعض الباحثين عن الشهرة في التصعيد طريقًا مختصرًا إلى الجمهور، حتى لو كان الثمن تسميم العلاقات بين الناس. ولا يمكن مواجهة هذا المنطق بالوعظ وحده، بل بتغيير سلوك المتابعين أيضًا: ألا نكافئ المستفز بالانتشار، وألا نمنح الحسابات المجهولة سلطة تمثيل المجتمعات، وألا نخلط بين كثافة الضجيج وحقيقة الرأي العام. فآلاف التعليقات الغاضبة لا تعني أن ملايين المواطنين يتبنون مضمونها.
والأهم أن نستعيد حقنا في الاختلاف دون أن نصبح أسرى للاستقطاب. يستطيع السعودي أن يعتز بمواقف بلاده ويحترم الإماراتي، ويستطيع القطري أن يدافع عن خيارات دولته ويصون علاقته بالكويتي والبحريني والعُماني. ولا يلزم التشكيك في ولاء الآخرين أو أخلاقهم. فالمجتمعات الناضجة لا تقاس بغياب التباين بينها، بل بقدرتها على منع التباين من التحول إلى كراهية. وإذا كان لنا أن نطالب القيادات بتغليب الحكمة، فمن باب أولى أن نمارس نحن قدرًا منها في لغتنا. إن التماسك الذي نحتاج إليه ليس شعارًا يرفع وقت الأزمات ثم ينسى بعدها، وإنما ثقافة تحميها التربية والإعلام والنقاش المسؤول. وتلك مهمة تبدأ من كل كلمة نكتبها، وكل خبر نشاركه، وكل إساءة نختار ألا نعيد نشرها.
إن السؤال الذي ينبغي أن يواجهنا جميعًا ليس من بدأ السجال، بل من يملك شجاعة إنهائه. وإذا لم نتعاضد حين تتعرض المنطقة للتهديد، فمتى نتعاضد؟ وإذا لم نتعلم من الحروب أن مصيرنا متداخل، فأي درس ننتظر؟ لا نحتاج إلى إلغاء الاختلاف، وإنما إلى وضعه تحت سقف المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل. فلنبرز ما يقرب، ولنرفض ما يهين، ولندع للسياسة مجالها وللمجتمع كرامته. فالخليج لا يحميه تشابه الأصوات، بل وعي أبنائه بأن الخصومة العابرة لا تستحق تخريب المستقبل. وكفى بالحرب واعظًا.

عن الحرب والتفكيك والمشاريع الإقليمية

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تزداد أهمية قراءة ما يدور داخل مراكز التفكير وصناعة القرار في إسرائيل، ليس فقط لفهم توجهاتها الراهنة، بل لاستشراف ملامح سياساتها المستقبلية. والأهم هو الإصغاء إلى أصوات أولئك الذين شغلوا مواقع...

واشنطن والعودة إلى اتفاق أوباما مع إيران

ماذا لو انتهت الحرب الأمريكية الإيرانية، بما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، إلى اتفاق يشبه في جوهره الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما عام 2015، قبل أن ينسحب منه دونالد...

الذاكرة في مواجهة العقل النقدي

منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...

النخب العربية والصراع على قيادة العربة

ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...

الحضارة بين سطوة المادة وقلق الروح

عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...

قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة

العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...

حين يعيد الفن صياغة السردية الأوروبية

ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...

قطر في الأمم المتحدة.. نحو أمن إقليمي جديد

جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...

منتدى قطر الاقتصادي: الاقتصاد في زمن الزلازل الجيوسياسية

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...

مستقبل الصحافة لا يُطبع على الورق

هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...

تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...

السيطرة على الذكاء الاصطناعي: هل فات الأوان فعلًا؟

ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...