الرئيس المستشار..!! (2-1)
21 مايو 2014 , 12:00ص
أيام قليلة، ويغادر المستشار عدلي منصور موقعه كرئيس مؤقت لمصر، بعد إجراء الانتخابات الرئاسية، وتولي الرئيس المنتخب لمهامه في قصر الاتحادية، وهو غالبا المشير عبدالفتاح السيسي. ولعل التاريخ وحده، هو الذي سيحكم، على الفترة التي قضاها الرجل في منصبه. هي المرة الثانية في تاريخ مصر، بعد الدكتور صوفي أبوطالب، الذي تولى نفس المنصب لفترة محدودة، بعد اغتيال الرئيس محمد أنور السادات في أكتوبر 1981، باعتباره رئيساً لمجلس الشعب، لحين الدعوة إلى الاستفتاء على رئيس جمهورية جديد، وكان حسني مبارك نائب السادات في ذلك الوقت.
والتاريخ وحده، هو الذي سيحكم على مواقف الرجل وقراراته، خاصة أن جاء في الفترة الأكثر صعوبة في التاريخ المصري، ولا يمكن مقارنتها بتلك التي تولى فيها صوفي أبوطالب الرئاسة المؤقتة. في الأولى، اختفى الرئيس عن المشهد السياسي بالاغتيال، على يد مجموعة من المتطرفين من التيار الديني، من المنتمين إلى تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية، وفي ظل أزمة سياسية محتدمة، دفعت الرئيس السادات، إلى الدخول في مواجهة مع كل التيارات السياسية المعارضة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وقام بإلقاء القبض على كل الرموز السياسية، من فؤاد سراج الدين رئيس حزب الوفد، إلى عمر التلمساني المرشد العام للإخوان المسلمين، إلى حظر عمل البابا شنودة الذي اعتكف في دير وادي النطرون، ناهيك عن عدد من الرموز الإسلامية، والقبطية ومن كل طوائف المعارضة، ومع ذلك فإن اغتيال الرئيس السادات بهذه الطريقة الدرامية، أثناء حضوره العرض العسكري، بمناسبة الاحتفال بأعياد نصر أكتوبر، دفع الجميع إلى الشعور بالخطر، خاصة أن الحدث غير مسبوق في التاريخ المصري الحديث، رغم تعدد محاولات ومخططات اغتيال الرؤساء، في فترات مختلفة، ولكن الحدث فرض على الجميع، حالة من الهدنة والترقب لدى كل التيارات السياسية، التي علقت آمالها على الرئيس الجديد، الذي بدأ على الفور، وهو أمر يحسب لمبارك في بداية حكمه، في السير باتجاه المصالحة الوطنية، والإفراج عن كل المعتقلين.
أما عدلي منصور فقد قادته الصدفة إلى المنصب، حيث تولى مهمة النائب الأول للمحكمة الدستورية العليا، بحكم الأقدمية في عام 2012، وكان من المنطقي أن يتولى رئاسة المحكمة في 30 يونيو عام 2013، حيث أدى اليمين الدستورية كرئيس للمحكمة، خلفا للمستشار ماهر البحيري، ورئيس مؤقت للجمهورية في نفس اليوم. خاصة أنه لم يكن هناك رئيس لمجلس الشعب، بعد حله بقرار من المحكمة الدستورية نفسها، كما أن الوزارة كانت محسوبة على الدكتور محمد مرسي. ولهذا فقد تم تعيينه بموافقة عدد من رموز المجتمع المصري، لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحد، شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، والأنبا تواضروس، ورئاسة حزب النور السلفي، والمهندس حسب الله الكفراوي وزير سابق، وسكينة فؤاد مستشار الرئيس محمد مرسي لبعض الوقت قبل تقديم استقالتها، كما أن الاختيار تم بموافقة ودعم من قادة القوات المسلحة، الذين كان حضورهم أثناء الإعلان عن خريطة المستقبل، أكثر عددا من الآخرين، دون أي سند دستوري، بعد أن تم تعليق العمل بدستور 2012، وهكذا فإن المستوى الأدنى وزير الدفاع والمجلس العسكري، هو من قام بتعيين المستوى الأعلى، وهو الرئيس.
كما أن الرئيس عدلي منصور، تولى منصبه في ظل أزمة متلبسة، ومعقدة، وانقسام غير مسبوق في الشارع، فقد كان الأمر، على حساب أول رئيس مدني منتخب انتخابا حرا، وانتخابات اتسمت بالشفافية والنزاهة، وانقلابا على شرعية صندوق الانتخابات كما كان أداة التغيير، تدخل مباشر من القوات المسلحة والجيش المصري، الذي تصدر المشهد السياسي، مما دفع البعض من منظري ما بعد 4 يوليو، إلى الحديث عن شرعية الشارع، والجموع والحشود، وهي المرة الأولى والوحيدة التي يتم فيها الحديث عن ذلك، حيث تم العودة من جديد إلى شرعية الصندوق، في الاستفتاء على الدستور، وفي الانتخابات الرئاسية الجارية حاليا، كما تم تغييب الرئيس مرسي بشكل سري، وفي مكان مجهول دون أسباب أو مبررات واضحة، حتى بدأت الضغوط الدولية لمعرفة مصير الرئيس المختطف، وبعدها بدأ سيل قرارات الإحالة من النيابة العامة، وتوجيه اتهامات مختلفة، ومنها قتل المتظاهرين عند قصر الاتحادية، والتخابر واقتحام السجون، وبعضها كان قبل ترشحه للرئاسة، وكانت كفيلة بمنعه من الترشح، بل والعمل السياسي من الأساس، مما طرح تساؤلات مشروعة، حول اعتبارها تهما ذات طابع سياسي، تدخل في إطار الصراع الدائر في الشارع كما كان الشارع منقسما، ملايين تم استدعاؤهم للمشاركة في مظاهرات 30 يونيو، للمطالبة بتنحية الرئيس المنتخب، وأعداد مثلهم محتشدة في الشارع، للتمسك بشرعية الرئيس، وأعلنت اعتصاما مفتوحا في عدد من ميادين مصر، أهمها وأشهرها في رابعة العدوية، وميدان النهضة أمام جامعة القاهرة، في محافظة الجيزة، ومظاهرات، ومواجهات دموية في العديد من مناطق الجمهورية.
ولعل استمرار المستشار عدلي منصور، في السلطة طوال عام، وهي نفس المدة التي ظل فيها الدكتور محمد مرسي في منصبه، يطرح العديد من الملاحظات أولها ما يتعلق بالسؤال البديهي، الذي يدور حول طبيعة الدور الذي لعبه الرئيس المستشار، في الفترة التي قام بها بمسؤوليته؟ هل مارس دور الرئيس فعلا؟ أم أنه كان منفذا لرغبات قوى مخفية، تمارس المهمة من خلف ستار، ومن الطبيعي هنا، وفي ظل غياب الشفافية، عن تلك المرحلة، أن يؤكد البعض، أن الرجل تولى مهمته كاملة، ولم يكن انعكاسا لرغبات وزير الدفاع، في ذلك الوقت الفريق أول عبدالفتاح السيسي، قبل قرار بمنحه رتبة المشير، وهو الرجل القوي في تلك المرحلة، كما يمكن الاعتماد عند أصحاب تلك الرؤية، على مؤشرات مختلفة، منها ترؤسه للعديد من الاجتماعات، تم عقدها بحضور كبار المسؤولين، والوزراء والعديد من اجتماعات لمجلس الأمن القومي، كما قام الرجل بتكليف اثنين برئاسة الحكومة، حازم الببلاوي، والمهندس إبراهيم محلب، كما أصدر قرارات، وشارك في تمثيل مصر في مؤتمرات عربية وإقليمية، وكل ذلك صحيح، ولكن هناك عددا من الشواهد المخالفة، التي تنفي أنه كان صاحب القرار الأول والأخير في العديد من المناسبات، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، القرار الخاص بتعيين مدير جديد للمخابرات العامة، وهو محمد مختار التهامي خلفا لمحمد رأفت شحاتة، الذي عينه مستشارا أمنيا لرئيس الجمهورية، وهو الإجراء الأول الذي اتخذه المستشار عدلي منصور،
وأثار العديد من التساؤلات، خاصة أن التهامي محسوب على المشير السيسي، وكان مديرا سابقا للمخابرات العسكرية، قبل توليه مهمة رئاسة الرقابة الإدارية، وكان القرار من الفريق أول عبدالفتاح السيسي، كمحاولة لترتيب الدوائر المهمة في صنع القرار، خاصة الأجهزة الأمنية، خاصة التابعة لسلطة الرئيس مباشرة، بعيدا عن وزير الدفاع، ونفس الشيء يقال في التغيير الوزاري، الذي تم بإقالة حازم الببلاوي، بعد أن أكد الرجل في مناسبات مختلفة، أنه باق في منصبه، وأن الأمر قاصر على تعديل محدود لعدد من الوزراء، حتى وجد نفسه خارج الصورة، وهو إجراء كان أقرب إلى الإقالة، وقد تكرر ذلك المشهد مرات عديدة، وكلها تؤكد أنه لم يكن صاحب القرار الوحيد.
في المقال القادم، نستأنف قراءة أشهر في حكم المستشار عدلي منصور كرئيس انتقالي لمصر.